حكم الصرف عبر التطبيق البنكي مع تأخير التقابض للمال (الكاش)


بسم الله الرحمن الرحيم
حكم الصرف عبر التطبيق البنكي مع تأخير التقابض للمال (الكاش)
الحمدلله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
أولاً : إجراء الحوالات بنفس العملة : جائزة شرعاً، سواء تم ذلك بمقابل ( على أساس الوكالة بأجر كأن يكون من بلدة إلى بلدة نائية أو بدونه،وهو الأصل)وكالة ، ومحلات الصرافة والبنوك تقوم بتنفيذ عمليات تحويل الأموال لعامة الناس، فهم ضامنون لحالات التعدي والتقصير ومخالفة الشروط، وفي هذا صدرت فتاوى جماعية، وقرارات مجمعية.
ثانياً : من الشروط الواجب تطبيقها في التعامل بالعملات أن يتحقق عند البيع والشراء التقابض الفوري (أي قبض البدلين عند العقد أو القيد المصرفي) والمساواة بين العملتين إذا كانا من جنس واحد مثل بيع الجنيه السوداني بالجنيه السوداني ، أما عند اختلاف الجنسين من العملتين فحينئذ يجب التقابض عند العقد ولا يشترط التماثل .
إجراء الحوالات بنفس العملة جائز شرعاً سواء تم قبض المال في الحال و المجلس أم لا، وقد اشترط الفقهاء قبض البدلين في مجلس العقد استنادا إلى أحاديث نبوية صحيحة ، منها حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبادة وغيرهما حيث تدل هذه الأحاديث على وجوب القبض في المجلس.
ولكن الفقهاء المعاصرين وسعوا دائرة القبض حتى في بيع العملات فاعتبروا تسجيل العملة في الحساب البنكي أو ما يسمى بالقيد المصرفي أو التطبيقات البنكية بمثابة القبض المعتبر شرعا وبذلك صدرت الفتاوى الجماعية من المجامع الفقهية والندوات العلمية منها قرارات لمجمع الفقه الإسلامي في جدة والمجمع الفقهي في مكة المكرمة .
ثالثاً : فإن تحويل المبالغ عن طريق البنوك أو محلات الصرافة جائز شرعاً، وإن كان بعملة غير العملة التي سلّمها المرسل، حيث تسمى هذه الحالة بالحوالة والصرف ، فهي صرف لأن المرسل مثلا دفع الجنيهات وطلب أن تتحول إلى دولارات في بلد المستفيد من الحوالة، وهي حوالة أيضا؛ لأن البنك يقوم بتحويل هذا المبلغ. وقد اتفقت المجامع الفقهية على أن القبض المطلوب شرعاً قد تحقق من خلال القيد المصرفي، أي تسجيل المبلغ في حساب العميل، وحينئذ لا يشترط القبض اليدوي.
وحسب التكييف الفقهي المعاصر في مسألة القبض عن طريق الحوالات، وحكمها، أنها من قبيل *السفتجة* وهي مستند المستقرض للمقرض إلى وكيل المقرض في بلد آخر ليعطيه ما أقرضه، وهي جائزة عند جماعة من الفقهاء والراجح أن التحويلات المصرفية اليوم أو البريدية عملية مركبة من معاملتين أو أكثر، بل هو عقد حديث بمعنى أنه لم يجر العمل به على هذا الوجه المركب في العهود السابقة، ولم يدل دليل على منعه، فهو صحيح جائز شرعاً من حيث أصله. ويعتبر إجراء الحوالة قبضاً حكمياً بمبلغ العملة التي تمثل الحوالة وذلك لأن كيفية القبض عند المحققين تعود إلى العرف ما عدا المنصوص عليه ،والقيد المصرفي بمثابة القبض للطرفين فالمحول يستلم إشعارا بالخصم منه لصالح حساب المحول إليه ، و المحول إليه يستلم إشعارا بإضافة المبلغ إلى حسابه، بالإضافة إلى أن هذه العملية ليس فيها منفعة مشروطة ، أو زيادة للمقرض، وإذا وجدت فهي للطرفين معاً.
يراجع في تفصيل موضوع السفتجة في الفقه الإسلامي :
المبسوط: 14/37، بدائع الصنائع: 7/396، وتبيين الحقائق: 4/175، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 4/175، وشرح العناية: 7/248،و الجوهرة النيرة: 1/318، وشرح فتح القدير: 7/250، ودرر الحكام: 2/310، والبحر الرائق: 6/276، ومجمع الأنهر: 2/149.
ومنح الجليل: 5/407، والتاج والإكليل: 6/532، ومواهب الجليل: 4/548، وشرح الخرشي: 5/231، والفواكه الدواني: 2/89، وحاشية الدسوقي: 3/226.
والأم: 3/35، وشرح السنة: 8/193، وأسنى المطالب: 2/142، وتحفة المحتاج: 5/47-48، وشرح البهجة: 3/71-72، ونهاية المحتاج: 4/230، وحاشية الجمل: 3/261-262، والتجريد لنفع العبيد: 2/356، وحاشية قليوبي وعميرة: 2/260. والمغني: 6/436، والفروع: 4/206، والمبدع: 4/209، والإنصاف: 5/131، والروض المربع: 5/36، 38، 44، وكشاف القناع: 3/317، والتوضيح: 2/655،و شرح منتهى الإرادات: 2/227.
المحلى: 6/347 م 1193.
عقد الجواهر لابن شاس: 2/566.
المصنف لابن أبي شيبة: 6/267، السنن الكبرى للبيهقي: 5/352، المصنف لعبدالرزاق: 8/140.
و تهذيب السنن: 5/152، الاختيارات: 131.
تهذيب السنن: 5/152-153، جامع الفقه لابن القيم: 4/117، إعلام الموقعين: 1/391.
مسائل الإمام أحمد: رواية أبي داود: 262.
ومجموع الفتاوى: 29/530، 455، 456، 20/515، وتصحيح الفروع: 4/206، حاشية ابن قاسم: 5/36، 38، 44، وتهذيب الأسماء للنووي (2/49) حيث قال فيه : ( السفتجة هي كتاب يكتبه المستقرض للمقرض إلى نائبه ببلد آخر لعطيه ما اقترضه).
رابعاً : فيما يتعلق بالحكم الشرعي للقبض ، والقيد المصرفي، فقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي برقم 53(6/4) بشأن صور القبض، وبخاصة المستجدة منها وأحكامها، نص على ما يأتي:
أولاً : قبض الأموال كما يكون حسّياً في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حسّاً. وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها.
ثانياً: إن من صورة القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً:
1- القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:
‌أ- إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.
ب- إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.
ج- إذا اقتطع المصرف – بأمر العميل – مبلغا من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية.
ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي، للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلاّ بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.
2- تسلّم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجزه المصرف).
وجاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي(الإمارات العربية المتحدة)
1 – 6 ذي القعدة 1415هـ
الموافق
1 – 6 نيسان (إبريل) 1995م
القرارات رقم 84 – 92
( *الحوالات التي تقدم مبالغها بعملة ما ويرغب طالبها تحويلها بنفس العملة جائزة شرعاً، سواء أكان بدون مقابل أم بمقابل في حدود الأجر الفعلي، فإذا كانت بدون مقابل فهي من قبيل الحوالة المطلقة عند من لم يشترط مديونية المحال إليه، وهم الحنفية، وهي عند غيرهم سفتجة، وهي إعطاء شخص مالاً لآخر لتوفيته للمعطي أو لوكيله في بلد آخر. وإذا كانت بمقابل، فهي وكالة بأجر، وإذا كان القائمون بتنفيذ الحوالات يعملون لعموم الناس، فإنهم ضامنون للمبالغ، جرياً على تضمين الأجير المشترك*) .
هذا والله تعالى أعلم بالصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
🖊️ د. محمد الأمين إسماعيل
عضو مجمع الفقه الإسلامي
عميد كلية القرآن الكريم بجامعة افريقيا العالمية



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: