البينا ميرتس الروسية زوجة الشاعر تاج السر الحسن.. البصمة الخفية في إبداع الشاعر وحياته.. بعد مجيئها إلى السودان لم ترجع إلى الاتحاد السوفيتي سوى مرتين


براحات: تيسير حسين النور
(البينا) اسم لاتيني الأصل بمعنى المُشرق او الأبيض .. ولدت وعاشت صباها في الريف الروسي الاخضر برغم جذورها الاستونية (نسبة لجمهورية استونيا المطلة على بحر البلطيق، وكانت حينها تنتمي الى الاتحاد السوفيتي)، ولشغفها بالآداب.. روسيةً كانت ام اجنبية.. فقد التحقت بمعهد جوركي Gorky للآداب بموسكو، وهو معهد يستقبل فقط الطلاب الموهوبين والادباء الموعودين من كافة جمهوريات الاتحاد السوفيتي ومن خارجه، وهناك التقت برفيق دربها وشريك حياتها وبلا شك توأم روحها الطالب السوداني تاج السر الحسن..
ويصفها ابنها الحسن تاج السر بأنها: كانت بيضاء القلب مُشرقة بالامل ومشعة بالتفاؤل والرضاء وفريدة ومعتدة بشخصيتها دون عناد.. وصريحة دون حدة وواضحة بطبعها.. وخفيفة الروح.. لماحة.. يستهويها الجمال حيث ما كان وكيف ما كان.. تستهويها التفاصيل الجميلة وتحب ان تحكي او تكتب حكاياتها وقصصها واخبارها مزدانة ومرسومة بالالوان، لذلك ودون ان تدري تجد نفسك وسط مشهدها الذي تحكيه وتعيشه وتتنفسه..
اما قلبها.. وما ادراك ما قلبها.. فقد وسع كل من لجأ اليه عاطفة ومواساة وحناناً ورعاية.. فكانت اماً لكثيرين غيري واختا كذلك للكثيرين وصديقة ايضاً.. تجود لهم بكل ما تملك من انواع العطاء ما احست هي بذلك. يقول الحسن: ان هذه بعض من ملامح شخصية وروح الوالدة البينا ميرتس الجندي المعلوم في حياة الوالد، والتي عندما سئل الوالد ذات مرة في جلسة ود وصفاء مع احد الأقرباء المقربين الى قلبه.. ما هو اول شيء لفت انتباهك اليها؟ رد بغير تردد: سعة افقها… فكانت سعة الافق هي بداية التناغم والانسجام والحب والمودة التي دامت العمر كله.
وطنها الثاني:
يقول الحسن: عاد الوالد الى ارض الوطن في ١٩٧٢م وجاءت معه الوالدة وشخصي الى عالم جديد تماماً عليها، واستقبلت بحفاوة وترحاب وحب ومودة قل نظيرها من جدتي الجميلة الحكيمة سيدة محمد الامين رحمها الله، والعمات والاعمام والاهل جميعهم، مما خفف عليها احساس الغربة الذي تلاشى لاحقاً مع الزمن، ليصير السودان وطنها الثاني وتصير سودانية بالتجنس في زمن آتٍ.
وبعد عودته من الاتحاد السوفيتي واجه الوالد صعوبات جمة في الالتحاق باي عمل، وقوبل بالصدود والمعاكسة خصوصاً في الجامعات، حيث اعتبر بصريح العبارة في احداها (احمر) غير مرغوب فيه.. وقابلت الوالدة ذلك كله بالسند والعضد والصبر والتصبير الجميل، وهكذا ظلت دوماً طيلة حياتها صماماً
للامان ومصدراً لا يخفى على احد للطمأنينة والاطمئنان والاستقرار النفسي والروحي للاسرة، وكأنها في شأنها هذا تقول ان جازت لي الاستعارة من القاموس العسكري العامي السوداني(ارمي يا تاج لقدام.. ورا مؤمَن).
تناغمت مع الوالد روحاً وفكراً وبساطة وزهداً، فكانت لها البصمة الخفية في دافعيته للعمل وفي الابداع والانجاز، وكثيرا ما كان الوالد يستشرف رأيها ونقدها ويناقشها في كتاباته ومقالاته خصوصا اذا تعلق الامر بالادب الروسي والعالمي.
وبعد مجيئها الى السودان لم ترجع الى الاتحاد السوفيتي سوى مرتين آخرها في عام 1983م، وتعلمت اللهجة السودانية والكثير من فنون المطبخ السوداني مع اضفاء نكهة المطبخ الروسي عليه.. وتعايشت خلال كل تلك السنوات بسلام وتأقلم وحب مع كل ظروف السودان واحواله كأنما السودان هو وطنها الام.
التدريس.. نكهة خاصة
وبعد عودتنا من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية 1976م التحقت بالعمل في جامعة الخرطوم كامينة لمكتبة شعبة اللغة الروسية بكلية الآداب، ثم صارت محاضرة للغة بعد نيلها الماجستير في الادب الروسي. واضفى حبها للتدريس وروحها الطيبة المرحة ومعرفتها الموسوعية للادب الروسي خاصة والعالمي عامة نكهة وروحاً خاصة، وهذا ليس قولى بل قول كل من تتلمذ على يديها.. وعلاقتها بطلابها لم تكن قاصرة على حجرة الدراسة فقط فقد كان قلبها مفتوحاً لهم كبناتها وابنائها.. تهتم بهم وتعرف ظروفهم الصعبة وتساعد من يحتاج منهم من مالها الخاص في سرية وكتمان لم تكشف الا بعد وفاتها.
قبل وفاتها بعامين اصيبت بالتهاب في الدم، والغى الوالد جميع ارتباطاته ومحاضراته، وبرغم وجودي لم يفارقها سوى لساعات محدودات بعد الحاح من الاهل والاحباب.. وما ان عاد وبدل ملابسه واراد ان يستريح قليلاً، الا انه سرعان ما قفل عائداً ادراجه لها.. ولم يختلف الحال في مرضها الاخير.. فكان قربها وكانت معه حتى آخر انفاسها في الدنيا.. ولم تكن لي اجمل ام فقط بل اجمل واوفى صديقة، ولم تكن البينا لتاج السر الحسن زوجة وشريكة حياة فقط، فقد زادهما الزمان والعشرة ونضال الحياة قرباً والفة ووداً ومحبة، وما بينهما كان اجمل واكثر روعة واعمق من تصفه الكلمات..
وصعدت روحها الطاهرة الى بارئها في فجر (30) رمضان الموافق 9/9/2010م، ووريت الثرى بمقابر البنداري بالحاج يوسف، وبرغم من ان مقابر الأسرة في مقابر المحجوب ببحري، فقد اوصى الوالد بدفنه بجوارها على الاقل في المقبرة ذاتها وقد كان له ما اراد.
* العلاقة بأهل الوالدة رحمها الله..
للوالدة اخت واحدة .. نينا.. وهي مقيمة وزوجها بتالين عاصمة استونيا، ومازلت على تواصل معهم  والحمد لله.. ومازلت ايضاً على تواصل ايضاً مع صديقاتها ومعارفها في روسيا الاتحادية والسودان متعهم الله جميعاً بالصحة والعافية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: