لماذا لا يعني ختام موجة من المرض، الوصول لمناعة القطيع؟ وهل يمكن حدوث موجات أسوأ مستقبلا؟




من السهل استيعاب سبب حدوث موجات متكررة بالدول التي تسارع للسيطرة على الانتشار الوبائي: ففي كل مرة تتزايد فيها الإصابات، يتم قطع سلاسل العدوى بقوة عبر الإغلاق والوقاية الشديدة، ثم تعاود الإصابات بالإرتفاع مع الإرخاء الضروري للإجراءات الاستثنائية، والهدف النهائي لهذه الإستراتيجية هو السيطرة على الإصابات، لحين تطعيم 70% على الأقل من السكان لتجاوز فرص الانتشار الوبائي الأسي والوصول لمناعة القطيع.

في بلد كالسودان، لا توجد فيه أي إستجابة رسمية ذات بال، ولا اهتمام مجتمعي بالوقاية والحرص؛ ما الذي يجعل الموجات تنطفيء، ثم تعاود الصعود من جديد؟

لكن في بلد كالسودان، لا توجد فيه أي إستجابة رسمية ذات بال، ولا اهتمام مجتمعي بالوقاية والحرص؛ ما الذي يجعل الموجات تنطفيء، ثم تعاود الصعود من جديد؟ ولماذا لا ينتشر بسرعة بحيث يصيب 70% من السكان، ونصل بالتالي لمناعة القطيع من أول موجة؟

السر هنا هو طبيعة عدوى الكوفيد اللامتماثلة؛ بمعنى أن قدرة المصابين على نشر العدوى ليست متماثلة، فهناك نسبة بسيطة تعدي الكثيرين، بينما غالبية المصابين لا يعدون غير شخص واحد في المتوسط.

هذه الديناميكية تجعل انتشار المرض يتخذ شكل تجمعات صغيرة في الأسر والدوائر التي تلتقي يومياً، بينما تكون فرصة قفز العدوى من دائرة لأخرى أضعف بكثير (نظراً لقلة التفاعلات الإجتماعية اليومية بين البؤرة المصابة والبؤرة السليمة)، مما يجعل تزايد الإصابات بكل موجة محصوراً في شبكات معينة قوية الترابط في داخلها وضعيفة التواصل مع الشبكات الأخرى، ولأن معدل الانتشار يكون عادةً عالٍ في غياب أي إجراءات وقائية، تنطفيء السلاسل بعد فترة قصيرة (عدة شهور) لإصابة كل أفراد تلك الشبكات بسبب الانتشار الأسي بداخلها (تتزايد الإصابات يومياً فيها)، دون أن يقفز المرض لشبكات أخرى، بصورة تحافظ على المعدل الأسي للإنتشار، وهكذا ينتهي لصورة انتشار خطي (إصابات قليلة ثابتة يومياً) في المتوسط.

إن ما نراه هو فقط قمة جبل الجليد لا أكثر

هذا الأمر يعود لطبيعة التشبيك المجتمعي بالسودان الذي يميل للعشائرية والانعزال بين المجموعات المختلفة، في تناقض صارخ مع المجتمعات ذات التمدن العالي، حيث تكون الفردانية ونمط الحياة المتداخل أقرب لشبكات إجتماعية صغيرة عالية التشبيك مع بعضها البعض، بينما هي في السودان (بتقديري) تتخذ شكل شبكات عديدة مغلقة، غير متصلة جيداً مع بعضها البعض.

فإذا أضفنا لهذه الصورة طبيعة الهرم السكاني بالسودان، الذي يغلب عليه الأطفال والشباب، مع نسبة صغيرة جداً من كبار السن، فسنجد أن الحجم الحقيقي للانتشار الوبائي لن يكون ملحوظاً، إذ أن نسبة الوفيات والإصابات المحتاجة للمستشفيات، لن تعكس العدد الحقيقي من الإصابات الكلية؛ لأن غالبيتها العظمى ستكون لا أعراضية (50% تقريباً) أو خفيفة بطريقة تجعلها مجرد زكام أو نزلة معوية أو ملاريا إلخ في وعي المصابين بها (95% من المتبقي)، وبهذا فإن ما نراه هو فقط قمة جبل الجليد لا أكثر.

حسب التقديرات لن تصيب كل موجة إلا 2- 5% من السكان فقط! وبهذا لا نصل لمناعة القطيع

والنتيجة هي أن كل موجة تبلغ قمتها ثم تتلاشى دون أن يكون عدد المصابين الكلي إلا نسبة بسيطة جداً من العدد الكلي للسكان، مما يهيء الوضع للموجة المستقبلية لتصيب دوائر إجتماعية أخرى أفلتت من الموجة السابقة، فحسب التقديرات لن تصيب كل موجة إلا 2- 5% من السكان فقط! وبهذا لا نصل لمناعة القطيع، وتعاود الموجات الظهور في مواقيت محددة.

بالجزء الأخير سأتكلم عن مواقيت هذه الموجات عندنا وكيف ستتأثر هذه الديناميكية بوصول متحور دلتا سريع الانتشار، ولماذا لا نزال في خطر أن يختل هذه التوازن كما حدث بالهند، رغم مرور سنة ونصف من الجائحة.

#متابعاتمحمدقرشي_لكوفيد19

المراجع

(1) https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10159129961044747&id=681564746



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: