د. حيدر معتصم يكتب: التيار الإصلاحي التوافقي


ظلت الحياة السياسية في السودان منذ بواكير تأسيسها الحديث من حيث الممارسة فيما بعد قيام مؤتمر الخريجين ظلت قائمة على الخلاف والضد المؤدي إلى الخصومة و الغالب و المغلوب و لم تكن في يوم من الأيام قائمة على الإختلاف و الإتفاق المؤدي إلى التلاقي حول كيفية إدارة الإختلاف و التوافق على السقوف الوطنية مشتركة ولذلك من العسير جداً إصلاح العملية السياسية في السودان بكلياتها من غير إصلاح الممارسة كمدخل ، و إصلاح الممارسة السياسية لايمكن أن يكون واقعا إلا من خلال إجراء عمليات جراحية عميقة داخل التيارات السياسية المختلفة فيما يتعلق بالمواقف  الفكرية من قضايا التوافق الوطني المرتبطة بالمبادئ الكلية لبناء الدولة المدنية مثل حقوق المواطنة و الموقف من حقوق الإنسان الأساسية و الحريات العامة و الشراكة السياسية و الإلتزام بتأسيس الدولة وفقا للهوية و القيم الحضارية السودانية ويظل تأثير و إنعكاس عملية الإصلاح  السياسي على عمليات الإصلاح الإقتصادي و الإجتماعي و الأمني أمراً ملحاً  لافكاك منه حيث أنه من العسير إجراء إصلاحات بنيوية أي كان نوعها في ظل أزمة فكرية و سياسية مستفحلة.

        الإصلاح السياسي الشامل  و إعادة بناء الأحزاب و الكيانات السياسية يقتضي وجود تيار إصلاحي توافقي داخل هذه  الكيانات السياسية وداخل المؤسسات  المدنية و الأهلية يضطلع بدور  محوري قادر على قيادة عجلة التغيير بروح وطنية عالية و مصداقية قادرة على مجابهة التيارات السياسية التاريخية الإقصائية منها  و الإستئصالية بطرق مبتكرة  و متجاوزة للأجندة الطائفية و الأيدلوجية و العرقية و الإثنية و الجهوية و المهنية،  و واحدة من حسنات الإنقاذ أنها جعلت وجود هذا التيار الإصلاحي التوافقي ممكنا في الممارسة السياسية السودانية حيث برز وسط التيار الإسلامي بعد الإنقلاب على السلطة في يونيو 89 تيار رافض لفكرة الإنقلاب العسكري منذ اللحظة الأولى سابقاً للآخرين بل و رافضاً لكل المبررات و التعقيدات التي أدت بالإسلاميين للإنجرار وراء لعبة الإنقلابات العسكرية  بإعتبار أن الإنقلاب يتناقض كلياً مع فكر الحركة المؤمن و المنادي و المدافع  عن الحريات و حقوق  المواطنة و الشراكة السياسية مع الآخرين.
ما يستحق أن يشار له انه حينما تمرد الإصلاحيين الإسلاميين بقيادة د. الطيب زين العابدين على الحركة الإسلامية لم يتمردوا على فكر الحركة و مبادئها و ظلوا على عهدهم و إنتمائهم لمبادئ الفكر الإسلامي و فكر الحركة الإسلامية و قد لقوا مالقوا من العنت و التضييق ومن إتهامات بالتخوين والتخلي عن مبادئ الحركة إلا أنهم رغم ذلك قد ظلوا صامدين على مواقفهم ومبادئهم و إنتمائهم بصبر و ثبات.
تبع تمرد الإصلاحيين الإسلاميين على سلطة إخوانهم  تمرداً آخر وسط التيارات السياسية اليسارية قادته مجموعات على رأسها الخاتم عدلان و الحاج وراق و الشفيع خضر وياسر عرمان  ومحمد وداعة و غيرهم إلا أن تمرد اليسار على عكس اليمين فقد جاء في غالبه تمرداً على الفكر الإشتراكي نفسه بعد صدمة سقوط الإتحاد السوفيتي و تحول معظم الإصلاحيون الإشتراكيون مباشرة نحو الليبرالية الرأسمالية العدو اللدود و الغريم التاريخي للإشتراكية، و رغم أن هذا التيار قد ولد متماهياومتفقاً تماماًمع الإصلاحي الإسلامي في قضايا الحريات و المواطنة و الشراكة السياسية على المستوى الفكري و الذهني و لكنه تخلف عنه  على المستوى الممارسة العملية، و قد ظل الإصلاحيين اليساريين بعيدين جداً حتى الآن عن نقطة التناغم بين الموقفين الذهني و العملي نتيجة لكثير من الحواجز النفسية التاريخية بينهم و بين أهل الإسلام السياسي و بسبب  كثير من الإرتباطات الفكرية و الإجتماعية الوجدانية مع رفاق الأمس، و قد فشل الإصلاحيين اليساريين و تواضعوا  في إختبار الدفاع عن الحريات و المبادئ الأساسية للشراكة السياسية حينما إقتربوا من السلطة و لم تكن لهم الجرأة الكافية للدفاع عن الحريات كما فعل رفاقهم الإسلاميين أمام جبروت الإنقاذ أو كما فعل كثير من الإصلاحيين حول العالم إقليميا و دوليا إلا على إستحياء
يظل التحدي أمام التيار الإصلاحي يمينا و يساراً و وسطا هو القدرة على التقدم بشجاعة و إبراز هذا التيار إلى الوجود والسير به نحو الأجندة الوطنية المشتركة و التحرر من براثن القطيعة النفسية و التأسيس لبناء لافتات مشتركة تعبر عن هذا التيار  برؤية واضحة و فكرة مبتكرة و بلا أدنى شك فإن التيار الإصلاحي التوافقي هو الغالب في الساحة وسط النخب و الجماهير و الإعلاميين و المفكرين و الأكاديميين والسياسيين و غيرهم  و لكن غياب المواعين التي تعبر عن هذا التيار جعلته يبدو ضعيفا جداً أمام التيارات الإقصائية و الإستئصالية العريقة الضاربة الجذور في أضابير و دهاليز السياسة السودانية وقد ظلت هذه التيارات تفرض سيطرتها على المشهد السياسي السوداني منذ بواكير الإستقلال.
يقيناً لن يدوم الوقت طويلاً أمام هذه التيارات الإصلاحية التوافقية  للأخذ بزمام المبادرة في ظل التشرزم و التشظي الذي ضرب الجميع و أضحي الفراغ السياسي هو العنوان الرئيس الذي  يسيطر على الساحة، فإذا كان الوجود الحزبي الطائفي و الأيديولوجي هو الذي لعب دورا فاعلا في الحفاظ على سيادة الوطن و هويته و تماسكه الإجتماعي  فهو أيضاً الذي عقد الساحة سياسيا و قادها إلى ما هي عليه الآن من تشظي و فراغ سياسي وإن الفراغ السياسي هو الأخطر على البلاد لأن الفراغ لم و لن يدوم طويلا و هناك الآخر الذي يريد أن يملأه بما يملك لا بما نملك نحن… نواصل

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: