دكتور حمدوك رجاء الاتصال بوجدي ميرغني


بقلم : السر سيد احمد

في المؤتمر الصحافي الذي عقده الدكتور عبدالله حمدوك أثر عودته من باريس تحدث عن ان العبء يقع الان على السودان للأستفادة من المناخات الايجابية التي خلفها المؤتمر وان التحدي الذي يواجهه السودان لن يعالجه العالم الخارجي وأنما يقع العبء على السودانيين بمختلف مشاربهم وتكويناتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأنه بعد العودة الى المجتمع الدولي سياسيا واقتصاديا يبقى التحدي أمام السودانيين التوافق على مشروع وطني.

وهذا كلام سليم لكنه يحتاج الى الولوج في ميدان الخطوات العملية التفصيلية بأجال معلومة لتحقيق نتائج يلمسها الناس في واقعهم اليومي. فاعفاءات الديون على أهمتيها لن تنعكس على معاش الناس بصورة مباشرة، والاستثمارات الاجنبية تحتاج الى وقت لتتبلور في شكل مشروعات مشاهدة ومعروفة، علما ان من أكبر مهددات ما تم في باريس بل والفترة الانتقالية كلها وحلم التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي حالة التضخم العالية التي تجاوزت 300 في المائة والفجوة في ميزان المدفوعات التي تزيد على الاربعة مليار دولار سنويا هذا العام والعام المقبل وتبقي على جذوة التضخم مشتعلة، ولهذا أقترح على الدكتور حمدوك القيام بخطوة عملية والاتصال بوجدي ميرغني، رجل الاعمال المعروف ، وهي خطوة لها ما بعدها وذلك لسببين:

أن وجدي قاد مجموعة من رجال الاعمال يعملون في جانبي الانتاج والتصدير قبل سنوات ومن باب معرفتهم الحقلية تلك تمكنوا من أعداد خطة مفصلة لزيادة صادرات السودان الى عشرة مليارات دولار خلال فترة ثلاث سنوات. والمطلوب ببساطة نفض الغبار عن تلك الخطة وتحديث أرقامها لزيادة الانتاج أفقيا ورأسيا مع مراجعة للتركيبة المحصولية وأعطاء فول الصويا مثلا الذي تجاوزت المساحات المزروعة منه خمسة الاف فدان لاول مرة أهتماما خاصا كونه محصولا نقديا عالي العائد وهو من المحاصيل التي يمكن أن تكون لها قيمة مضافة سريعة في مجالات الاغذية وغيرها. وكذلك الاهتمام بالعديد من منتجات حزام السافنا تحديدا من الصمغ العربي والقنقليز والدوم والكركدي الى غيرذلك من تلك التي بدأت تجد طريقها الى الاسواق الغربية على أساس انها منتجات عضوية خالية من الاسمدة وتباع بأسعار عالية من خلال مبادرات لبعض الافراد في التسويق والتوزيع، وهو جهد يمكن أن يتطور متى تم ضمه الى خطة زيادة حجم الصادرات وأعطاءها قيمة مضافة. عملية تحديث الخطة هذه ستضع في الاعتبار قطعا التطوارت الايجابية الاخيرة في المشهد السوداني، الامر الذي يمكن أن يزيد من حجم الطموح ومن ثم الانجاز .

أما السبب الثاني فأن لوجدي والشركة الافريقية التي يقودها خبرة ثرية في ميدان الزراعة المطرية التي تشكل العمود الرئيسي للأنتاج الزراعي في البلاد لآن حوالي 35 مليون فدان في المتوسط تتم زراعتها مطريا بينما تلك المروية لا تتجاوز الاربعة ملايين فدان. هذا الى جانب اسهام الشركة الرئيسي في أحداث نقلة نوعية في نشاط هذا القطاع عبر مواجهة المعضلة المزمنة المتمثلة في قلة وشح الايدي العاملة وذلك من خلال ميكنة الزراعة في المناطق النائية التي تديرها الشركة وربطها بالستلايت. وتمثل مزرعة سمسم جنوب القضارف، التي تستحق الزيارة، نموذجا ناجحا وناصعا على قدرات القطاع الخاص في أحداث ثورة تغيير حقيقي في أكثر القطاعات المهملة رغم دوره المشهود في الاسناد الاقتصادي للبلاد، وربما يدفع هذا الى الاهتمام بالمطالبة القديمة المتجددة أن تنشئ وزارة الزراعة أدارة خاصة بالقطاع التقليدي الذي يغيب عن شاشة رادار الاهتمامات الحكومية.

البرنامج الذي يأتي به رجال الاعمال هؤلاء يحتاج الى نقاش مع المسؤولين حتى يصبح برنامجا للحكومة، الامر الذي سيعطيه ثقلا اضافية. فمثلا هناك اتصالات مع وكالة التنمية اليابانية (جايكا) للأسهام في تصنيع فول الصويا واعطاءه قيمة مضافة ووجود الحكومة والقطاع الخاص معا في برنامج مشترك لرفع حجم وقيمة الصادرات سيدعم هذا الاتجاه. ثم ان ما ستخلص اليه هذه الخطة يمكن أن يصبح أول تطبيق عملي لفكرة الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص التي أصدرت الحكومة قانونا بشأنها مؤخرا. ووضع هدف تحقيق فائض مستمر في الميزان التجاري من خلال الاليات التي أقامها القانون مثل المجلس الاعلى للشراكة والوحدة المركزية ولجانها الفنية، سيؤسس لتلك العلاقة على المستوى العملي ومن ثم يفتح الباب أمام شراكات متعددة في مختلف المجالات.

تنفيذ هذا البرنامج يحتاج الى موارد وهنا يأتي جزء أخر من هذه الخطة وذلك بأبتداع صيغ استثمارية تتيح للسودانيين داخل وخارج السودان الاسهام في التمويل عبر سندات أو صكوك أو أي صيغة عملية يتم الاتفاق عليها كي لا تلجأ الحكومة الى الاستدانة من ناحية ولتفتح الباب لمشاركة أبناء السودان في عمل يعود عليهم بفائدة مباشرة وليس عبر الاسهام بالتبرعات فقط.

ولكي يكون لهذه الخطوة معنى هناك حاجة ماسة لمواجهة على أعلى المستويات لأي عقبات فنية أو أدارية أو سياسية تقف أمام أنسياب التحويلات بين المصارف السياسية وتلك الاجنبية خاصة الخليجية وتوسيع دائرة الاختراقات التي بدأت ليشمل كل دولة خليجية كمرحلة أولية.

على ان الأهم من ذلك الاستعداد للمعركة الشرسة التي تنتظر الحكومة وتحتاج الى عزم وأرادة سياسية قويين للدخول فيها. فهذه الخطوة لا تهدف الى زيادة الصادرات فقط وانما أهم من ذلك الى أعادة حصيلة هذه الصادرات الى داخل البلاد والتعامل عبر القنوات الرسمية لآجهزة الدولة وتفكيك المؤسسات والنظم والممارسات الموازية التي نمت في فترات الحظر تحت ذريعة تجنب العقوبات، وهو ما يتطلب الكثير من السياسات والاجراءات والحسم الاداري لشبكات المصالح التي نمت وتمددت وتعمقت، بل وتوحشت خلال سنوات الحظر تلك عبر مختلف الممارسات ولعل أشهرها ظاهرة الوراقين التي تتسرب عبرها عوائد الصادرات الى الخارج ولاتعود الى البلاد. الخطوة الاولى المنتظرة في هذا الصدد حسم الاشكال الاداري والمالي بين وزارتي الصناعة والتجارة بعد انفصالهما الى وزارتين مستقلتين اذ ظلت الصناعة تسيطر على ميزانية التجارة. والاخيرة هي المنوط بها تنظيم الصادر وأستعادة حصيلته داخل البلاد.

ظروف الانتقال التي يعيشها السودان هذه المرة تختلف لا بسبب طول المدة فقط، وأنما بسبب الطموح في أن تتم معالجة مختلف القضايا التي أقعدت بالبلاد منذ أستقلالها، وهي المعادل لعملية بناء الدولة على أسس جديدة ولهذا استطالت الفترة الانتقالية متجاوزة مدار العام المعهود. لكن الى جانب العقبات المتوقعة والمفاجئة في عملية البناء هذه فأن غياب التنظيم السياسي الواحد والشخصية القيادة الكارزمية والرؤية الاستراتيجية المتفق عليها تجعل من كل عملية البناء المنتظرة هذه أكثر صعوبة وبطئا وقابلة للسير تقدما الى الامام أو تقهقرا الى الخلف كونها تحتاج الى الكثير من التوافق والمشاركة الجماعية عبر التقدم بخطى صغيرة هنا وهناك للتعويض عن غياب قيادة ملهمة ترسم الطريق وتضع البرنامج وتشرف على تنفيذه.

ومشروع تنمية الصادرات هذا يعتبر أحد هذه الخطوات وأنجازه يمكن أن يمهد الارضية ويوفر قدرا من الثقة للمزيد من الخطوات لبناء حلقة من حلقات المشروع الوطني عبر التجربة والخطأ والانطلاق من الواقع نحو التنظير وليس العكس وتفكيك الالغام واحدا أثر الاخر بداية بازالة نظام الانقاذ، وتطبيع العلاقات مع المجتمع الدولي سياسيا وأقتصاديا بعد الرفع من قائمة الدول الراعية للأرهاب.

ومع ان عملية التغيير ينتظرها الكثير في ميادين أستكمال السلام واصلاح المنظومتين العدلية والامنية ومستويات الحكم الى غير ذلك، الا ان أحداث تحسن في الوضع الاقتصادي واستطعام الناس لشيء من الانجاز الملموس هو الذي سيجعلهم يصبرون على متاعب الطريق الطويل والمتعرج للتغيير.





مصدر الخبر موقع سودان تربيون

أضف تعليق