دبلوماسية حوض النيل تتعثر (5)


JPEG - 7.2 كيلوبايت
د. فيصل عبدالرحمن على طه

دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه

[email protected]

1

كان من بين مشاريع خطة عمل التكونايل لحوض النيل، مشروع للتعاون الإقليمي من خلال إقامة إطار لترتيبات قانونية ومؤسسية مقبولة لكل دول الحوض. ففي هذا السياق، وبتمويل من صندوق الأمم المتحدة الإنمائي، ابتُدِر مشروع للعمل على إعداد توصيات بشأن إطار قانوني ومؤسسي لحوض النيل.

2

صدَّق المجلس الوزاري للحوض على المشروع في اجتماعه الثالث الذي عُقِد في أروشا بتنزانيا في فبراير 1995. ولهذا الغرض تم تشكيل لجنة خبراء. وقد مُثلِّت كل دولة من دول الحوض في اللجنة بفريق مكون من ثلاثة أشخاص من ذوي التخصص في القانون والموارد المائية.

3

رفعت لجنة الخبراء مسودة إطار تعاوني في بداية عام 2000. وقد احتوت المسودة على مبادئ عامة وحقوق وواجبات ومسائل مؤسسية. وبما أن المسودة لم تقدم الحلول لمسائل محورية، فقد قرر المجلس الوزاري في اجتماعه الذي عُقِد في الخرطوم في أغسطس 2000 مد الحوار بشأن المسودة حتى يتم التوصل إلى اتفاق بشأن تلك المسائل. وكُلفت لجنة انتقالية بإعداد نص إطار تعاوني لتنظر فيه لجنة تفاوض تم تشكيلها في ديسمبر 2003 من موظفين من ذوي الدرجات الرفيعة. وقد خُوِّل هؤلاء من قبل حكوماتهم للتوصية بإطار قانوني ومؤسسي لتنمية الموارد المائية لحوض النيل.

4

لقد تم تطوير نص مشروع اتفاقية الإطار التعاوني لحوض نهر النيل على مدى أكثر من عشر سنوات، وتم تقديمه للمجلس الوزاري المكون من وزراء الشؤون المائية لدول حوض النيل في مارس 2006. وقد أكمل الوزراء مفاوضاتهم بشأن مشروع الاتفاقية في 25 يونيو 2007 باستثناء تحفظ يتعلق بالفقرة (ب) للمادة 14: الأمن المائي.

5

ويبدو أن مسألة الأمن المائي هذه قد أصبحت حالياً العقبة الوحيدة أمام انضمام السودان ومصر لاتفاقية الإطار التعاوني. وهي عقبة كؤود بامتياز. فما كان يُطرَح من عقبات أخرى قد تضاءلت أهميته الآن. فالمادة 8 (2) من مشروع الاتفاقية أحالت لمفوضية حوض النيل مهمة وضع القواعد والإجراءات التنظيمية للتدابير المزمع اتخاذها في الحوض، وذلك على أن يتم تعديل الاتفاقية الإطارية و13 مادة أخرى بتوافق الآراء. وأما تعديل باقي المواد فيكون بالأغلبية كملاذ أخير، وبعد استنفاد كل الجهود للوصول إلى اتفاق. ويخضع للتصديق أو القبول أو الانضمام.

6

ورد مصطلح «الأمن المائي» ضمن المبادئ العامة للاتفاقية في المادة 3. وذُكر في المادة 2 (f) أنه يقصد بالأمن المائي «حق كل دول حوض النيل في الوصول لنظام نهر النيل بصورة يعوَّل عليها، وفي استخدامه في مجالات الصحة، والزراعة، والمعيشة، والإنتاج، والبيئة».

7

تمت صياغة مبدأ الأمن المائي في المادة 14 من اتفاقية الإطار التعاوني. وتنص هذه المادة في أصلها على الآتي:

«مع المراعاة الواجبة لأحكام المادتين 4 و5، فإن دول حوض النيل تدرك الأهمية الحيوية للأمن المائي لكل منهم. كما تدرك هذه الدول أن التعاون والإدارة وتنمية مياه نظام نهر النيل سوف يُسهل تحقيق الأمن الغذائي ومنافع أخرى. ولذا فإن دول حوض النيل من منطلق روح التعاون، قد اتفقت على ما يلي:

(أ) العمل سوياً لضمان تحقيق كل الدول للأمن الغذائي واستدامته.

(ب) عدم التأثير بشكل ذي شأن على الأمن المائي لأي دولة أخرى من دول الحوض.»

8

وافقت جميع دول الحوض على الفقرة 14 (ب) باستثناء مصر والسودان. وطرحت مصر صيغة بديلة هي:

«(ب) عدم التأثير سلباً على الأمن المائي والاستخدامات والحقوق المائية لأي دول أخرى من دول حوض النيل».

9

لقد فجّرت المادة 14 (ب) من اتفاقية الإطار التعاوني خلافاً عاد بالجميع إلى نقطة البداية أو بمصطلحات أيامنا هذه إلى منصة التأسيس. يتمحور هذا الخلاف حول الوضع القانوني لاتفاقيتي 1929 و1959 والحصص التي خُصصت بمقتضاهما للسودان ومصر. ويبدو جلياً من الصيغة البديلة للمادة 14 (ب) التي اقترحتها مصر، وأيدها السودان، تمسك البلدين بكامل الحصص المائية التي خصصت لهما بموجب هاتين الاتفاقيتين. وأنهما لن يقبلا إلغاء تلك الحصص أو استبدالها بحصص أخرى تُفرض بتطبيق العوامل التي تحدد الاستخدام المنصف والمعقول المنصوص عليها في المادة 4 من الاتفاقية الإطارية، والتي لا تعطي أفضلية للاستخدامات الحالية، بل تحيلها إلى المرتبة الخامسة في قائمة العوامل. كما لا تعتبرها حقوقاً قانونية مكتسبة غير قابلة للنقض أو الإلغاء.

10

وفي الجانب الآخر، فإن دول أعالي النهر لا تعترف باتفاقية عام 1959 لأنها اتفاقية ثنائية ولا تلزم غير طرفيها. ولا تعترف دول شرق إفريقيا الثلاث التي كانت تحت النفوذ البريطاني وهي أوغندا وكينيا وتنزانيا باتفاقية عام 1929. كما ترفض قواعد القانون الدولي المتعلقة بخلافة الدول في المعاهدات.

11

توالت اجتماعات المجلس الوزاري دون أن تثمر عن أي صيغة توافقية بشأن المادة 14 (ب) من اتفاقية الإطار التعاوني. نذكر من هذه الاجتماعات:

* اجتماع كنشاسا في 22 مايو 2009 حيث اتفقت سبع من دول الحوض على إرفاق الفقرة 14 (ب) بالاتفاقية على أن يتم البت في أمرها من قبل مفوضية حوض النيل في غضون ستة أشهر من تاريخ إنشائها.

* في إجتماع الإسكندرية في 27/28 يوليو 2009 اتُخذ قرار بإتاحة مزيد من الوقت للتوصل إلى اتفاق.

* في اجتماع شرم الشيخ في 13/14 أبريل 2010 لم يتحقق الاتفاق المنشود. وبعد جدل حامٍ اتفقت سبع من دول الحوض على فتح نص الاتفاقية الإطارية للتوقيع عليها وفقاً للترتيب الذي اتفقت عليه بشأن إرفاق الفقرة 14 (ب) في كنشاسا في 22 مايو 2009.

12

فُتِحَت اتفاقية الإطار التعاوني للتوقيع عليها في 14 مايو 2010 ووقعت عليها في عنتيبي في ذلك التاريخ كل من إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا. بينما وقعت عليها بوروندي في 28 فبراير 2011. وحتى الآن صدقت على الاتفاقية أربع دول هي إثيوبيا في 13 يونيو 2013، ورواندا في 28 أغسطس 2013، وتنزانيا في 26 مارس 2015، وأوغندا في 15 أغسطس 2019. وستدخل الاتفاقية حيز النفاذ إذا حصلت على التصديق أو الانضمام السادس. وبسبب فتح اتفاقية الإطار التعاوني للتوقيع، وتوقيع بعض دول الحوض عليها، جمَّد السودان ومصر نشاطهما في مبادرة حوض النيل في يونيو 2010. ولكن السودان استأنف نشاطه في نوفمبر 2012.

13

إن اعتماد دول أعالي النهر لاتفاقية الإطار التعاوني بدون موافقة دولتي أسفل النهر السودان ومصر، وفتحها للتوقيع عليها، ثم التوقيع عليها من قبل عدد من دول الحوض رغم احتجاج السودان ومصر، قد أدى إلى انتكاسة وتراجع في الروح التعاونية الجديدة. وليس ببعيد أن تصبح الاتفاقية نافذة بدون دولتي أسفل النهر السودان ومصر. فإذا حدث هذا وطال بقاؤهما خارج الاتفاقية، فلن يتحقق هدف إقامة إطار قانوني ومؤسسي لإدارة حوض النيل على أساس مبادئ مقبولة لكل دول الحوض، لأنهما الأكثر حاجة لمياه النيل والأكثر استخداماً لها من أي دول أخرى تشاطئ النيل.

14

لقد بات جلياً أنه دون التوافق على حل لمسألة توزيع الموارد المائية وتخصيص حصص، وإغلاق صفحة الماضي، فلن يكون هناك إطار قانوني ومؤسسي لحوض النيل. يطرح البعض الحل السياسي عبر قمة لرؤساء دول وحكومات الحوض. غير أن نجاح قمة كهذه مرهون بتوافر الإرادة السياسية. إن اللجوء إلى القضاء أو التحكيم الدوليين قد يكونا وسيلة أخرى. ولكن إجراءاتهما طويلة ومعقدة، ولا يوجد ضمان بأن كل دول الحوض ستلتزم بما يصدر عنها من قرارات حتى ولو تعهدت بذلك مسبقاً.

15

ربما تكون الوسيلة الأفضل هي طلب وساطة البنك الدولي. فهو جهة محايدة. وشارك بفعالية إبان فترة لجنة التعاون الفني لترقية التنمية والحماية البيئية لحوض النيل (التكونايل)، وفي مبادرة حوض النيل. وقد تراكمت لديه خبرات اكتسبها من خلال وساطات ناجحة قام بها في أحواض أنهار أخرى. وفوق كل هذا فإن للبنك الدولي من الموارد المالية والقدرات الفنية ما لا يتوفر لغيره. وقد يساعد البنك مستقبلاً في تنفيذ مشروعات استرداد فواقد مياه حوض نهر النيل التي يرجح أنها سترفد النيل من المياه بما يكفي ويزيد.





مصدر الخبر موقع سودان تربيون

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: