بهاءالدين قمرالدين يكتب.. الحارة (16) بأمبدة… رحم الثورة (2)!


تمثل الحارة (16) بأمبدة محلية الأمير، أو كما يحلو لأهلها الطيبين تسميتها (الحارة ستاشر سوق أم دفسو)؛ تمثل نموذجاً مُشرفاً ومُشرقاً وباذخاً لسودان السلام والوحدة والانصهار والتمازُج!

قهي قد ضمّت في قلبها كل أهل السودان من الغرب والشرق والشمال والجنوب؛ بكل أعراقهم وثقافاتهم وقبائلهم وأصولهم، يعيشون جميعاً في تعاون وتعاضد ومَحَبّة وسلم، انصهروا وامتزجوا روحاً وقلباً ودماً، مُشكِّلين نسيجاً اجتماعياً واحداً، نبذوا القبلية والعنصرية والجهوية, وأسموا انفسهم (الستاشراب) نسبةً للحارة (16) أمّهم الرؤوم وأصلهم وفصلهم!

وإنشاء وتكوين الحارة وبناء منازلها ومساجدها ومدارسها؛ هو في حدِّ ذاته ملحمة كبرى تستحق الوقوف أمامها والحديث عنها وتذكير جيل اليوم بها للاقتداء بها واستلهامها وأخذ الدروس والعِبر منها؛ فهي تُعتبر نُموذجاً سامقاً لكفاح الإنسان ونضاله من أجل الحياة وقهر الصِّعاب, وتحدي العقبات والصِّعاب في سبيل بناء الأوطان، والتضحية من أجل الأبناء وجيل الغد والمُستقبل الواعد.

فقد كانت الحارة تدخل ضمن نطاق ما يُعرف آنذاك إبان حكومة جعفر نميري في سبعينيات القرن المُنصرم؛ تدخل في منطقة وحزام ما يُعرف بـ(المسح الاجتماعي)!

أي المناطق التي يُمنع فيها السكن والاستقرار وتشييد المنازل؛ حسب نص قانون الأراضي المملوكة للدولة آنذاك، ولا يحق لعامة الناس التعدي عليها أو التصرُّف فيها بأيِّ شكل من الأشكال!

ولكن وحتى يتغلّب الأهالي على هذا القانون الجائر, ويتمكّنوا من تمويه وخداع أعين (البوليس السري) وأمن نميري القوي، بهدف تشييد المنازل وبناء الغُرف التي تأويهم هُم وأبناءهم، كانوا يعمدون إلى انتهاج وسائل (تضليل) لم تخطر ولم تدر في خلد (جواسيس) النميري (أبو عاج) إطلاقاً!

فقد كان أهل الحارة المكافحون يكوِّنون (نفيراً) جماعياً كبيراً من كل السكان، ويقومون بعمل و(دق) الطوب الأخضر الطيني ليلاً ويخفونه في إحدى الغُرف والمنازل المُشيّدة وبعد أن يكتمل عدد الطوب الأخضر الذي يكفي لبناء منزل مُكوّن من غرفة ومنافع وسورها الخارجي، وبعد أن يجف الطوب الطيني، يأتي كل أهل الحارة ليلاً ويقومون ببناء الغرف والسور الخارجي وترمّل الغرف (بالرملة) وتُجيّر بالجير ويتم طليها والسور الخارجي (بالزبالة)، وكل ذلك العمل الكبير يتم في ليلةٍ واحدةٍ!

وعندما يأتي البوليس في الصباح يتفاجأ بوجود منزل جديد لم يره من قبل, فيسأل الأهالي عنه فيؤكدون له أن هذا المنزل قديمٌ ولم يبن حديثاً، وكيف يُبنى منزلٌ كاملٌ بغُرفة وسوره الخارجي في يوم واحد!؟، فينصرف البوليس وهو مُندهشٌ ومستغربٌ جداً، بيد أن كلام الاهالي كان مُقنعاً ومنطقياً ومفحماً!

ألم أقل لكم انها ملحمة الإنجاز الكبير وإرادة الحياة وقهر المستحيل من أجل الأبناء والبنين والمستقبل الزاهر!؟

لذلك يستحق أهلنا وآباؤنا وامهاتنا الكبار في الحارة (16) كل الاحترام والتقدير من أبنائهم وبناتهم، فقد ضحُّوا وتعبوا وقدّموا أغلى ما لديهم من أجل راحتهم وإسعادهم وتربيتهم وتعليمهم!

ولو كان بالمقدور لنحتنا لكل أب وأم بالحارة تمثالاً من الذهب الخالص تقديراً وعرفناناً واعترافاً بجمائلهم، ولكن اقل ما يُقدّم لهم الآن من جيل شباب اليوم الاحترام والتقدير؛ عسى ولعل أن نرد لهم نُذُراً يَسِيرَاً من جمائلهم وحقوقهم التي لن نُوفِّيها مهما فعلنا لهم، فلهم منا كل الاحترام والتقدير والحُب ونحن لولاكم لما كنا!

وكان أكبر تحدٍ واجه أهلنا الطيبين في الحارة (16) أمبدة هو بناء مدرسة داخل المنطقة، تُعلِّم أبناءهم وبناتهم؛ الذين كانوا يقطعون المسافات البعيدة ويذهبون إلى الحارات المُجاورة للدراسة في مدارسها؛ مثل الحارة (12) والحارة الرابعة أو الحارة السادسة بأمبدة، التي كانت أقدم وأعرق في مجال التعليم وتوجد بها مدارس تم إنشاؤها قبل تكوين الحارة (16) نفسها!

فعقد الأهالي اجتماعاً حاشداً في منزل العم (بري محمد آدم) مؤسس الحارة والنقابي المُحنّك والقيادي المايوي المعروف، وتناقشوا في امر انشاء المدرسة وبنائها وتوفير المعلمين لها.

وكانت أكبر مُشكلة تواجههم هو عدم اعتراف السُّلطات وحكومة نميري بوجود الحارة نفسها باعتبارها عشوائية وغير مُعترفٍ؛ وهي كما أشرنا من قبل تدخل في نطاق المسح الاجتماعي والتعدِّي على أراضي الدولة، فما بالك بإنشاء مدرسة!

وبعد نقاشات طويلة، خلص الاجتماع إلى بناء فصلٍ واحدٍ ومكتب للمدير والمعلمين (هذا إن وجدوا أصلاً)!

وبالفعل قام الأهالي بتكوين نفير التعليم وإعداد الطوب الأخضر ليلاً كما كان هو الحال في بناء المنازل؛ وبالفعل أُنشئت وشُيِّدت المدرسة في غضون شهر فقط من ذلك الاجتماع, وبني فصل واحد للصف الأول الابتدائي ومكتب كبير للمدير والمعلمين، فضلاً عن المنافع والسور الخارجي!

وبعد تشييد المدرسة، واجهت الأهالي مشكلة اكبر؛ وهي توفير المعلمين والمدير للمدرسة الوليدة الصغيرة غير المُعترف بها من قبل سلطات وزارة التربية والتعليم في حكومة مايو بقيادة الرئيس جعفر محمد نميري إبان نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات في القرن المنصرم، ترى من أين يأتون بالمعلمين والمُدرِّسين الذين يقومون بتعليم وتدريس أبنائهم وبناتهم وفلذات أكبادهم!؟

فعقد الأهالي، اجتماعاً آخر واحتضنه هذه المرة منزل العم الراحل الحاج آدم عبد الرحمن وهو من قُدامى الجُنُود والمُحاربين في قوات دفاع السودان، وشارك في حرب الطليان بالجماهيرية العربية الليبية؛ وعاش أكثر من خمسة وثلاثين عاماً في جنوب السودان قبل وبعد استقلال السودان، وكان من ضمن جنود القوات المسلحة السودانية في جنوبنا الحبيب، وهو من مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان!

وبَعد نِقاشٍ طَويلٍ، تفتقت عقلية الأهالي عن فكرة الاستعانة بالخريجين والأساتذة من أبناء الحارة ومعارفهم، ليقوموا بتعليم أبنائهم الصغار, وألزموا الجميع بالبحث عن كل من له علاقة بالتدريس ويمكن أن يفيدهم!

وبالفعل قام الأهالي بإخطار أقاربهم ومعارفهم الخريجين، وتطوّع أكثر من خمسين خريجاً ومعلماً للعمل في تدريس وتعليم أبنائهم!

ونواصل في الحلقة القادمة



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: