قراءة امامية في كبسولة بيئية «1»




قراءة امامية في كبسولة بيئية «1»

د. محمد أحمد عبد الله العمرابي*

احتفل العالم في الخامس من يونيو المنصرم (5- 6- 2021م) باليوم العالمي للبيئة تحت شعار «استعادة التصور والإنشاء والبناء».

كما سيؤرخ اليوم العالمي للبيئة لهذا العام لبداية عقد الأمم المتحدة لاستعادة النظام البيئي (2021- 2030)؛ والذي يهدف إلى استعادة وإحياء مليارات الأفدنة من الغطاء الغابوي والأراضي الزراعية، من أعالى الجبال إلى أعماق البحر. وبلا شك تساهم هذه الأفعال في إنهاء الفقر ومكافحة تغير المناخ ومنع الإنقراض الجماعي للكائنات النادرة وذات الجدوى الاقتصادية  الكبيرة.

نتناول في هذه المقالة من جزئين ورقة كُتبت في شكل كبسولة تحمل نفس المعاني وتهتم بنفس القضايا ذات الوزن الاعتباري العالمي ومن منظور محلي يركز على وضع ومعالجات القضايا البيئية في السودان. الجزء الاول يستعرض الورقة تقريرياً، والجزء الثاني يستقرئ الورقة تحليلياً.

متابعة لأنشطته التنويرية والتثفيفية الرائدة، دشن المكتب الخاص للإمام الباقي الراحل الصادق المهدي، ثلاث إصدارات في عيده ميلاده الموافق 25 ديسمبر من العام المنصرم.

كما جاء في التقديم، درج الإمام الصادق المهدي وبرافعة تنظيمية من مكتبه الخاص، في الاحتفاء بهذه المناسبة بشكل مختلف، فيه أعمال للفكر والتنوير والتثقيف المعرفي والإنساني.

سوف نتناول في هذه المقالة الكبسولة البيئية التي وردت في كتاب «يسألونك».

جاءت الورقة بعنوان «يسالونك عن البيئة: في صلاحها بقاء الحياة وفي فسادها فناء الحياة»، وتنقسم إلى مقدمة تأصيلية عن غايات حماية البيئة، وخاتمة تؤكد على الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني في الإلتزام بقضايا البيئة والتنمية المستدامة.

أما صلب الورقة فقد ركز على قضية التغير المناخي من حيث التعريف والأثر والجهود العالمية لمكافحته، وما يلينا في السودان من  واجبات جاءت في عشرين نقطة، وأربع مطالبات لتحقيق الأثر الإيجابي الذي يلجم تفاقم الظاهرة ويعكس مردود آثارها السلبية على الحياة البشرية.

في فذلكة تاريخية أشارت الورقة إلى عدة محطات مهمة في مجابهة العالم للتغييرات البيئية أهمها: إنه في عام 1992م أقامت الأمم المتحدة آلية للاهتمام بالمناخ وعبره أجمع العلماء أننا أفسدنا المناخ مدركين لذلك أكثر مما حدث أثناء جهلنا به. وفي هذا فهو يؤرخ لقمة الأرض أو مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية المنعقد في ريو دي جانيرو بالبرازيل 1992م. وسبقته عدد من المؤتمرات التحضيرية التي شاركنا في جانب منها حينئذٍ.

تاريخ مهم أيضاً، أنه في عام 1997م، تم توقيع بروتوكول كيوتو الذي بموجبه التزمت الدول بأن زيادة درجتين حرارة سنوياً هو الحد الأقصى تجنباً لتسخين المناخ وغمر المدن الساحلية والجفاف والتصحر وكثرة العواصف.

ثم تتابعت اللقاءات إلى أن وصلنا إلى مؤتمر واتفاقية باريس في 2016م، التي وقعت وصادقت عليها «195» دولة لخفض بث الغازات الدفيئة وحصر الزيادة في حرارة الأرض على درجتين مئوية أعلى مما كانت قبل الفترة الصناعية.

كما ذكر كاتب الورقة أنه: «من المؤسف أن الدول الصناعية تحدث أضراراً لا تصيب الذين ظلموا خاصة. بل تضر البشر أجمعين. اعترافاً بهذا الظلم قرروا دعم الدول الفقيرة بمبلغ 100 مليار دولار سنوياً».

أوضح الإمام الصادق في ورقته أن البشرية تملك كل الإمكانات لاحتواء التغيير المناخي الضار ولكن مع غياب الإرادة السياسية لم ولن يحدث إصلاحٌ لتجنب كارثة محققة بسبب القنبلة المناخية.

وعرجت الورقة إلى تناول الوضع في السودان، الذي قال الكاتب بأنه أحد ضحايا القنبلتين النووية والمناخية.

ولخصت الورقة واجبات السودان نحو البيئة في عشرين نقطة وشرحت إيجازاً كنهها.

جاءت تباعاً فيما يلي: اتباع البلاد دبلوماسية المناخ، التعاون مع القوى المستنيرة في الدول الصناعية، التوافق في إطار الـ77 على تخصيص مبلغ الـ100 مليار دولار تعويض لتمويل تشجير مناطق السافانا وحماية الناس من الغمر البحري ودعم التحول نحو الطاقة النظيفة، الالتزام بمحاربة الزحف الصحراوي، وفقاً للخطة القومية لمكافحة التصحر. واتخاذ هدف السودان بساط السندس هدفاً قومياً، وتنفيذ الخطط المراعية لسلامة البيئة في الزراعة المروية والمطرية الآلية والتقليدية، وتخطيط المراعي لكيلا تتداخل مع الزراعة.

ومما يجدر ذكره أن هذا التداخل أدى إلى التضارب بين الفلاحة والرعي وحدوث صدامات واقتتال لا سيما في غرب وجنوب وشمال دارفور، مع ضرورة تكوين إدارة موحدة للمياه في السودان، وتطوير قطاع النقل، والاهتمام بالطاقات البديلة كإنتاج الإيثانول أي الوقود الحيوي من العنكوليب، وإمكانية استغلال السودان لثرواته المعدنية بوسائل صديقة للبيئة، واستثمار إمكانات السودان المعدنية الضخمة والمتنوعة، والتركيز الإيجابي على موضوع الذهب الذي ينتج الآن بوسائل ملوثة للبيئة ويتاجر فيه بوسائل ملوثة للاقتصاد الوطني، ومراجعة كافة إدارة تعدين الذهب على أساس إصلاحي.

ومن النقاط المهمة أيضاً، معالجة مسببات الجفاف والتصحر وإهمال الأرياف والحروب، وتفعيل أنظمة الصرف الصحي، وأن يكون الوعي بالبيئة جزءاً مهماً من برامج التعليم في كل المراحل التعليمية، والاهتمام بوسائل التجميل الصديقة للبيئة.

كما دعا الكاتب إلى تنظيم ورشة لدراسة القوانين الحالية المتعلقة بالبيئة وتطويرها لتحقيق الأهداف المذكورة هنا، يعقبها مؤتمر قومي للبيئة للاتفاق على ميثاق قومي للبيئة.

أبانت الورقة أن قضية البيئة لا يمكن تناولها في فراغ بل تتطلب تحقيق أربعة مطالب، أولها: الحكم الراشد الذي يقوم على كفالة حقوق الإنسان الخمسة: الكرامة، والحرية، والعدالة، والمساواة والسلام. ويؤسس نظام الحكم على المشاركة، والمساءلة، والشفافية وسيادة حكم القانون. وثانيها: تحقيق السلام العادل الشامل والقضاء على الأسباب التي أدت للاقتتال وإزالة آثار الحروب. أما المطلب الثالث فيتمثل في تحقيق نظام اقتصادي يحقق تنمية مجدية وعادلة فإن الوضع الذي يميز قلة من المجتمع ويفقر الأغلبية خطيئة أخلاقية وقنبلة تمزق النسيج الإجتماعي. ورابعاً وأخيراً تحقيق علاقات إقليمية ودولية خالية من التبعية ومن العدائية وموزونة في التعامل مع حلقات انتماء السودان العربية، والأفريقية، والإسلامية، والدولية.

* باحث في مجال البيئة والتنمية المستدامة



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: