القطار في السودان.. وسيلة سفر ووجدان أمة




لم تكْ خطوط السكك الحديدية عند السودانيين مجرد قضبان يسير عليها قطار، بل مثلت لهم حياة كاملة التفاصيل.

التغيير: عبد الله برير

منذ دخول القطار السودان مع المستعمر الإنجليزي، قامت معه ثقافات جديدة ونمط حياة مختلف.

ارتبط القطار عند السودانيين بشتى ضروب الحياة ابتداءً بطقوس السفر مروراً بالأغنيات، وصولاً إلى الأمثال الشعبية.

ووجد الناقل الجديد -آنذاك- احتفاءً كبيراً في الغناء السوداني وارتبط بحكايات العشاق لا سيما التي تطرح مواويل الفراق.

مفردات الحياة العامة

فرض القطار نفسه بقوة حضوره في اللهجة المحلية ودخل البيت السوداني من أوسع الأبواب.

وحين اليأس من شيء أو من شخص يقول السوداني غاضباً: “قطر عجيب يودي ما يجيب”.

ويطلق مجازاً على السيدة التي كبرت في العمر ولم تحظ بالزواج  بأن القطار فاتها.

ثورة ديسمبر

ميدان اعتصام القيادة العامة بالخرطوم ارتبط بحدث وجداني مثل للسودانيين الكثير.

ثوار مدينة عطبرة شماليّ البلاد سيروا قطاراً إلى مدينة الخرطوم، وجهته أرض الاعتصام، وكان يفيض بالثوار الذين ملأوا المقاعد والأسطح والتحموا بثائري منطقة القيادة في حدث مهيب.

نصيب الأسد

الأغاني السودانية اختلفت ما بين ممجدة للقطار وما بين ذامة له مجازياً حال سافر حبيب على متنه وحرم محبوبه الوصال.

ومن أمثلة الأغنيات التي تمقت سفر القطار حاملاً المحبوب ومعلناً الفراق، ما تغنى به الراحل صالح الضي:

يوم سافر قطارك جاني الخبر عشية

عزوني العوازل ما نامت عينيّ

ويقول شاعر آخر:

لما القطر صفر شالو

دموعي من عيني سالو

وتغنى المرحوم إبراهيم عوض بأغنية شكلت لوحة حرمان ووداع جاء فيها:

قطاره تحرك شوية شوية

وأنا من بعيد شفته لوح ليّ

بكت عينيه وبكت عينيّ

يا الله متين رحماك عليّ

أرض خصبة

لارتباط القطار بحياة الناس في أزمنة سابقة، كان حله وترحاله ملهما للمزيد من أشعار الحرمان والشوق والترحيب بعودة الأحباء.

كما صدحت مجموعة البلابل الغنائية  بأغنية ربما هي الأشهر في قصص القطارات بعضاً من مقاطعها يقول:

قطار الشوق متين ترحل تودينا/ نزور بلدا حنان أهلها/ ترسى هناك ترسينا

 نسالم عطبرة الحلوة تهدينا وترسينا/ نقابل فيها ناس طيبين/ فراقهم كان ببكينا

يا قطار الشوق متين ترحل/ حبيبنا هناك راجينا/ لا متين نحضن عويناتو/ لا متين يسرع يحينا

مخاطبة القطار بالأشواق والحنين وتسطير المبالغات يستمر:

يا قطار الشوق حبيبنا هناك يحسب في مسافاتك

ولو تعرف غلاوة الريد كنت نسيت محطاتك

وكان فكرت في الميعاد وكان قللت ساعاتك

وكان حنيت علي مرة وكان حركت عجلاتك

قطار آخر بقصد أو بغير قصد حمل معه الحبيب (القطار المر فيه مر حبيبي) والتي تغنى بها الفنان الراحل عثمان الشفيع.

بالفصحى

الشاعر السوداني محمد المكي إبراهيم تناول سيرة القطار في أحدى قصائده وحكى رحلاته بالتفصيل.

يقول:

هذي ليست أحدى مدن السودان

من أين لها هذي الألوان؟

من أين لها هذا الطول التياه؟

لا شك قطار الغرب التائه شاخ.

ذاكرة المدن

ارتبط القطار بعديد من المدن التي صبغت بصبغته على غرار مدينة عطبرة السودانية.

وخلدت فرقة عقد الجلاد لارتباط عطبرة بالسكة الحديد، وجاء في أغنية فاجأني النهار: لمّا القطار صفر وقف/ بهرتني صورة عطبرة.

عطبرة بلد العمال تلقب بـ(بلد الحديد والنار  واشتهرت بالنقابات العمالية ومنافحة الأنظمة الاستبدادية.

وينسب القطر لعدة مدن أشهرها (قطر كريمة) وقطر أويل (تنتمي حاليا لدولة جنوب السودان) وقطار أبوحمد شمال السودان.

المسرح والإذاعة

كان القطار حاضرا في خشبة المسرح السوداني حيث ألف الكاتب  عبدالله علي إبراهيم  مسرحية شهيرة ( السكة حديد قربت المسافات).

إذاعيا كتب الشاعر السوداني هاشم صديق المسلسل الإذاعي المعروف ( قطار الهم) الذي كان يبث عبر راديو هنا أم درمان.

هل من عودة

مع عودة قطار الخرطوم بورتسودان بعد 16 عاما، هل تعود ذكريات السكة حديد بعد إهمال متعمد من قبل النظام البائد في السودان الذي قطع كل أواصر لمحبة والترابط بين الناس؟

وهل تشهد الساحة الفنية نصوصاً جديدة في المسرح والغناء، مع العلم بأنّ آخر أغنية كتبت قبل سنوات من القطيعة مع أغاني السكك الحديدة تغنى بها الفنان الشاب أحمد الصادق:

القطار دور حديدو

مني شال زولي البريدو

شوقي ولع فيني نار



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: