د. حسن محمد صالح يكتب: نحر الحرية وإغتيال العدالة


٣٠ يونيو هذه المرة جاءت مختلفة عن سابقاتها وبطعم ولون مختلف وحكومة غير التي عهدها السودان قبل حوالي عام من الآن وهي حكومة (الحرية والتغيير) الحاضنة السياسية التي كانت تضم أحزاب اليسار وتجمع المهنيين الذي يمثل الواجهة النقابية للحزب الشيوعي السوداني فالحزب الأبرز والحاكم الفعلي الآن هو حزب البعث العربي الإشتراكي وإلى حد ما حزب الأمة القومي. أما المعارضة التي خرجت في ٣٠ يونيو ٢٠٢١م تنتمي إلى تيارين متناقضين هما الحركة الاسلامية السودانية وحلفائها في قوى الخلاص الوطني «أختونا». والحزب الشيوعي السوداني الذي خرج في ٣٠ يونيو بإعتبارها المناسبة التي إنتصر فيها الشارع السوداني بقيادته علي العسكر وبيان الفريق البرهان عقب حادثة فض الإعتصام والذي أعلن فيه إجراء الإنتخابات بعد عام وقد اسفرت ٣٠ يونيو عن تشكيل حكومة الدكتور عبد الله حمدوك بعد حوار مع المجلس العسكري ولكن الحزب الشيوعي أعلن خروجه من الحرية والتغيير وقرر اسقاط حكومة الفترة الإنتقالية أما ٣٠ يونيو الاسلاميين فهي ذكرى ثورة الإنقاذ ١٩٨٩م والتي استمرت ٣٠ عاماً حتى سقوطها في إنقلاب عسكري بقيادة اللجنة الأمنية التي أعلنت إنحيازها للجماهير في ميدان القيادة العامة لتطابق وجهة النظر في المسمي ويختلف المعني والهدف فمسمي الحكومة الحالية بشقيها المدني والعسكري (( عند الحزب الشيوعي والإسلاميين)) واحد وهو إنقلاب اللجنة الأمنية للرئيس السابق المشير عمر البشير والتي ينظر إليها الحزب الشيوعي على أنه نوع من الهبوط الناعم أزال رأس النظام وأبقى على دولته العميقة التي يتم تفكيكها بواسطة لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو واسترداد المال العام أو المنهوب كما يقولون .
وتتلخص رؤية الاسلاميين في التغيير على أن اللجنة الأمنية غدرت بهم وما قامت به هو خيانة من قبل قيادة الجيش التي تحالفت مع اليسار وشكلوا حكومة فترة إنتقامية وليست إنتقالية كما تسمي نفسها. الطرف الثالث والمهم في حراك الأربعاء ٣٠ يونيو ٢٠٢١م هم الشباب الذين فجروا الثورة ورفعوا شعار حرية سلام وعدالة إلا أن ثورتهم قد تمت سرقتها وجعلت منها أحزاب الحرية والتغيير غنيمة و جاء تشكيل حكومة الثورة على أساس المحاصصة الحزبية بدلاً عن الكفاءات الوطنية كما تم الإعلان عن ذلك في ميدان القيادة العامة أمام المعتصمين وبواسطة نشطاء منهم المهندس خالد سلك وزير مجلس الوزراء. وكانت المحصلة وتدهور الأوضاع الإقتصادية والمعيشية بصورة أسوأ وأنكأ مما كانت عليه في ظل حكومة الانقاذ التي خرجوا عليها وقد شمل التدهور لكل مجال من المجالات بما في ذلك معاش الناس ومواصلتهم وصحتهم وتعليمهم وأمنهم الذي استحال إلى إنفلات وعصابات تنهب الناس أموالهم في وضح النهار وعلى عينك يا سلطات أمنية وسياسية. وفوق كل هذه المكونات والتحولات هناك جموع الشعب السوداني التي ضاق بها الحال وسادت حالة من اللوم والعتاب والسخرية من الشباب يجدونها في الشارع بأنهم لم يأتوا بجديد وأن الأحزاب اليسارية قد خدعتهم وقدمتهم غرابين وسلم للوصول للسلطة وهم اليوم الخاسر الأكبر مدارسهم مغلقة وجامعاتهم معطلة وليس لهم غير البطالة حتى النوم والراحة لا يجدونها لأن التيار الكهربائي مقطوع من المنازل آناء الليل والنهار. كل هذه الجموع خرجت ورفعت شعار إسقاط الحكومة وهذا حق كفله القانون والوثيقة الدستورية وكافة الشرائع السماوية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان العالمية وتنادى المتظاهرون للخروج والتوجه إلى القصر الجمهوري بدلاً من القيادة العامة للقوات المسلحة هذه المرة وكانت الحكومة ممثلة في لجنة التمكين وحزب البعث الحاكم بكتائبه المسماه كتائب حنين وقوات الشرطة السودانية وهذه أصدرت بياناً تحدثت فيه عن مواجهات وقعت بين الشرطة والثوار في الوقت الذي كانت الشرطة تقدم الطعام والمشروبات والعصائر لحراك ٣ يونيو وفي ٣٠ يونيو صادرت لجنة إزالة التمكين وجبة إفطار قام المتظاهرون بإعدادها من حر مالهم ومنعت عنهم الماء وشرعت منذ الساعات الأولى من صبيحة الثلاثين من يونيو في إعتقال أعداد من المواطنين من قبل أن تتأكد من أنهم سوف يشاركون في الحراك حاسبتهم بنواياها ومخاوفها من التظاهرات وتم تجميع من تم القبض عليهم وتصويرهم في أوضاع مسيئة لحقوقهم كمواطنين والتهمة أنهم قادة في حزب المؤتمر الوطني المحظور علماً بأن المؤتمر الوطني لم يعلن مشاركته في ثورة ٣٠ يونيو وتم تصويرهم على أنهم مخربون وكانت المعروضات عبارة عن هواتف وبعض الأسلحة البيضاء ونست لجنة إزالة التمكين أن سعر السكين أصبح ١٥ الف جنيه ليس بسبب عيد الأضحى وذبح الخراف ولكن كل مواطن سوداني يحمل سكيناً للدفاع عن نفسه من إعتداء عصابات النيقرز واللصوص وبعضهم يحمل مسدسات وقد سملت الإعتقالات الصحفيين والإعلاميين منهم مراسلي قنوات فضائية على رأس الَموقفين ليوم الأربعاء (( المخرج العالمي الشهير)) سيف الدين حسن مخرج حلقات أرض الحضارات وكان الإعتقال يتم بواسطة أناس يرتدون الزي المدني يستغلون البكاسي ويجمعون المقبوض عليهم في مبنى البرلمان الذي شهد إعلان استقلال السودان من داخله واليوم تستخدمه لجنة إزالة التمكين بيت من بيوت الأشباح بعد أن أحالت مبنى مجلس الصداقة الشعبية العالمية إلى نيابة فأين هي المدنية وكل الطرق المؤدية لمجلس الوزراء مغلقة وعليها نقاط إرتكاز والإذاعة والتلفزيون تحيط بها الدبابات والمنجزرات والقصر الجمهور لا يستطيع المواطنون السير أمامه بسياراتهم ووزارة الداخلية تغلق الشارع المار أمامها وهذا كله يؤدي إلى عرقلة المرور ويدل على أن البلاد في حالة طواريء وقبضة أمنية وليست في تحول ديمقراطي ووالي الخرطوم يغلق الجسور ويعلن يوم الأربعاء عطلة للعاملين في ولايته وكأنه في تحالف مع رئيس الحركة الشعبية شمال الرفيق عبد العزيز الحلو الذي طالب بجعل الأربعاء عطلة في السودان بدلاً من الجمعة التي تعتبر عيد المسلمين وراحتهم الأسبوعية. التظاهر حق كفله القانون وليس هناك سقفاً في المطالب السياسية وما فعلته الحكومة ممثلة في لجنة إزالة التمكين ووزير الداخلية يدل على أن الحريات قد إنتهكت والعدالة في مأزق كبير لأسباب يضيق المجال عن حصرها في هذه العدالة ولابد من حلول لهذه الأزمات بحوار وطني شامل يدعو مجلس السيادة كل القوى السياسية لأن السودان ملك للجميع والكل في السودان يساوي شيئاً ولكن الجزء مهما إمتلك السلطة والثروة لا يظل جزءً لا قيمة له وإذا كان الإنفراد بالسلطة قد أضر بالأنظمة السابقة الشمولية منها والديمقراطية فلا داعي لتجريب المجرب يا حزب البعث العربي الإشتراكي فالقيادة الصمدية والقطرية لم تنفع المهيب صدام حسين ولا الرفيق بشار الأسد والتجريم الإعلامي لا يفيد والقائد الحقيقي يا دكتور حمدوك من يحول الأزمات والتوترات إلى صيغ للتراضي الوطني كما قال الإمام الصاذق المهدي عليه رحمة الله. فالشارع كان ينتظر إطلاق سراح المعتقلين وليس زيادة العدد وخفض أسعار المحروقات وليس زيادتها لأن الحكومة أصبحت طيبة من ليل الثلاثين من يونيو الطويل أنتبهوا أيها السادة للوطن وأنسوا ذواتكم الفانية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: