رحيل شاعر الغلابى والملاحم الشعرية.. القدال.. (يا حزن الغنا) صابرين..!!


كتبت: هادية قاسم
تقاطرت الأحزان وظللت سحابات الحزن جموع الشعب السوداني الذي ودّع الشاعر الكبير محمد طه القدال بعد أن داهمه المرض اللعين، فقد احتشدت كل معاني الفقد والأسى في تلويحة الوداع الأخيرة للراحل الذي ظل يناضل على مدى سنوات طويلة بحرفه وقلمه الجسور، فلم يثنه عن نضاله بطش الأباطرة ولم تلن عزيمته، بل قطع القدال وعداً بأن يمضي في رحلته منافحاً ومدافعاً عن الوطن وإنسانه الكادح الى أن قبض الله أمانته.
إنسانيته
ولا يختلف اثنان في إنسانية الشاعر القدال الضافية التي شكّلت منه الإنسان الشاعر الرقيق الذي ظل يكتب لأجل الفقراء والكادحين، فكان سبّاقاً لمناهضة الظلم الذي يقع على الضعفاء، ودائماً ما تحضر بديهيته الشعرية التي يطوّعها ويكرّسها في خدمة هذه الطبقة المستضعفة. وقد تمكن القدال من مزج الفصيح بالعامي في أشعاره الامر الذي أعطى شعره نكهة مغايرة، وكان للغة العامية البسيطة السلسة التي يحرص على استخدامها اثر كبير في استيعاب المتلقي شعره، مما جعل قصائده تتربّع في ذاكرة الشباب من الشعراء والمتلقين بشكل عام.
مشروعه
للقدال حلمه ومشروعه الذي وضعه نصب أعينه منذ أن كان صبياً يافعاً، حيث كان الوطن همه الأول والأخير، وكانت الإنسانية هي الغاية التي ينشدها، وربما هذه هي المعادلة التي جمعت بينه وبين الراحل المقيم مصطفى سيد أحمد ورفيق دربه أزهري محمد علي، فيما كان الظلم أيضاً هو عدوّه اللدود الذي ظل يرفع له قلمه ملوّحاً له بالتهديد والوعيد، فلم ترهبه زنازين العسكر ولم تزده معتقلات الأنظمة الدكتاتورية الا جسارةً وقوة. وكان كلما سقط وقف بضراوة، فلم يعرف اليأس طريقاً اليه، وكان حلمه بأن الليل لا بد له أن ينقضي وأن الصباح سيأتي وإن طال أمد الظلام. وشارك في ثورة ديسمبر المجيدة وهو جزء أصيل منها ومما حدث من تغيير على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي.
إبداعه
كتب الراحل عدداً من الأشعار ذات الطابع الوطني والرومانسي، فقد تغنى للوطن وكتب بدمه ودموعه وهو يناضل بالحرف مع ايمانه بأن قوة الحرف هي الأبقى، وتنوعت كتاباته فقد كتب للحبيبة أيضاً، لذا فقد أتت أشعاره متباينة مازج فيها ما بين الواقع والخيال :
ما خايف المطر
يتحاشى الضهاري الراجية قولة خيرا
ولا خايف المطر
يمشي على الصحارى تلمو في بشكيرا
ولا خايف العشم
يتناسى العشامى ونيما ياكل نيرا
ولا خايف النفس
تتذكر نفسها وتنسى يوم حِدّيرا
خوفي على البلد
الطيب جناها وقمنا في خُديرا
وله نص يتباكى فيه على انفصال الجنوب يقول في جزئية منه:
دمي المشتت من قبايل نوح وحام
شعري المقرقد زي حصايا
اتشتت فوق الدروب
كتفي المهدل بالعيوب
وأنا ما بجيب سيرة الجنوب
أصل البقت
من ساس وسايس أو يسوس
ياها البقت
خلونا من حرب البسوس
الفاضلة
تكفير الذنوب
الفاضلة لمليم البشاتن
والمعاطن
والخبوب
وكتب شليل :
بقول غنوات .. واقول غنوات
فى البلد البسير جنياتها لى قدام
وفى الولد البتل ضرعاتو فى العرضة
ويطير فى الدارة صقرية
ولو السمحة تلت إيد
ومدت جيد يقوم شايلاه هاشمية
أيضاً :
صابــــــريــن
صابرين
يا حزن الغنا
صابرين
من بعد الضنا
صابرين
على وعد المنى
ما بينه وبين أبو السيد
جمعت القدال علاقة وطيدة بالراحل مصطفى سيد أحمد، وكانت أواصر المحبة والإخاء هي ديدن تلك العلاقة، وسبق أن ذكر القدال أن الخرطوم هي التي جمعته بمصطفى، وقد كتب القدال (المدينة الفاضلة) في وداع صديقه الراحل مصطفى سيد أحمد، وقد برع في توصيف حزنه على الراحل في ما قال :
قدر يوتوبي ترحل في مداين الناس … مدينة
يندلق حسك حداهم قطرة قطرة تعبي صوتك بي نداهم
مشدود وتر صوتك ربابة مسنود عليك صوت الغلابى
مفرود من الزمن المفتق والمرتق بالرتابة
مولود مع الجدة المعتقة والمجرتقة بالرحابة
لم يكن مجرد شاعر
ونعى رئيس الوزراء ومجلس الوزراء الراحل، وقال مجلس الوزراء في بيان: (روعت بلادنا مساء هذا اليوم برحيل الشاعر الكبير محمد طه القدال، الذي لقي وجه ربه بمستشفى الأمل بالدوحة، بعد رحلة من المعاناة مع المرض سافر فيها مستشفياً للقاهرة ثم الدوحة).
ووصف البيان الشاعر محمد طه القدال بأنه (لم يكن مجرد شاعر عبر من تاريخنا، لكنه صاحب مشروع شعري وإنساني ووطني عظيم، غني بالمعاني والقيم الجميلة. وظل طوال حياته صادحاً بأغنيات الحب والخير والجمال، شاديا بأغنيات الحرية والطلاقة حتى في ظل أعتى الديكتاتوريات التي غطت سماء بلادنا).
وقال الوزراء السودانيون في تأبينهم: (ننعى اليومَ علماً مِن أعلامِ الأدب السوداني، حكيمَ الشعراء، أو شاعرَ الحُكماء، الشاعرَ الإنسان محمد طه القدال الذي كانت حكمته المسجوعة زاداً للصبرِ على عسفِ الاستبدادِ وعهودِهِ المتطاولة، ووقوداً لمقاومته، وإكسيراً يُطَبِّبُ جروح الأفئدةِ والأرواحِ).
وأشير إلى أن الفقيد كان (شاعر الأمل والتفاؤل، لم يستسلم لليأس والقبح والظلم، ولم يكفر بإمكانية انتصار الحق .. ولو بعد حين، كان دائماً يبصر النور القادم ويبشر به أبناء شعبه، ويغني لنضالهم وصمودهم).
وقال البيان أن القدال كان (ومازال شاعر الثورة التي انتظرها أبناء بلادنا، وأشعلوها ذات فجرٍ مضيء، وكان هو بانتظارها، وكان من كرم الله علينا وعلى القدال أن شهد بعينيه انتصار القيم التي ظل يشدو بها، وعاش أفراح شعبه بعد سنوات الألم والتيه).
سقطت نجمة
وكتبت الشاعرة روضة الحاج في صفحتها على الفيس بوك: وسقطت نجمة أخرى من سماء السودان، وقد عددت مآثر الراحل، مشيرة الى أنه كان صاحب المدرسة العامية الفصيحة، ومبتدر الأغنيات الباذخات ذات اللون الخاص والنادر السوداني الأصيل والمبدع الحق.
شمعة ضاوية
أما الفنان محمد الامين فقد عبر عن حزنه لرحيل الشاعر القدال ناشراً في صفحته الخاصة بفيس بوك: (بمزيد من الحزن وعميق الأسى انعي إليكم المغفور له بإذن الله تعالى الاخ والصديق الشاعر محمد طه القدال. وعلى الرغم من انني لم اتشرف بالغناء من اشعاره وكلماته التي لامست وجدان كل سوداني، فقد كانت تجمعني بالفقيد علاقة صداقة واخوة لسنوات كثر… اليوم انطفأت شمعة ضاوية في كل دار سودانية، ونحن اذ نعزي أنفسنا بهذا المصاب الجلل، نسأل الله الرحمة والمغفرة وجنة الخلد لفقيدنا الكبير ابن الجزيرة البار.. والصبر والسلوان لأهله الكرام.. وانا لله وانا اليه راجعون).
فيما نعت دار عزة للنشر الراحل، وهي تتقدم ببالغ التعازي للشعب السوداني في فقيد البلاد وشاعرها الكبير. وقال نور الهدى إنه برحيل القدال فقد الشعر عموداً من أعمدته.
ملاحم شعرية
الشاعر عبد العال السيد قال في حديث خاص لـ (الإنتباهة) إن القدال رحمه الله لم يكن شاعراً يستمطر البوح الإبداعي فحسب، وإنما كان مهموماً بهواجس الإنسان السوداني المسحوق، وعبر عن ذلك في ملاحمه الشعرية مما جعله يتبوأ منصة الشعر العامي السوداني بجدارة. وقال السيد: (اليوم يفتقد المشهد السوداني بكامل طبقاته القدال، فقد كان مناضلاً جسوراً وقلماً يحرّك المواقف).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق