نقطة حرجة – صحيفة التغيير السودانية , اخبار السودان




أنس مصطفى

حسناً فعل مجلس الوزراء أخيراً بإرسال وفد وزاري وأمني إلى مدينة بورسودان، ونرجو أن يقوم الوفد بما يجب عليه على الوجه المنتظر، على الأقل فيما يخص استتباب الأمن في المدينة والنظر في الجرائم المرتكبة. لا يستطيع الوفد بطبيعة الحال حلَّ الصراع الدائر لكن بإمكانهم رفع توصيات إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات الضرورية.

في الممارسة الطبية هناك مفهوم معروف ومتبع بشكل يومي وهو Red Flagsويمكن ترجمته بالنقطة أو المؤشرات الحرجة، وهو باختصار المؤشرات التي يدرك بواسطتها الطبيب أن المريض في حالة تستوجب تدخل طبي عاجل وإلا فإنه قد يفقد حياته، وأعتقد جازماً أن النقطة الحرجة للحكومة هي حدوث الموت، ففي الغالب تقوم الحكومة بالإجراء المطلوب بعد أن يحدث الموت رغم أن الجميع يدرك أن المؤشرات واضحة منذ فترة، على الحكومة أن تخفض من سقف تدخلها ليصبح أقل من الموت، فحيوات الناس غالية وهي مؤتمنة عليها.

ظللت وظل كثيرون غيري يكتبون منذ شهور عن أن الطريق الذي تسلكه الحكومة في شرق السودان هو طريق لا محالة مفضٍ إلى صراع قبلي قد يصل إلى مرحلة يصبح معها الاستدراكعصياً، وأظن الحكومة لم تغب عن ذهنها هذه المآلات لكن لسبب ما فضلت سلوك هذا الطريق، ربما ظناً منها أن بمقدورها احتواء ما سيحدث وربما بسبب لهفتها من أجل الحصول على مكاسب سياسية عجولة تغطي قليلاً على ثوبها الاقتصادي الممزق أو على الأقل بسبب اختيار وفد مفاوض تنقصه الخبرة والدراية الكافية بتعقيدات شرق السودان.

من المعروف لسكان شرق السودان أنَّ هناك تنافساً بين بعض مكونات البجاوهو تنافس قديم لكنه ظلَّ محصوراً في حدود معقولة وسلمية إلا أن الإنقاذ سعت لتأجيج الصراع القبلي في الشرق، تماماً كما فعلت في الغرب وذلك حتى تُخضع نظراء القبائل لسلطتها بفعل التنافس الذي تضرمه بينهم، هذا مفهوم، لكن توقعنا أن تسلك حكومة ما بعد الثورة سلوكاً مغايراً للإنقاذ وهي التي ينتظر منها أن تبني ما تهدم عبر ثلاثين عاماً سوداء ومٌرَّة.

مسار الشرق كأحد مسارات التفاوض مع الجبهة الثورية كان منذ البدء مساراً غير منطقي مثله مثل مساري الوسط والشمال، فلا الأحزاب التي شارك قادتها في المسار أحزاباً لها قاعدة بين الجماهير، ولا هي إثنياً تمثل مكونات شرق السودان المختلفة، مع ذلكمضت الحكومة في أمر المسار وهي تغضُّ البصر والبصيرة عما توقعه الجميع منذ البداية، فكسبت في الأخير سلاماً زائفاً وكسب الموقعون مقامات سلطوية على رماد البيوت المحترقة.

للبجا نظارات وعموديات مختلفة، لكن لغوياً ينقسمون إلى البجا المتحدثين بالبداويت ويشملون قبائل من بينهاالهدندوة،والبجا المتحدثين بالتقري ومن بينهمالبني عامر والحباب وهناك من يتحدث اللغتين معاً، الأمر المحتَّم أنه لا يمكن الوصول لاتفاق سلام مستدام في الشرقدون تمثيل المكونات المختلفة للبجاتمثيلاً عادلاً، ودون أن يكون التمثيل ناشئاً من القواعد ودون تمثيل بقية مكونات الشرق الأخرى من رشايدة وهوسا وشكرية وبقية حبات العقد النضيد.

قبل توقيع الاتفاق أعلن الهدندوة والقبائل المتحالفة معهم رفضهم للمسار بينما آثر البني عامر والحباب تأييد المسار، كما أيده الشيخ سليمان بيتاي كممثلاًللهدندوةالجميلاب، وبين بيتاي وترك صراع نفوذ معروف منذ حكومة الإنقاذ. زاد الأمر سوءاً استثارة الأمين داؤود لجماهير البني عامرلتخرج في استقباله بعد عودته الظافرة من جوبا، صاحب ذلك موت مجاني في بورسودان، ليزداد يقين ترك أن المسار هو نصر للبني عامر على حساب الهدندوة ولتبدأ المعزوفة الجنائزية في الشرق.

اصطف الهدندوة حول ترك لمناهضة مسار الشرق وما تلاه، ولجأت بعض المحيطين بترك إلى حسم الصراع عبر إزاحة البني عامر والحباب جملةً من المشهد البجاوي، بذريعة أن البجا هم فقط القبائل التي تتحدث البداويت والمنحدرة من أصول كوشية حامية، بينما البني عامر والحباب قبائل سبئية سامية جاءت إلى المنطقة بعد انهيار سد مأرب، وهو أمر يمكن نقاشهبالرجوع إلى العلوم المختصة من تاريخ وأنثروبولوجي، فليس كل البجاالحاليين من أصل حامي، البعض يُنسب إلى الأشراف، أو إلى الكواهلةأوهوازن وهكذا، لذا يرى بعض الباحثين أن البجا ثقافة لا أصل عرقي واحد، كما يرى باحثون وعلماء مثل بروفيسور منتصر الطيب أن البني عامر والحباب والحماسين هم أصل العرب العاربة إلا أن الهجرةالأولى كانت من أفريقيا قبل حدوث الهجرة التي أعقبت انهيار سد مأرب، على أي حال هو أمر يرجع إليه في مظانه.

 

تجميد مسار الشرق

 

الآن بعد هذا القتل والخراب الذي يزداد سوءاً مع شروق شمس كل يوم جديد، وفي هذا المناخ المسموم الذي يوفر غطاءً ملائماً لكثير من الأيدي الرديئة مثل التنظيمات السرية للنظام السابق وكتائبه المجرمة وغيرهم على الحكومة أن تتحرك في الاتجاه الصائب الذي كان عليها السير فيه منذ البداية وهو:

-تجميد اتفاق مسار الشرق وما ترتب عليه، وقيام مؤتمر الشرق لإعادة صياغة اتفاق سلام مستدام بمشاركة الجميع ومن ثم رتق ما تهتك من نسيج اجتماعي.

-قيامها بمسؤوليتها في حماية المواطنين من العصابات المجرمة ومن الأجهزة الأمنية المتورطة ومعرفة من يقف وراءها.

-قيام المجالس التشريعية التي تراقب الأداء الحكومي، وتمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً لا المجالس الزائفة لمقترحة من قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية.

-وقف الخطاب العنصري وإعمال القانون في مواجهة من يستخدمونه، يشمل ذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي تغص بمثل هذا الخطاب خاصة في المنتديات القبلية.

وقف الحملات الاعلامية التي تحاول تصوير صراع ناظر الهدندوةترك مع الحكومة كصراع بين المؤتمر الوطني والثورة فهذا لا يؤديوهو اختزال مخل ويزيد الأمر سوءاً.

وفوق ذلك كله إحداث تنمية عاجلة في شرق السودان بدءاً من التعليمفهو الأمل الوحيد في مستقبل يزيل عن الأجيال القادمة من أبناء البجا ثقل السنوات العجاف التي امتدت منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا والتي حصرتهم بين شعاب الجبال، وتحت أسمال الرواكيبفي المدن والبلدات تنهش أجسادهم النحيلة الأمراض والفقر والساسة الكذبة.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: