السودان في مُبادرة الهيبك وتخفيف عبء الديون


“لا تكذب ولا تدّعي انتصارات سهلة”. – أميلكار كابرال
في نهاية شهر يونيو 2019، أصدر البنك وصندوق النقد الدوليين، قرارهما المنتظر بأن السودان قد اوفى بالشروط التي تؤهله للوصول إلى نقطة القرار فيما يختص بعملية إعفاء ديونه الخارجية عبر مبادرة تخفيف عبء ديون البلدان الفقيرة المثقلة بالديون المعروفة بالهيبك.

وقد احتفل الخطاب الحكومي الرسمي بالقرار أيّما احتفال وهذا من حقه، ولكن صاحب ذلك الاحتفال مبالغات لا تجوز من حكومة تهتم بدقة الحقيقة وتمليك شعبها صورة كاملة. من ضمن هذه المبالغات الزعم بأن الديون قد تم بالفعل شطبها، وأن ذلك الحدث في حد ذاته إنجاز دبلوماسي فريد وغير مسبوق. ولكن الحقيقة العارية هي أن الديون لم تُشطب بعد، فكل ما حدث هو أنه في اجتماع انعقد بتاريخ 26 يونيو 2021 قرر صندوق النقد والبنك الدوليين أن السودان قد وصل نقطة القرار في المبادرة المعنية بالبلدان الفقيرة المثقلة بالديون – الهيبك. هذا القرار فقط يعني إن السودان قد تأهل للمشاركة في المبادرة رسمياً، ولكن لا يزال الإعفاء الكامل وغير القابل للإلغاء عملية طويلة ومشروطة بشروط صعبة أو مؤلمة حسب مفردات الخطاب الرسمي.

في 29 يونيو 2021، كتبت وكالة أنباء السودان التابعة للحكومة (سونا) في موقعها تحت عنوان عريض “إعفاء أكثر من خمسين ملياراً من ديون السودان” أتى في متنه: “أُعلن اليوم رسمياً عن إعفاء السودان لأكثر من خمسين مليار دولار في إطار مبادرة تخفيف عبء الديون عن البلدان الفقيرة المثقلة بالديون. وقال بيان مشترك صادر عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إن المؤسستين قرّرتا إعفاء (23) ملياراً من ديون السودان وسيُستكمل ذلك بمبادرات أخرى لتخفيف أعباء الديون، ترتكز على مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون والتي ستجعل تخفيف عبء الديون الإجمالي أكثر من (50) مليار دولار من حيث القيمة الصافية الحالية”.

الخبر كما صاغته سونا يناقض صدره عجزه، فالعنوان العريض يذكر إعفاء (50) مليار دولار من الديون والمتن يقول بإعفاء (23) ملياراً وهذه مفارقة غريبة، بيد أن كل هذه الأرقام لا تسندها حقائق. أضف إلى ذلك أن الخبر افتقد الدقة وجنح لاحتفالية مبكرة وباع الكتاكيت قبل أن يفقس البيض كما يتضح من مراجعة البيانات الرسمية لصندوق النقد وبإدراك طبيعة عملية تخفيف الديون عبر مبادرة الهيبك.

فقد جاء في البيان نمرة 21/199 الذي صدر عن صندوق النقد في 29 يونيو 2021 المنشور على موقعه الرسمي: “سيتم تخفيض الدَّين العام الخارجي للسودان بشكل لا رجعة فيه – من خلال تخفيف أعباء الديون الخاصة بالبلدان الفقيرة المثقلة بالديون ومبادرات تخفيف عبء الديون الأخرى المرتبطة – بأكثر من (50) مليار دولار من حيث القيمة الصافية الحالية، والتي تمثل أكثر من 90 في المئة من إجمالي الدَّين الخارجي للسودان – إذا وصل نقطة الإنجاز الخاصة بالبلدان الفقيرة المثقلة بالديون في حوالي ثلاث سنوات”.
وجاء في البيان الصادر عن المكتب القطري لصندوق النقد الدولي “إذا استمر السودان في التزامه الثابت بالإصلاحات الاقتصادية، فإن البلاد لديها القدرة على الوصول إلى نقطة الإنجاز بحلول يونيو 2024، مما قد يؤدي إلى خفض ديون السودان بمقدار (50) مليار دولار أمريكي إلى حوالي (6) مليارات دولار أمريكي”.

وكانت بيانات الصندوق واضحة وصريحة في أن عملية إعفاء الديون تكتمل في خلال ثلاث سنوات على أحسن الفروض. لم تكن هذه المعلومة تحتاج لبيان من الصندوق لأنها من طبيعة مبادرة الهيبك والكيفية التي تم تطبيقها بها في عشرات الدول التي استفادت منها ولم يتبق من الدول المستحقة التي لم تستفد منها إلا السودان وإريتريا.

الجدير بالذكر أن الهيبك تم إطلاقها في عام 1996 من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين، بهدف ضمان عدم مواجهة أي بلد فقير عبء ديون لا يمكنه إدارته. ومنذ ذلك الحين، عمل المجتمع المالي الدولي لخفض أعباء الديون الخارجية إلى مستويات يمكن تحمُّلها على البلدان الفقيرة المثقلة بالديون.

عملية الهيبك تتكوّن من خطوتين تفرض على البلدان أن تفي بمعايير معينة، وأن تلتزم بالحد من الفقر، وأن تظهر سجل إنجازات جيد بمرور الوقت. يوفر الصندوق والبنك تخفيفاً مؤقتاً للديون في المرحلة الأولية، وعندما يوفي بلد ما بالتزاماته، يتم توفير تخفيف كامل للديون.

المحطة الأولى في عملية الهيبك هي نقطة القرار التي تتحقق بعد أن يستوفي البلد الشروط الأربعة التالية:
أن يكون مؤهلاً للاقتراض من وكالة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي، والتي تقدم قروضاً بدون فوائد ومنح إلى أفقر بلدان العالم، ومن صندوق النمو والحد من الفقر التابع لصندوق النقد الدولي.

المُعاناة من عبء ديون لا يمكن تحمُّله ولا يمكن معالجته من خلال الآليات التقليدية لتخفيف الديون.
تحقيق سجل حافل بالإصلاح والسياسات تحت البرامج التي يدعمها صندوق النقد والبنك الدوليين.
صياغة ورقة استراتيجية للحد من الفقر من خلال عملية تشاركية واسعة النطاق.

بمجرد استيفاء بلد ما أو إحراز تقدم كافٍ في تلبية هذه المعايير الأربعة، يقرر المجلسان التنفيذيان لصندوق النقد والبنك الدوليين رسمياً أهليته للإعفاء من الديون، ويلتزم المجتمع الدولي بتخفيض الديون إلى مستوى يُعتبر مستداماً. يشار إلى هذه المرحلة الأولى في إطار المبادرة على أنها نقطة القرار وهذه هي النقطة التي بلغها السودان في أواخر يونيو 2021 وأعلن معها الصندوق والبنك أن السودان قد صار مؤهلاً للمشاركة في المبادرة وإمكانية إعفاء (50) ملياراً من ديونه البالغة حوالي (56) مليار دولار.
النقطة الثانية في عملية الهيبك نقطة الإنجاز. للحصول على تخفيض كامل وغير قابل للإلغاء في الديون المتاحة بموجب المبادرة، يجب على البلد تحقيق:
سِجِل متابعة آخر للأداء الجيد في إطار البرامج المدعومة من صندوق النقد والبنك الدوليين.
تنفيذ السياسات الرئيسية المتفق عليها في نقطة اتخاذ القرار بصورة مُرضية.
اعتماد وتنفيذ أوراق استراتيجية الحد من الفقر لمدة عام على الأقل (برنامج ثمرات).
بمجرد استيفاء السودان لهذه المعايير بشهادة البنك والصندوق، يمكنه الوصول إلى نقطة الإنجاز، مما يسمح له بالحصول على إعفاء كامل من الديون الملتزم به عند نقطة اتخاذ القرار والبالغة (50) مليار دولار.
طبيعة عملية الهيبك وبيانات الصندوق تعني أن الإعفاء الكامل للديون لن يتم قبل الوصول إلِى نقطة الإنجاز (الإكمال) في يوليو 2024, بعد أن يوغل السودان في تنفيذ البرامج المتفق عليها مع البنك والصندوق – والتي تشمل إكمال رفع الدعم وتعويم العملة بما يوحد أسعار الصرف وتحرير الأسعار وخصخصة الشركات العامة، بما في ذلك شركات الأمن والجيش، وتشجيع الاستثمار الأجنبي في كل الأنشطة واستعادة التوازن الاقتصادي الداخلي والخارجي وزيادة الضرائب والرسوم وتقزيم الدور الاقتصادي للدولة.

ولكن صحيح أيضاً أنه بمجرد أن يصل بلد ما إلى نقطة اتخاذ القرار الخاصة به، فقد يبدأ فوراً في تلقي تخفيف مؤقت لخدمة الديون المستحقة، وهذا يعني تجميد خدمات الديون أو إعادة جدولتها. ويمكن أيضاً للبنك والصندوق إعفاء جزء من المبلغ المُقرر المُعلن عنه (50 مليار دولار) في الأشهر والسنوات القادمة في حدود 20 في المئة منه في العام بمجموع لا يزيد عن 60 في المئة من جملة المبلغ قبل الوصول إلى نقطة الإعفاء غير القابل للتراجع، أي النقطة المعروفة بنقطة الإنجاز. وهذا يعني أنه من الممكن أن يحصل السودان على إعفاء قبل نهاية السنوات الثلاث، ورغم أن ذلك لم يحدث حتى الآن، إلا أنّ حدوثه وارد واحتماله راجح، إلا أنّ المبلغ يصعب التنبؤ به.

وهذا يعني أنه في أفضل الأحوال أن قضية الديون لن تنتهي، وإن الإعفاء لن يكتمل قبل ثلاث سنوات من الالتزام بالبرامج المتفق عليها مع صندوق النقد. وبافتراض مواصلة التنفيذ بما يرضي الصندوق والبنك، وتوفر الموارد الكافية لتمويل عملية الإعفاء من قِبل المانحين وموافقة الدائنين من خارج نادي باريس وأصحاب الدَّين التجاري وعدم حدوث زلازل سياسية معرقلة في السودان تُصاحب تردي الأحوال المعيشية.

أخيراً، من المهم ملاحظة أن الاندماج في مبادرة الهيبك وتخفيف عبء الديون المُرتبط بها لا يستدعي أي عبقرية خاصة، فهو أبسط ما يكون. ما على حكومة البلد المعنية إلا أن توافق على وتنفذ برنامج يصممه صندوق النقد الدولي وتصبر عليه ليتم إعفاؤها. وقد نجحت (37) دولة في الحصول على إعفاء تحت مبادرة الهيبك، رغم أن الكثير منها يرزح تحت حكومات ديكتاتورية أو هي دول فاشلة أو ممزّقة بالحروب مثل الصومال وأفغانستان وتشاد ويوغندا وليبيريا وملاوي وموريتانيا وغيرها. ومن ضمن الـ(39) دولة التي تنطبق عليها شروط المبادرة ويمكنها الانضمام لها. استفادت (37) دولة ولم يتبق غير السودان وإريتريا كما ذكرنا. لذلك فإن البيع الزائد لملف الديون كإنجاز خاص لا تسنده شواهد، إذ أن الإعفاء حصلت عليه (37) دولة منكوبة، كما أنه يأتي بشروط برنامج اقتصادي يتطابق مع برامج الصندوق التي حاول تطبيقها النظام السابق ورفضتها وأدانتها أحزاب التحالف الحاكم حالياً لشدة وقعها على تكاليف وشروط معيشة المواطن البسيط. ولا يختلف بيع ملف الديون عن البيع الزائد لعودة السودان لحضن المجتمع الدولي كإنجاز مميز، إذ أن تلك العودة تحققت مباشرة مع سقوط النظام السابق. فالحصار الذي عانى منه السودان فقد كل مبرراته السياسية والأخلاقية مع ذهب النظام، إلا إذا كان المقصود بالعقوبات هو الشعب وليس نظام الإنقاذ.

من حق النظام الحاكم، الدفاع عن خياراته السياساتية والترويج لها إعلامياً، لكن دون مبالغة وتطفيف. ونسارع إلى التأكيد بأن الهدف من وضع كل ما تم إنجازه، سواء أن كان سلباً أم إيجاباً، في حجمه الطبيعي ليس بهدف التثبيط، بل يأتي كمطالبة بزيادة الإنجازات الحقيقية والتعفف عن مراكمة أي رصيد إلا بعد استحقاقه، إذ أن ادعاء انتصارات سهلة أو متخيلة مدعاة للكسل عن الإنجاز الحقيقي، وهذا ما قصده أميلكار كابرال حين قال “لا تكذب ولا تدّعي انتصارات سهلة”.

أضف إلى ذلك، أن الأجيال الشابة تستحق معرفة طبيعة عمل الاقتصاد العالمي كما هي وبدون رتوش ولا مبالغات ولا تضليل حتى تحصل على معرفة موثوقة تساعدها على بلورة خياراتها المستقبلية في قضايا حاسمة الأهمية وحتى تكتسب المهارات اللازمة لإدارة دفة مصالحها في بحور الاقتصاد العالمي القاسية. ولا جدال في أن البلد قد دفع ثمناً غالياً لجهل صانع القرار الغشيم وعدم إلمامه بحقيقة شروط الاقتصاد العالمي مما جعله فريسة سهلة لأي سردية من الخارج تضع مصالحه قبل مصلحة الوطن، ولكنها تأتي مُغلّفة بلغة مساعدة السودان على النهوض والتعافي.

بقلم: معتصم الأقرع



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: