بشار الأسد تحت مجهر التحليل النفسي: كيف تحوّل الطبيب الخجول إلى سفاح قتل الآلاف؟


من فوق كومة من الأنقاض، في أرض خربة تتصاعد منها رائحة الدماء والتدمير، تتوشّح على تلّة متهدمة صورة لأنف كبير تسطو على وجه مبتسم، في جسم متأنّق يلوح بيده التي أعطت الإشارة لبرميل رديء بأن يسقط سقوطا حرا على بقعة أخرى من بقاع سوريا.

 

تلك قصة رجل كان يمكن في الثلاثين من مارس عام ٢٠١١ أن يغير مسار التاريخ، وأن يجعل شكل البلاد والمنطقة، بل وربّما العالم بأسره، مختلفا تماما. كان من الممكن -حرفيا لا مجازا- أن يحفظ هذا الرجل، رئيس النظام السوري بشار الأسد، بكلمة منه حياة نصف مليون سوري على الأقل ليقضوا العيد الفائت بين أهلهم وأحبائهم، لا ضحايا أو معتقلين مجهولي المصير، وكان لـ١٣ مليون سوري، أي نصف الشعب، أن يظلوا في بيوتهم، لا نازحين ولاجئين في المخيمات والمنافي. والأهم، بالنسبة إليه بكونه صاحب الكلمة والسلطة أنّ “سيادة البلاد” ووحدتها كان من الممكن أن تبقى بيده كليّا، لا ينازعه عليها أخ ولا ابن خالة ولا رئيس جهاز أمني أو دولة عظمى، وأن تبقى بلاده -سوريا- فاعلا إقليميا مؤثرا، لا أن تصبح كما هي عليه اليوم بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ: بلا سيادة ولا كلمة ولا هيبة ولا اقتصاد ولا بنية تحتية.

 

في ذلك الأربعاء، كانت عيون الجميع شاخصة نحو الأسد الذي ظهر آخر مرة في لقائه الصحفي الشهير قبل شهرين بالتمام، كانت أفئدة المتظاهرين الساهرين في الميادين تترقب منتظرين رد فعله على الاحتجاجات في بلاده. لقد كانت هذه، مجددا، لحظته وفرصته التي ستمكنه من إثبات وعوده الإصلاحية وشخصيته الاستثنائية وسلطته وشرعيته لدى شعبه أولا ثم لدى العالم، فإما أن يختار مسار الإصلاحات والتنازلات، وإما أن يختار مسار القمع والعنف، بكل ما يحمله المساران من تبعات تاريخية، إيجابية وسلبية على السواء. لم يكن الخيار سهلا، وكان الاضطراب كبيرا داخل النظام، وانعكس على شكل مسودات مختلفة للخطاب تعكس المسارات والخيارات المختلفة.

 

قبل الخطاب بساعة واحدة فقط، بحسب إحدى الشخصيات التي كانت حاضرة حينها، تم اعتماد “النسخة” الإصلاحية، بل وتم إيصال فقرة من الخطاب إلى الصحفي الأميركي ذائع الصيت “ديفيد إيغناتيوس” لينشرها في “الواشنطن بوست”، بوصفه تمهيدا و”احتفالا” بمسار تاريخي جديد ينتظره السوريون والعالم. ولكن، ومع الأسف، لم ينشر إيغناتيوس المقال، إذ لم تتحول المسودة لا إلى خطاب ولا واقع، وإنما حلت مكانها النسخة التقليدية المليئة بالمؤامرات الخارجية والتغرير وتوعد المحرضين الذين “يكذبون ويكذبون حتى يصدقوا كذبتهم”، ثم بدا أنه يدخل حوصلة إنكار الواقع، فـ”سوريا ليست مصر وتونس”.

 

بشكل ما، تعكس كل مسودة من هذا الخطاب “شخصية” من شخصيات الأسد، فمقابل الخطاب/الشخصية العصرية الخجولة التي لا نتخيّل أنها ستتمكن من الوقوف في وجه طوفان الربيع العربي، نجد خطاب/شخصية الرئيس الوحشي المتصلب الذي لا يكتفي بانعدام سعيه للقيام بأي إصلاحات وحسب، بل يبدو مستعدا لتجاوز أبعد حدود الوحشية للحفاظ على الوضع القائم، والتي لم يكن أقلها استخدام الأسلحة الكيماوية في ما لا يقل عن ٣٣٥ هجمة أدت لمقتل آلاف المدنيين، ثم القول بكل هدوء بأسلوبه المعتاد إنها “مفبركة ١٠٠٪”، أو قتل عشرات آلاف الأطفال الذين يمكن أن يؤرّقوا تفكير أي إنسان طبيعي بقوله -حين سُئل عنهم- ضاحكا: “أنام، أنام وآكل جيدا وأمارس رياضتي وعملي بشكل معتاد”. ربما لا يبدو هذا استثناء فارقا في عالم الديكتاتوريين والطغاة، كالقذافي وصدام حسين مثلا، ولكن الفارق الملحوظ هو أن صور معظم هؤلاء الزعماء سنحفظهم بالذاكرة والتاريخ بزيّهم العسكريّ وبسلاحهم المفضل معلّقا في الخلفية، لا ببدلات غربية من آخر طراز وأجهزة “أبل Apple” على المكتب، كما هو حال الأسد الابن.

 

لا تهدف هذه السطور للبحث عن هيئة شيطان شرير له قرنان، ولسان من نار، وقبضة من جمر، إن أمثال هؤلاء الشياطين موجودون، ولكنهم نادرون جدا كما يقول أريك فروم. إنما نحكي عن سيرة إنسان عادي جدا، لا تبدو عليه أي ملامح سريرية نفسية لافتة، ولكن هذه الشخصية عندما باتت في موضع السلطة، أصبحت خطرة جدا، وأسفرت عن إرادة غير عادية تجاه التدمير والقتل.

 

في هذا التقرير، نغوص في ماضي بشّار ونشأته وطفولته، عبر اللجوء إلى علم النفس ونظرياته، سعيا لاستقراء شخصيته ومخاوفه ورغباته وطريقة إدراكه للأمور، في محاولة لصياغة “سيرة نفسية (Psychobiography)” للأسد، ما سيعطينا أبعادا جديدة لفهم الأحداث السياسية والتاريخية من منظور الأبعاد النفسية والدوافع العميقة الكامنة وراء القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أهلا بكم في طفولة الأسد المضطربة

عائلة حافظ الأسد عام ١٩٧٤. من اليمين لليسار: بشار الأسد، بشرى الأسد، أنيسة مخلوف، باسل الأسد، مجد الأسد، حافظ الأسد، ماهر الأسد. © Alexandra de Borchgrave/Getty Images (Getty)

وُلد بشار في الحادي عشر من سبتمبر من عام ١٩٦٥ في العاصمة السورية دمشق، بعد بشرى وباسل، لوالديه أنيسة مخلوف وحافظ الأسد، رجل سوريا القوي والنقيب الطيار في سلاح الجو الذي شارك قبل ولادة بشار بعامين في “ثورة الثامن من آذار” التي أوصلت رفاقه في “اللجنة العسكرية” لحزب البعث إلى السلطة، تمهيدا لانقلابه عليهم بـ”الحركة التصحيحية” عام ١٩٧٠، لتنهي خمسين عاما من الانقلابات الناجحة والفاشلة منذ نشأة سوريا الحديثة بعد استقلالها عن فرنسا عام ١٩٢٠، وتبدأ خمسون أخرى لآل الأسد في الحكم.

يروي ديفيد ليش، المُؤلّف والأستاذ المُتخصّص في التاريخ وسياسة الشرق الأوسط وأحد المبعوثين الغربيين وصاحب كتاب “أسد دمشق الجديد” الصادر عام ٢٠٠٥ المَبني على ساعات مُطوّلة من المقابلات، أنّه تواصل مجددا مع الأسد بعد إعادة انتخابه عام ٢٠٠٧ في الاستفتاء الرئاسي، عبر انتخابات مزوّرة تُديرها أجهزة المخابرات حسب ما هو معروف للجميع، سائلا إياه عن رأيه بإعادة انتخابه وفوزه الكاسح، فأجابه الأسد بكل ثقة: “بالطبع، هذا لأنّ النّاس يحبّونني”، مع تأكيد المؤلّف على أن الأسد لم يكن يكذب، بل كان مقتنعا تماما بأنّ النّاس يحبّونه بالفعل.

عاش بشار على خطوط النار التي أشعلها والده من حوله، وحينما تدحرجت به الأيام من الطفولة إلى البلوغ أتمّ دراسته في مدرسة “الحرية” الفرنسية في دمشق، حيث تعلم الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، ليتفتح وعيه ووالده يدشن مرحلة جديدة من عهده بالمذبحة “المؤسسة”، وهي نمط من المذابح الدموية التي تفصل بين عهدين، يرتكبها القادة الدمويون لإنهاء التمردات الشعبية من جذورها، حيث سحق الأسد الأب فيها واحدة من أشد مراحل المعارضة لحكمه، والتي ترأس حربتها الإخوان المسلمون، واصطفت وراءهم النخب المدينية السنية، في احتجاجات بدأت بطابع سلمي ثم أخذت تنحو شيئا فشيئا نحو العنف، قبل أن ينهيها الأسد الأب، تماما مع نهاية دراسة الأسد الابن عام ١٩٨٢ بمجزرة حماة. عايش بشار وخابر وامتلأ بقصص وروايات تلك المذابح، وأنْصت لها في مجالس بيته وفي دوائره القريبة، والتأم أمامه بنيان القائد الصلب الذي يقلب الطاولة في لحظة، ويحزم أمر الحكم بمذبحة.

وقد انعكس هذا السياق الملتهب على نشأة بشار، إذ لم يحظَ بالوقت الكافي لتشكيل علاقة آمنة مع أبيه، فقد كان والده حافظ الأسد غائبا على الدوام، ما أفقد الزوجة والأبناء الوجود والحضور المُنتظَم الضروريّ لخلق الاهتمام العاطفي. وبجانب ذلك، لم يتّسم حافظ -بأي حال- بشخصية الأب الحنون، وكان شخصية تربوية سالبة، وهو نمط من التربية الأبوية لا يرى تدخلا إلا حينما يظهر خطأ ما، بعكس التربية المتوازنة التي تشجع على الإيجابي وتنهى عن السلبي. هذا الأسلوب التربوي السلبي اشتهر به العسكريون والشخصيات الجافة اللاقطة للخطأ التي قد ترى في الرقة ضعفا، وفي الثناء ليونة، هذه الخلاصة عن الأبوية المضطربة تجد ما يدعمها من حديث بشار الأسد نفسه في مقابلة له مع ديفيد ويلش لكتاب “أسد دمشق الجديد: بشار الأسد وسوريا الحديثة”، لم يكن حافظ “الأب من النوع الذي يقول: أحسنت، برافو. بل كان الأب الذي يقول الأشياء السلبية التي لا يجب فعلها”، ويبدو إذن أن العلاقة مع الأب في عمقها كانت متوترة، فلم يرسخ في ذهن الابن سوى ذلك النمط التسلطي التأنيبي.

 

وعلى العكس من تلك العلاقة كانت علاقته بأمه. فأمّه كما هو مشهور عنها كانت ذات طبيعة مزاجية حادة، ربما بسبب الزوج وانشغالاته وقسوته التي كانت تتطلبها تلك الأيام، وطبيعي أن تكون صاحبة الدور الأهم في تشكل شخصيته، إذ كان “ابن الماما أكثر مما هو ابن البابا”، حسب ما يصفه أحد المسؤولين الغربيين. ولذا فقد كانت علاقة بشار بأمه، بحسب البروفيسورة في علم النفس الجنائي كاثرين سيفيرت، علاقة اعتمادية عالية، لدرجة أنها باتت تسيطر على تفكيره وصولا لحياته العاطفية، ما انعكس على كيفية تعبيره عن مشاعره بطُرُق واضحة وسليمة، حسب ما يظهر في لقاءاته وخطاباته بطبيعة الحال، إذ تفتقر إلى التعبيرات الشاعرية والشعورية الخاصّة به، باستثناء ما صِيْغ وأُعِدّ مُسبقا بطبيعة الحال.

 

إضافة لذلك، كان بشار واقعا بين شقيقين ذوي طبيعة خشنة، شقيقه الأكبر باسل الذي كان يتنمر عليه ويضربه ويقسو عليه، بحسب ما يرويه مستشار رئاسي سابق، إذ كان باسل ذا شخصية قاسية ستتضح ملامحها أكثر بالمسار العسكري وإعداده ليصبح رئيسا، وبين شقيقه الأصغر ماهر، رئيس الحرس الجمهوريّ والفرقة الرابعة، والمعروف كذلك بأنه ذو شخصية وحشية، مُتقلِّب المِزاج وحادّ الطِباع، وسيصبح مسؤولا مباشرا عن قتل المدنيين بحكم نفوذه الواسع والصلاحيات العسكرية التي يملكها.

 

كانت هذه بيئة نشأة بشار: والد ذو شخصية سادية يتجاهله، ووالدة مزاجية تتحكم به، وشقيق قاسٍ يتنمر عليه، وحرس يحيط به ليحميه، وهي بيئة ستحرم بشار خلال طفولته من التفرد بشخصية ذات طباع مستقلّة أو من إنضاج شخصية واضحة الحضور عند بلوغه، وستساهم بتشكيل ورسم ملامحها لبقية حياته. وللمفارقة، فهذه الملامح كلّها تُشير إلى تشابه كبير مع نشأة ديكتاتوريين وقَتَلة جماعيين آخرين إلى درجة تبلغ أحيانا حدّ التطابق. جوزيف ستالين على سبيل المثال، كان والده أيضا غير موجود في طفولته بحثا عن لُقمَةٍ للعيش، وكان ستالين قد فقد أشقّاء له في طفولته. ويتماثل هذا مع ظروف النشأة وتجربة الطفولة الخاصّة بأدولف هتلر، والذي تعرّض للإهمال والضرب من قبل والده، الذي تُوفيّ أيضا خلال مرحلة مراهقته.

 

ويبدو أن بشار إذن في هذا الوضع القاسي حاول أن يرسم له طابعا مختلفا، فيه قدر من التعالي المستبطن ضد مجتمع الأقوياء الذي يعيش فيه، فكان الخجل والصمت والانسحاب والتواضع ضمن التقنيات التي حاول بها أن يحمي نفسه في ذلك المحيط القاسي، وقرر أن يتوغل في الدراسات العلمية والطبية لإنتاج صورة راقية غير عسكرية، محاولا التحرر الظاهري من عباء الجنرالات التي تفتن عائلته، وهو ما أكّده ديفيد ليش بقوله إنّه قد قابل شخصا متواضعا، مُنكِرا لذاته، وخجولا وهادئا.

 

لكن في هذا السياق، لا ننسى أن بشار نشأ في ظل عائلة تحكم سوريا بوصفها عائلة ملكية، بل كانت تعتقد يقينا أنها “تملك البلاد بأكملها”، بكلمات عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السابق الذي انشقّ عنه عام ٢٠٠٥. لا تبدو هذه مبالغة في ظل معرفتنا أن الاسم الشائع لسوريا حسبما صدّرها الإعلام الرسمي هو “سوريا الأسد”. ولذلك، وكما يحدث لدى عائلات المافيا وأُسَرِها، تتلاشى الحدود الواضحة بين العائلة والمشروع الربحيّ الذي تتكسّب العائلة من خلاله، ويصير تحقيق الغاية الربحية للمشروع بأي ثمن وبأيّ طريقة هدفا عائليا بحدّ ذاته. يتعلّم الأطفال الذين ينشؤون في أوساط مماثلة أن العائلة و”البزنس” شيء واحد، وأن الربح والوصول تطلّع قِيَميّ عائلي بحدّ ذاته، وأن فشلك في إنجاح المشروع العائلي بالاستمرار والاكتساب هو فشلك في أن تكونَ وريثا أو ابنا لهذه العائلة بالأساس. لذلك تسخط هذه العائلات على أي محاولة يسعى من خلالها الفرد لإيجاد ذاته أو معنى في حياته خارج هذا الإطار.

 

لكن هذا الشعور بالتميز وهذه الروح المتوثبة للتمرد على نمط الأسرة، لم يمنعَا انغماس بشّار في تراث عائلته، وأن يستقطر بداخله هذا الشعور العالي بالاستحقاق، فالتاريخ العائلي المُسبَق لأُسرَته، وخاصّة في طريقة وصولهم إلى سدّة الحكم، هذا التاريخ المُتشبّع بالعنف والدموية، يُوحِي للطفل بشّار بفلسفة طفولية لفهم الحياة يُطلِق عليها علماء النفس (الشعور بالاستحقاق)، وهو شعور الفرد بأنّ العالَم والآخرين مَدينون إليه بتحقيق رغباته وأمنياته فورا وعلى حساب مصالحهم الخاصّة، إذ هناك ما تريده، وهناك وسائل لتحقيق ما تريده، وستستخدم لتحقيق أهدافك جميع الوسائل، بصرف النظر عن ماهيتها أو مآلاتها أو أخلاقيتها. هذا ما يقصده كثير من علماء النفس التربويين بالطفل المُدلّل الذي يُفكِّر بعقلية “العالَم مَدينٌ لي (world-owes-me)”، وهو وصف للطفل الذي تشكّلت لديه قناعات بأنّ رغباته الأنانية والشخصية هي الأولوية القُصوى للعالَم، ويجب على الجميع أن يُسارع لتلبيتها وتوفيرها لَه، ومَن لا يفعل ذلك فهو شخص لا يعرف أهمّيتك ولا أهمّية رغباتك، ويجب أن يُعاقب بالبكاء أو الصراخ أو الشتيمة أو الضرب على إهماله المُتعمّد لرغباتك.

نظريا، يملك بشّار أهمّ ثلاثة عوامل خطيرة لتشكّل شخصية قادرة على ارتكاب العنف الجماعي:

تاريخ عائلي مُسبَق من العنف والدموية.
بيئة أُسَرية مضطّربة: أم مِزاجية، وأب غائب معظم الأوقات وساديّ عند حضوره.
شخصية تعاني من ضمور تعبيري يأتي على هيئة خجل زائد، وتعرّض للتنمّر والقسوة من قبل إخوته في طفولته.

تقرير: عبيدة عامر، ومحمود أبو عادي

الجزيرة نت

 

ليس هذا تبريرا لمسار الأسد، ولا سعيا لقول إن الإجرام الذي انتهجه كان محتوما نتيجةَ هذه البيئة، إذ وبحسب علماء النفس يكون أيّ إنسان مُعرّضا للانحراف السلوكيّ، ولكن يمنعه من ذلك عدد من العوامل الوقائية، مثل التنشئة السليمة، والأسرة الحانية والعطوفة، والوضع الاجتماعي والاقتصاديّ الجيّد، والسجل العائلي السليم نسبيا، والنمو الطبيعي للشخصية. كلّ هذه العوامل الوقائية تأتي في مقابل عوامل الخطورة، مثل الحرمان العاطفي في الطفولة، الفقر، تاريخ مُسبَق من الانحراف للآباء والأجداد، الإدمان أو تعاطي المخدرات. وحين تغلب عواملُ الخطورة العواملَ الوقائية، يصير وقوع الانحراف السلوكيّ أو الإجراميّ أمرا محتملا ومسألة وقت ينتظر الظرفَ أو المُثير المُناسب لتحقّقه.

(الجزيرة)

 

 

وهذا ما توصّل إليه إريك فروم أيضا في دراسته المُشار إليها أعلاه، حين أشار في نتائج دراسته عن الشخصية النكروفيلية (الكارهة للحياة) والمنجذبة لكل ما هو ميت ومتعفّن، بأنّه لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نزعة غريزية فطرية فحسب كما قال فرويد، وإنّما إلى استدخال النظرة النفسية الاجتماعية لنشوء الشخصية النكروفيلية، باعتبارها نتيجة أسباب بعضها يعود إلى التنشئة وبعضها الى الظروف والسياق.

 

الارتياب المَرَضيّ.. السمة النفسية الأكثر وضوحا

هناك مدخل مهم لا يمكن إغفاله، وهو المدخل الأقلوي النفسي، فبشار ينتمي للأقلية العلوية التي تحكم الأغلبية السنية المختلفة معها في المذهب، وتشعر أنها امتلكت هذا الاستحقاق بالدم والنار، ولذا فهي أقلية قلقة غير مستقرة، تخلل مدّة حكمها محاولات عديدة للثورة والانقلابات، خلقت لها شعورا دائما بالمخاوف وجعلتها محملة بالتهديد والذعر من محيط الأكثرية.

إضافة لذلك، وبسبب التاريخ الدّموي للعائلة في الوصول إلى الحكم، مترافقا مع تعرض النظام في سوريا على الدّوام إلى انقلابات مُستمرّة من الداخل والخارج، وبحكم انتساب العائلة للطائفة العلوية التي تحمل مثل بقية الأقليات شعورا دائما بالخوف والتهديد من الأكثرية، لكل ذلك تشكّل لدى عائلة الأسد حِس ارتيابيّ (Paranoid) على هيئة أزمة ثقة بمُحيطهم ومَن حولهم، وهو شعور نفساني وملمَح أساسيّ في الشخصية البشرية تصل حدّ اضطراب الشخصية الارتيابية، حيث يصير المَرءُ كثير التشكّك والافتراضات ويظنّ أنّ الآخرين يُضمرونَ غير الذي يقولون ويفعلون، وأنّ هُناك خّطة مضادة أو مؤامرة تحدث بالخفاء، وهذا النمط من الارتياب الأقلوي الذي يسكن بشار وعائلته، يضغط على محيطه وعلى المتعاملين معه ليُصبح من حولهم مجرد آلات حية تتحدث بالكلام نفسه وتُصدّر استجابات متماثلة بهدف طمأنة القائد المفدى. وبحسب دراسات طولية تتبّعت أجيالا وعائلات عدّة، يُشكّل التاريخ الوراثي للعائلة جُزءا مهمّا في زيادة فرص تناقل اضطراب الارتياب، إذ تتشارك العائلة هذه المعلومات الوراثية وتختلف من فرد لآخر باختلاف تنشئة كلّ فرد وبيئته والخبرات الحياتية التي مرّ بها.

أما هذه السمات، بحسب الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5)، فإنّ من أعراض الشخصية الارتيابية:

الاعتقاد الابتدائي بأنّ الآخرين يستغلّونهم أو يكذبون عليهم أو يؤذونهم، دون دليل واضح على ذلك.
تولّد شكوك غير مُبرَّرة حول ولاء الآخرين ومصداقيتهم في حديثهم.
شعورا عامّا بأن عليهم ألّا يثقوا بالآخرين لاعتقادهم أن ثقتهم ستزول عاجلا أو آجلا.
تفسير الكلمات الرمزية أو المعلومات القليلة والملامح الغامضة على أنّها مؤذية أو مُهدِّدة أو مُهينة.
ضرورة الانتقام والردّ حين تتعرض شخصيتهم للهجوم من قبل الآخرين.
الشعور بالغيرة والريبة دون سبب، والتوجّس من أنّ الشركاء والأقارب غير مخلصين.

(الجزيرة)

 

كان “ريز إرليخ”، الصحفي والمُؤلّف الأسترالي، يُعدّ كتابه عن سوريا تحت عنوان “داخل سوريا”، وقد لاحظ بدوره حين قابل بشّار الأسد بأنه قد قابل إنسانا مُرتابا ومُتوجّسا، وبأنّه يُغطّي على هذا التفكير والشعور عبر تأكيده المُتواصل شبه المَرَضِيّ بأنّه شخصٌ مَحبوب لدى شعبه، وبأنّه ليس بحاجة للقيام بأيّ إصلاحات جوهرية أو إجراءات تصحيحية. وحين كان إرليخ يسأل الأسد عن الأحزاب السياسية والانتخابات النزيهة والحرّة، كان الأسد يُجيبه بأنّ هذه النقاط ليست مهمة، لكنّها مجرّد مؤامرات وإشكالات يحاول الغرب أن يُثيرها من أجل التآمر عليه وعلى سوريا. لكنّ ملامح الارتياب والتشكّك والتوجّس من الآخرين كانت شديدة الوضوح بحسب إرليخ، الذي يذكر أنّ الحرس الخاصّ بالأسد كانوا يتحققون من إرليخ وأجهزته مِرارا وتكرارا، وصولا لتفكيك المايكروفون الذي يستخدمه في المُقابلة، ومع هذا يقول إرليخ: “كُنتُ أتحدّث والمايكروفون مُلاصقٌ لفمي، وحين أوجّه إليه المايكروفون ليُجيب عن سؤالي، كان بشّار يقفز إلى الوراء مَذعورا وفَزِعا وخائفا في كلّ مرّة”.

كان هذا الارتياب والتشكّك مَلمحا هامّا لدى عائلة الأسد، وقد تُرجم على شكل شبكة متوسعة دوما من الأجهزة المُخابراتية، ومن ثمّ تفريخ أجهزة فرعية لهذه الأجهزة، وإنشاء أجهزة أمنية أخرى رقابية أعلى منها في سُلطتها، وهكذا دَواليك، ما جعل سوريا شبكة لأجهزة أمنية لا مُتناهية، ونُقِلَ الارتياب النفسيّ لعائلة واحدة إلى النّاس في الشارع على هيئة سياسات رقابية وأمنية، حتّى صارت البلدة تتوجّس من الجدران ومن أهلها ومن نفسها، في ما تسميه الأنثروبولوجية الأميركية ليزا وايدن: “السيطرة الغامضة”.
من المشفى إلى الثكنة.. أو من علاج البشر إلى قتلهم
بشار الأسد في مشفى سان ميري، لندن، عام ١٩٩٢ © Camera Press

 

عام ١٩٨٢، أنهى بشار الأسد دراسته الثانوية، بينما أنهى والده في العام نفسه انتفاضة الثمانينيات بمجزرة حماة كما أشرنا سابقا، ليخلق حالة جاثمة من الصمت والخوف في البلاد، انعكست وترافقت كذلك مع مرحلة قد تكون أكثر مراحل حياة الأسد الابن هدوءا واستقرارا. فبعد الثانوية، توجه بشّار الأسد إلى جامعة دمشق ليدرس الطبّ البشريّ الذي يقال إنه كان حلم والده الذي لم يستطع تحقيقه بسبب عجز الجد الطاعن في السن عن إرسال ابنه حافظ لأداء المقابلة في كلية القديس يوسف اليسوعية في العاصمة اللبنانية بيروت. وبصورة تثير الكثير من المفارقات، ستكون محاولة إثبات الذات هذه سمة شخصية سترافق بشار، الابن الثاني القابع في الظل، والذي ظلّ محل تشكيك من الدائرة المحيطة به طيلة مسيرته الشخصية والسياسية على السواء، كما ستروي السطور المقبلة.

بحسب السيرة الذاتية الرسمية، تخرّج بشار خلال ستة أعوام في جامعة دمشق، ثم تخصص في طب العيون عام ١٩٩٢ في مشفى تشرين العسكري، ليتابع بعدها اختصاصه في لندن، وتحديدا في مستشفى ويسترن الذي أمضى ١٨ شهرا. يمكن القول إن هناك اتّفاقا عاما على ملامح شخصية بشّار الأسد في هذه المرحلة، فكما يروي أحد الأطباء الذين أشرفوا على تدريبه، فقد كان بشّار هادئا وصامتا، وكانت المُمرِّضات الّلاتي رافقنه يُشِرن إلى قدرته على تهدئة المرضى وطمأنتهم في العمليات قبل تخديرهم.

ومن بين هذه الملامح، كان الملمح الأهم هو الخجل والانطواء على الذات (introverted) إلى حدّ لا يكاد يُبين، إذ يذكر أيمن عبد النور، أحد زملاء بشّار فترة دراسته الجامعية الذي سيعمل مستشارا للأسد قبل أن يصبح معارضا بارزا لاحقا، أنّ بشّار كان شديد الخجل، لا ينظر إلى عينيك حين يتحدّث، ولا تكاد تستطيع سماع صوته، بل إنّه كان يضع يديه على فمه أحيانا حين يتحدّث.

باختصار، لو كُنتَ زميلا لبشّار الأسد في فترة شبابه ودراسته الجامعية، فإنّ آخر ما سيخطر ببالك هو أن تكون هذه الشخصية الهادئة والمُنكفئة على نفسها، مَعبَرا لتسلّم منصب رئيس البلاد، ولن تتصوّر أن تكون هذه الملامح مُكوّنا لشخصية ستصير متورّطة ببحر من الدماء، وسببا رئيسيا ومُباشرا في أكبر أزمة لجوء إنسانيّ منذ الحرب العالمية الثانية. فما الذي جرى؟
مخلوق الظروف والمصادفات

كتب العقاد في سيرة هتلر تحت عنوان “مخلوق الظروف والمصادفات”: “ما نعرف أحدا من الحاكمين بأمرهم في عصرنا هذا قد أفادته الظروف مثلما أفادت هتلر، فهو بحق مخلوق الظروف والمصادفات، لو انتقل من بيئته أو من زمانه أو من جيله لما تخيلت له شأنا كهذا الشأن الذي انتهى إليه”.

إنّها الظروف غير المتسلسلة التي مهّدت لصعود “الكومبارس” الطبيب والابن والثاني والخجول إلى سدّة الحكم. لقد كانت وفاة باسل الأسد، الشقيق الأكبر لبشّار، بمثابة صدمة (Trauma)، وتغييرٍ مُفاجئٍ في خُطّة العائلة الحاكمة، وخطّة بشار الأسد نفسه حيال حياته الشخصية. فقد تُوفّي باسل عام ١٩٩٤ في حادث سيّارة تختلف الروايات في مدى تدبيره مُسبقا من عدمه.

كان باسل ذا شخصية كاريزمية وخلفية عسكرية، وفارسا خيالا ومحبوبا من الفتيات في رواية أخرى، ومحبا للسيارات، خاصة طرازي البي إم دبليو والبورش، إلا أن وفاته كانت في حادث سيارة من طراز مرسيدس. نتيجة لهذه الوفاة المُفاجئة، انتقل جلّ تركيز العائلة والنظام السوري على تجهيز بشّار في ليلةٍ وضُحاها، وإيذانا بإعداده لخلافة والده الذي كان يرتّب تفاصيل تكوين النظام ويحاول العمل على إنهاء ملفاته العالقة قبل وفاته (مثل الإخوان المسلمين والعلاقة مع إسرائيل)، فتم إدخاله في “دورة صاعقة” لإعداده عسكريا وسياسيا، كان خلالها مسؤولا عن القوات السورية في لبنان عام ١٩٩٨، ثم تخرجه برتبة عقيد من الحرس الجمهوري عام ١٩٩٩، في الوقت ذاته الذي تم عبره إدخال شخصية بشار إلى المجتمع السوري، وذلك بإشراف رئيس الأمن الداخلي بهجت سليمان، بهدف صناعة صورة الرئيس المستقبلي الجديد، “أمل سوريا” كما كان يكتب على صوره ما بين ١٩٩٦ و٢٠٠٠. وشيئا فشيئا بدأ بشار يتقمص بعضا من قسوة أخيه المغدور، حتى إن بشار وَرثَ منه أصدقاءه ومكتبه المطل من قاسيون على دمشق، بل و”الجمعية السورية للمعلوماتية” التي انتقل من رئاستها إلى رئاسة البلاد عقب وفاة والده في ١٧ تموز/يوليو عام ٢٠٠٠ بعد تعديل مسرحي قام به مجلس الشعب للدستور عبر خفض سن رئيس البلاد من الأربعين عاما إلى ٣٤ عاما، لتُلائم “الأمل” الذي خرج بشخصية جديدة تماما صُنِعت خلال تلك الحقبة.

 

بشّار الأسد بالبزّة العسكرية – وكالة أنباء نوفوستي الروسية © RIANovosti – РИАНовости (الصحافة الروسية)

يُمكِن اعتبار وفاة باسل الأسد مُنعطَفا هامّا في حياة بشّار الأسد، فالطبيب الشاب كان يطمح ويتّجه كما يبدو نحو حياة هامشية هادئة، يقلّ فيها حضوره للحدّ الأدنى، ويستطيع معها أن يُكمِل، بسعادة ربما، مسار حياته بعيدا عن ضوضاء الرئاسة وفوضى البلاد، لكنّ بشّار رأى نفسه، فجأة، مُتورِّطا في نظام معيشي صاخب ومليء بالمشكلات والمصائب على غير إرادته الأولى. بجانب ذلك، لم يكن الدستور وحده هو الذي يرى عدم ملاءمة بشار للحكم، فالحرس القديم الذي كان مواليا لوالده ومؤمنا بشخصيته الكاريزمية وسياساته، بجانب زعماء المنطقة والعالم، كانوا ينظرون جميعا إلى الشاب الغرّ الخارج من الظل وغير المجهز للرئاسة بنوع من القلق والشك والارتياب، وهي “عقدة نقص” ستظل مرافقة لحكم بشّار، وسيسعى دوما لتجاوزها بإثبات نفسه، أولا لأبيه الذي قسا عليه طفلا فحقق له حلمه بدراسة الطب شابا، ثم لكل المشككين بجدارته. ولذلك، سنجد أن الأسد حينما استلم الحكم، سعى فورا للخروج من عباءة والده بشكل حازم، عبّر عنه مرّة بأمره أحد الإعلاميين ألّا يقول مجددا إن “حافظ الأسد أعظم زعماء العرب في التاريخ”، لأن هذا “الأعظم” يمارس سياساته الآن من القصر الجمهوري في المزة.

 

بحسب نظريته النمائية في علم النفس، يقترح ليفنسون أنه في سن الثلاثين تقريبا يختبر مُعظَم النّاس ما يُسمّيه ليفنسون بـالمرحلة الثلاثينية الانتقالية. في هذا الوقت، يدرك الأفراد أنهم يقتربون من نقطة اللاعودة. إذا بقوا في مسار حياتهم الحالية، فسيكون لديهم قريبا الكثير من الاستثمار للتغيير. في مواجهة هذه الحقيقة، يعيد الأفراد فحص خياراتهم الأولية، ويقومون إمّا بإجراء تغييرات محددة، أو يستنتجون أنّهم اختاروا بالفعل أفضل مسار.

 

بحسب إحدى الدراسات التي تتبّعت التطوّر النمائي لشخصية بشّار الأسد، فإنّه في المرحلة الانتقالية الثلاثينية كان يحلم بحياة عادية، هادئة ومطمئنّة كما يبدو، وكان قد استقرّ على مساره المهني واطمأنّ له، لكنّ تعرّضه لتغيير من الخارج على هيئة مأساة أو فاجعة تتمثّل بوفاة شقيقه باسل، وعدم قدرته على العودة إلى المسار الطبيعي لحياته الذي كان يتصوّره طوال عمره، تسبّب لبشّار بإرباك وجوديّ، أدّى بحسب الدراسة، إلى تبنّي بشّار لشخصية جديدة ناقمة، وقلقة وشديدة الانزعاج من المرحلة الجديدة.

 

الرئاسة: لن أعيش في “عرين” أبي
بشار الأسد (أقصى اليمين) في جنازة والده حافظ الأسد بجانب شقيقه ماهر الأسد وصهرهما آصف شوكت © Associated Press

خلال مرحلة إعداده المحمومة ما بين أعوام ١٩٩٦ و٢٠٠٠، حرص الأسد على إظهار توجهات سياسية واقتصادية مغايرة عن السياسات الاشتراكية الصارمة التي تبناها والده وطبّقها بشكل حازم طيلة التسعة والعشرين عاما التي قضاها على العرش، إذ بدأ يبني بسرعة علاقات مع رجال الأعمال المتحمسين لتغيير هذا الاقتصاد الاشتراكي، ومع الناشطين السياسيين المتعطشين ولو لنَفَس من حرية التعبير، كما أصبح وجها معروفا في حملات الفساد البيروقراطي والمالي، وأحاط نفسه بمجموعة من “النيردات” المشابهين من التكنوقراط والأطباء والمهندسين. جعل الأسد هذه المساعي توجها رسميا في خطاب تعيينه الذي ملأه بكلمات “الديمقراطية” و”الشفافية” و”النقد البناء”، والذي ظهر فيه انفتاح مفاجئ تمثَّل سياسيا بالسماح بالمنتديات والاجتماعات وحرية الإعلام النسبية، التي عرفت باسم “ربيع دمشق”، واقتصاديا بالتسهيل لرؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز القطاع الخاص ضمن توجهات “النيوليبرالية”، ما سمح بصعود طبقة جديدة من المنتفعين والفاسدين ضمن القطاع الخاص، على رأسهم ابن خاله رامي مخلوف، الحوت الاقتصادي الكبير.

لكن هذه المرحلة لم تدم طويلا، إذ أعقبها انتكاس سياسي حاد تمثل في تعزيز الرقابة وسَجن المعارضين ومنع المنتديات والاجتماعات وإغلاق المؤسسات الإعلامية الخاصة، فيما سمّته “هيومن رايتس ووتش” بـ”عقد سوريا الضائع”، والذي أكدت حينها أنه لا توجد معلومات واضحة حول أسباب هذه التحولات المفاجئة. طُرحت الكثير من التفسيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذا اللغز، كان من أبرزها وأكثرها انتشارا: جدلية جمود الحرس القديم في وجه السياسات الإصلاحية للأسد و”حرسه الجديد”، ولكن وكما تظهر هذه الدراسة نفسها فإن الجواب لهذا اللغز يكمن بالنظر القريب لشخصية بشار الأسد نفسه.

فعند النظر إلى عقدة النقص التي كان الأسد يحملها تجاه والده، والتي عززها ظرفه ومكانه في القصر وفي الاجتماعات الدولية مع الزعماء المخضرمين الناظرين له بعين الريبة والشك، سنجد أن الأسد كان حريصا دوما على الحصول على القبول والرضا ممن حوله، وتحقيق ما لم يستطع والده من قبله، وهو أن يكون محبوبا، لا أن يكون مهابا فقط بحسب عبارة ميكافيللي الشهيرة، سعيا لأن يكون “أعظم زعيم عربي”، كما ذكرنا سابقا.

لذلك، وخلافا للتصوّرات السائدة التي خلقتها أنظمة ديكتاتورية عربية أخرى لهيئة الحاكم المُتوحّش وشديد البطش، كان بشّار الأسد نموذجا نَوعيا ومختلفا على مستوى الشخصية والخطابات الرسمية. ويختلف في حضوره هذا عن الصورة التي رسمها صدّام حسين أو مُعمّر القذافي أو حتى والده لمعنى أن تكون حاكما شديد البطش والتوحّش. فبالإضافة إلى طريقته الهادئة بالكلام، وابتعاده عن الخطابات الشعبوية والتعبوية، يظهر بشّار كثيرا وهو يتكلّم برزانة، وبكلمات معدودة وبإجاباتٍ مُباشرة وهادئة، وفي خلفيته لابتوب “أبل (Apple)” مَوضوعا على مكتبه. إلا أن فهمه على مستوى الشخصية لا ينبغي أن يُضلّلنا عن واقع الحال، إذ إن سلوك النظام وجيشه ككلّ من جهةٍ أخرى يُطابق سلوك ونهج باقي الأنظمة الديكتاتورية التي عرفها التاريخ، بل قد يصحّ القول إنّ نظام الأسد دفع بالتوحّش إلى أقصاه ومُنتهاه.

العيش في صندوق متوحش

حين نتحدّث عن السلوك الوَحشيّ الكامل لنظام الأسد، علينا ألا نُغرِق بالتفسير الشخصيّ فحسب، حيث إن الفظائع الدموية والتدميرية التي ارتكبها النظام الأسديّ في سوريا تنتمي إلى شقّين: شقّ يتعلّق بالنظام الراسخ مُسبَقا نفسه، وهو نظام لم يفهم نفسه خارج إطار السطوة والاستبداد الإداري والعنف الدموي والإفراط في القوّة الأمنية والمُخابراتية. أمّا الشقّ الثاني فيتعلّق بشخص بشّار الأسد ودوافعه وغرائزه المُسثتارة، وشعوره العالي بالاستحقاق والنرجسية الكامنة في شخصيته.

دمشق القديمة، ٢٠٠٦ © Bertilvidet

 

يرى البروفيسور في علم النفس، فتح علي موغدام، أنّ بشّار الأسد وأمثاله من الديكتاتوريين يمثّلون حالات خاصّة من القَتَلة الجماعيين، ويُطلِق عليهم اسم “الذئاب المُنفردة”. بحسب موغدام، فإنّ الذئاب المُنفردة، مثل بشّار، يعيشون داخل نظام إدراكي خاصّ في عقولهم، يبنون عالما مُنعزِلا لأنفسهم، ويُؤمنون بأنّهم يُنقذون المُجتمع من خطر محدق، وأنّ القتل الذي سيقوم به، هو قتل مبرّر سيصبّ في صالح النّاس في نهاية المطاف.

تظنّ الذئاب المُنفردة أنفسها في مهمّة مَهدَوية خلاصية للعالَم أو المجتمع (هو والسيسي يرددان كثيرا أنهما يحاربان نيابة عن العالم)، فبشّار الأسد يعتقد أنّه في مهمّة خاصّة قد لا يُقدّرها باقي النّاس في الوقت الحاضر، لكنّهم سيعرفون لاحقا أنّ ما قام به كان من أجلِ مصلحتهم، ولا بأس إن كانوا يعترضون في الوقت الحالي، فهُم غير متنوّرين وغير واعين لمآلات ما يحيق بهم من خطر كما يرى هو بنفسه. بكلمات أخرى، يؤمن بشار الأسد وحاشيته بعقيدة “الحق الإلهي بالحكم (divine right of kings)” المميزة لملوك العصور الوسطى والمبررة لملكهم المطلق بكونه ممنوحا من الله، والتي تم تحويرها في حالة الخطاب الرسمي تحت عبارات “سوريا الله حاميها”، أو “الله، سوريا، بشار، وبس”، والتي يعتبرون بها أن هذا الشعب شعبهم، وأن البلاد بلادهم، وأنه إن كان ثمة حاجة لإصلاح فهذا الإصلاح يجب أن يكون من جانب الشعب، لا من جانب النظام الذي يرى به بشار نفسه وعلى رأسه كما لو أنّه في مهمّة أخلاقية لتنوير النّاس الجاهلين ولإنقاذهم من جهلهم، ولهذا فالغاية عنده تبرّر الوسيلة، والقتل والدمار مسار ضروري لإنقاذ المجتمع والدولة والعائلة، أو بمعنى آخر: أن “يكذب الكذبة حتى يصدقها”.

تُرجمت هذه السياسة الأخيرة تحديدا في سياسة سوريا الخارجية، والتي تعلّم بشار من أبيه أنها أكثر أهمية وحفاظا على العرش من السياسات الداخلية، والتي يسمّيها بشار لمساعديه ساخرا: “سندويشة غوّار”، نسبة إلى الشخصية السورية الكوميدية الشهيرة غوار الطوشة التي يمثلها دريد لحام، أو أشبه بلعبة هرب ما بين “توم وجيري”. فعند الجلوس الرسمي، والذي يظهر به الأسد إما ساذجا للغاية بناء على تصورات مسبقة أو واعدا للغاية بحسب صورة مصدرة مسبقة، يرفع الأسد سقف التوقعات والوعود لأقصى درجة، ولكن عند التطبيق الرسمي سيجد دوما حجة للهرب، أو يسحب بها خيط قطعة اللحم من الخبز مثل غوار، وهو ما ينطبق على كل الأزمات الإقليمية التي حصلت. في العراق، وعد الأسد بمنع نقل الجهاديين لمقاومة الاحتلال الأميركي، لكنه اعتذر بأنه لا يستطيع الضبط الكامل للحدود، بينما، عمليا، كانت أجهزته الأمنية هي التي تشرف على عملية النقل هذه. في لبنان، قدّم الأسد الانسحاب الكامل، لكنه لم يكفّ عن التدخل عبر وكلائه وعملائه. وهكذا.

 

 

في الواقع، أثبتت هذه السياسة نجاحها رغم كل ما تحمله من تناقضات، وقد تمثل هذا بكون دمشق هي العاصمة العربية الوحيدة التي يزورها زعماء كل من فرنسا والسعودية وقطر وتركيا وإيران قبل الثورة، خلال فترة متقاربة، وبكون سوريا، رغم كل ما تحمله من سجل حقوقي مشين وعلني، تعد أحد كبار “مكافحي الإرهاب” المعتمَدين من الغرب في المنطقة. ولكن، وكما هو متوقع، كان لا بد من انفجار هذا اللغز وهذه التناقضات، وقد كان انفجارا اسمه: الثورة السورية.

 

عند محك الثورة: بشار ابن أبيه
بشار الأسد، ماهر الأسد، حافظ الأسد عام ١٩٩٤© Foreign Policy In Focus – FPIF

 

بعد توسّع مسار الاحتجاجات إثر تبني بشار لمسار وشخصية وخطاب القمع والتعنّت، وأخذ البلاد في مسار حرب مفتوحة على الشعب سعيا للحفاظ على العرش، أجرت الإعلامية الشهيرة “باربارا والترز” اللقاء المتلفز الأول مع الأسد لقناة أجنبية عقب اندلاع الاحتجاجات على قناة “ABC” الأميركية. في هذه المقابلة التي واجهت بها والترز الأسد بتقرير أممي يتحدث عن مقتل ٥٠٠٠ متظاهر، حتى ذلك الوقت (كانون الأول/ديسمبر ٢٠١١)، أنكر بشار الأسد تماما وبشكل حازم هذا الواقع قائلا إن “المجنون وحده هو من يقتل شعبه”، وإنه إن كان ثمة قتل وقمع للمتظاهرين فهو “ليس مسؤوليتي”، بل “مسؤولية الحكومة”.

 

على وتيرة الخطاب الأول الذي أحال إلى “المؤامرة الخارجية” و”المحرضين” و”الفتنة”، تكثّف هذه المقابلة السمات الشخصية للأسد، والتي تحدثنا عنها سابقا، من ارتياب مَرَضي ونرجسية وكذب وبحث عن الرضا والقبول وتهرّب من الواقع بإلقاء المسؤولية على الآخرين، وهو دليل سيستخدمه الأسد طيلة السنوات العشر للثورة، مع فارق سياسي أساسي في الحكم هذه المرة، وهو العنف الموروث داخل النظام، والذي خلع به الأسد كل “حضاريته” و”غربيته” ليظهر الأسد ببساطة، حسبما يقول عالم النفس السياسي المختص بدراسة الشخصيات السياسية جيرولد بوست “ابن أبيه بكل تفصيل صغير”، في نظام لا يملك نظريا إمكانية لإجراء الإصلاحات التي قد تؤدي بعضها -مهما كانت صغيرة- إلى انهياره، ولا يملك عمليا شرطة مكافحة شغب أو ضبط أمن، ولا من الأساس رغبة أو اقتناعا بالحاجة إلى الإصلاح، بل حاجة لـ”تطوير الشعب” ليصبح مؤهلا لهذه الديمقراطية.

في بقية لقاءاته التلفزيونية، يُحاول بشّار الأسد أن يُؤكّد عدم تأثّره الشخصيّ بما يجري معه شعوريا، فعند سؤاله في مقابلات عدّة عمّا إذا كان مُرهقا ولا ينام نتيجة للحرب التي يقوم بها، كان يُسارع الأسد بالإجابة بأنّه ينام جيدا وبشكلٍ منتظم، وأنّه يمارس الرياضة بانتظام، تعبيرا عن انتظام حياته وعدم تأثّرها بفوضى المُجريات على الأرض. لا تشمل تحفّظات الأسد المسألة الجسدية فحسب، فهذا ينسحب إلى تهرّبه من أي مُساءلات أخلاقية، إذ وُجّه إليه في إحدى المُقابلات سؤالا عمّا إذا كان مقتل الأطفال في حلب يُقلقه أو يشغل باله؟ لكنّ الأسد لَم يلتفّ على السؤال فحسب، وإنّما أكّد على تنبّهه الخاصّ وتدرّبه على هذا النوع من المُنزلقات التعبيرية والذي قد يحمل كلامه على نوع من الاعتراف الضمني من انزعاج ضميره الأخلاقي، فأجاب إجابة صارمة على هذا السؤال بقوله: “أعرف المَقصد من هذا النوع من الأسئلة”.

مع هذا كلّه، فإنّ مصادر أخرى تورد مقولات لأحد المَسؤولين الروسيين المَعنيين بمُتابعة بشّار الأسد عن قرب، يقول فيها إنّ مرور كلّ هذه السنوات منذ اندلاع الثورة السورية قد تسبّب لبشّار بالإرهاق والضغط النفسيّ، إلى درجة انعكست على هيئة مشكلات عضوية، مثل ارتعاشة الجفن اللاإرادية في عين بشّار اليُسرى، وهو ما يعكس نوعا من الإرهاق النفسيّ والضغوطات المتراكمة. ولتجنّب ذلك، تحاول إدارة الأسد أن تظهر بشّار بوصفه رجل عائلة شعبيّا بامتياز، بوصفها محاولة لأنسنة قاتل بات معروفا تورّطه بالدماء، إما بزياراته الميدانية للمدن المدمرة أو للجبهات العسكرية، أو بصوره الشخصية مع عائلته، وتحديدا السيدة الأولى وصاحبة لقب “الزهرة في وسط الصحراء”، أسماء الأسد، موظفة البنك البريطانية التي أدّت وما زالت تؤدي دورا كبيرا بحملة العلاقات العامة التي يرعاها والدها طبيب القلب “فواز الأخرس” من بريطانيا، وهو أحد المشمولين مباشرة تحت العقوبات الأميركية بحسب “قانون قيصر” مع أفراد آخرين من العائلة.

اليوم، وبفصامٍ كامل ومستمر عن الواقع، خاض الأسد حملته الانتخابية لتجديد حكمه تحت شعار “الأمل بالعمل”، وفاز بها كما هو متوقّع بنسبة 95.1% في آخر المحاولات اليائسة والفاشلة والتي لم تعد تجدي نفعا مع الغرب الذي لم يعد يرغب بشراء “سندويشة غوّار” مجددا، كما لم يعد يصدّق مرض أسماء الأسد بالسرطان وتعافيها منه بينما تخوض صراعها بوصفها أميرة حرب مع رامي مخلوف ضمن صراع المافيا الذي صنع شخصياتهما، إلا اضطرارا في بعض الملفات العالقة التي سيواصل الأسد لعبه بها كملف الجهاديين أو المعتقلين الأميركيين لديه، في بلاد جرّها الارتياب والنرجسية والتعطّش للسلطة والتوحش إلى مسارات دمٍ وعنفٍ مافيات وأمراء حرب، ربّما كان من الممكن تجنبها، ولن تتعافى منها في المستقبل المنظور، مثل الأسد الذي لن يتعافى من عُقده وبحثه عن الرضا والقبول، إلى الأبد.

 



مصدر الخبر موقع كوش نيوز

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: