قرنيت سلبونا.. أزمة الشرق المفتعلة


بقلم : أمير بابكر عبدالله

منذ أيام وأنا احاول الوقوف على تفاصيل ما يجري داخل مدينة بورتسودان والبحر الأحمر عموما والتأكد من المعلومات المتواترة، متجاوزا الوقوع في شرك الظاهر الذي تثيره منصات التواصل الاجتماعي، والذي ينحو لإبراز ما يجري وكأنه صراع طبيعته اجتماعية وقبلية احيانا، وفي أخرى، وبشكل اكثر حدة، تصويره كاسنهداف يرقى للتطهير العرقي ضد مكون قبلي.

قبل أن اكمل تجميع كل خيوط الاستنتاجات التي قادتني إليها الأسئلة التي طرحتها هنا وهناك، وقراءة ما بين سطور ما هو منشور، انفجرت قنبلة قرنيت في نادي الأمير بحي سلبونا في البر الشرقي لمدينة بورتسودان. وهو الحدث الذي استعجله منفذوه قبل إكتمال أركان المخطط الذي يستهدف المدينة والشرق عموما، وهو المخطط الرامي إلى جر أبناء الشرق من بمختلف مكوناته والزج بهم في أتون صراعات قبلية ومن ثم النفاذ من خلال ذلك الكعب بعد تسميم الجسد الي تحقيق مرامي من يخططون لافتعال تلك الصراعات لاهدافهم على جثث الأبرياء ودمائهم.

هل في الشرق صراعات قبلية؟ لا شك في ذلك، فطبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي تقول بأن الأمر طبيعي في هذا السياق، طالما ظل الشرق، مثله ومناطق كثيرة في السودان ان لم يكن كلها، يعاني من غياب التنمية والإهمال في ظل السياسات التي اتبعتها حكومات المركز، وزاد عليها حكم 3 عقود من القرون الوسطى، الذي تسيد فيه الأسلاميون المشهد، الطين بلة باعتمادهم سياسة إثارة النعرات القبلية وخلط حابل السياسة بنابل القبلية في شولهد معروفة للجميع.

في العام المنصرم، وإبان تصاعد التوترات القبلية في مناطق عديدة من الشرق، بدا جليا أن الوعي الذي اكتسبته الجماهير خلال فترة مقاومة حكم الاسلاميين، وتوج بثورة ديسمبر المجيدة، يأتي أكله، وأن مفاهيم المدنية، الترياق الأنجع لتطور المجتمعات من أشكالها الأولية بعلاقاتها المعقدة، بدأت في التغلغل داخل نسيج العقلية القبلية والتي ستظل تقاوم ذلك إلى حين بطبيعة الحال.

هذا التطور الذي قد لا يبدو ظاهرا للعيان، قاد لإفشال الزج بالقبائل في مخطط الدم والموت. وعندما اقول صراع القبائل هنا أعني أن ما يقود للصراع القبلي في العادة هو صراع حول الأرض والموارد. فقبائل شرق السودان التي يمكن أن تتصارع حول الأرض والموارد هي قبائل البجا بكل مكوناتها واللحويين والضباينة والشكرية والحمران.

فشل المخطط في قيادة هذا الصراع بين هذه القبائل حول الأرض لأنها ظلت تعيش في سلام منذ امد بعيد، وبدأت تتداخل فيما بينها، والكل يعرف حدوده وحدود الآخر، بغض النظر عن المشكلات المؤقتة التي تظهر هنا وهناك والتي تعود إلى مقاومة التطور الطبيعي للمدنية وتتجلي في الاستنجاد والاستقواء في بعض المنعطفات.

فشل المخطط في جر الهدندوة والبني عامر إلى هذه الزاوية، وهي الزاوية التي كانت ستهد المعبد على من فيه، وجرجر المخططون خيبتهم، فالبني عامر والهدندوة وغيرهم من قبائل البجا يتوزعون على كل مناطق الشرق، ويتقاسمون مواردها على قلة استغلالها.

هذا الأمر دفع المخططون لإبراز الصراع وكأنه صراع إثني بين البني عامر والنوبة، وهذا أيضا فشل بشكل كبير، وأهم مظاهر هذا الفشل تتجلى في ان النوبة والبني عامر يعيشون في مناطق أخرى من مدينة بورتسودان ومدن الشرق الاخرى في تجانس ووئام.

ربما قادت بعض الوقائع لإحداث تشويش مقصود ادى ببعض المستنيرين للوقوع في فخ النظر الى ما يجري وكأنه استهداف لمكون قبلي وتطهير عرقي، ولكن قرنيت سلبونا بانفجاره المسموع الصوت كشف عن الموضوع ليس قبائل وإنما إستقرار وأمن السودان الذى يمكن جر القبائل إلى تغويضه وبالتالي دخولها في حروب لا تبقي قبيلة دون أخرى، وتتعطل الموارد التي يذخر بها الشرق دون أن يستفيد منها أحد.

إن المسؤولية هي مسؤولية الدولة بأجهزتها المختلفة في المقام الأول، وما يجري يؤكد على احد امرين، إما أنها متورطة في مخطط الجريمة تجاه الشرق، أو إنها غير قادرة على السيطرة وتوقيف من يخطط لهذا الأمر الساعي لضرب النسيج الاجتماعي وترويع المواطنين لتحقيق أغراضه السياسية.





مصدر الخبر موقع سودان تربيون

أضف تعليق