حوارات حول الأفكار.. خطل الأحزاب و السياسة


د. حيدر معتصم

 تُنْشَأ الأحزاب السياسية أصلاً بغرض تحقيق إدارة التنوع والتعدد في  الفكر و الرأي في القضايا و المهام الإستراتيجية المختلفة بما يخدم أهداف بناء الدولة و حراسة الوطن و يحقق مصالحه العليا ويحفظ كرامة الشعب و يصون هويته و وحدته تحت مظلة عقد إجتماعي مشترك يتسق مع قيم النسيج الاجتماعي الجمعي للشعب فيما يعرف بالقيم أو الثوابت الوطنية العليا التي يعتبر تجاوزها في أي دولة محترمة نوع من أنواع الخيانة العظمى التي تستوجب العقاب الصارم على مستوى الدولة و تستوجب تأنيب الضمير و طلب التوبة و الغفران على المستوى الفردي و بمقارنة هذه المفاهيم مع ما يحدث من أحداث و ممارسات بإسم الأحزاب و السياسة في السودان بعد المشرقين منذ بواكيرها الأولى فيما قبل الإستقلال و هو في حقيقته عبارة عن صراعات عشائرية وجهوية وطائفية و أيدلوجية لا تمت للسياسة بصلة و كثيراً ما وصفنا و عَرَّفْنَا تلك التكتلات بوصف الأحزاب السياسية و هي ابعد ما تكون من ذلك الوصف و التعريف من حيث الممارسة و التكوين البينيوي و الحفاظ على القيم و المثل الأساسية لبناء الدولة و هي في حقيقتها  منذ تكوينها الأول بعد تأسيس مؤتمر الخريجين 1938 عبارة عن مجموعات أو تكتلات تمارس العراك و الخصام و الكراهية و العنصرية تحت لافتات و رايات سياسية و كثيراً ما تخدم تلك الممارسات مصالح خارجية بالوكالة بوعي كامل أو بدون وعي خصما على الأجندات القومية و فكر الأصالة الوطنية دفاعاً و تعصباً لمصالح تلك القوي الخارجية الإقليمية و الدولية التي تتصارع على موارد السودان و مقدراته، و حتى لا ننخدع فإن الحقيقة الماثلة التي ينبغي أن نعيها جيداً هي أن الخارج الإقليمي و الدولي ليس مع الثورة و لا ضدها وليس مع الإنقاذ و لا ضدها و ليس مع حمدوك و لا ضد الكيزان و قس على ذلك أحداث الإستقلال و نوفمبر و أكتوبر و مايو و أبريل و غيرها من الشهور الشاهدة على كثير من الأحداث و المواقف حتى فيما قبل الإستقلال فإن ذلك الخارج ليس مع أحد و لا ضد أحد كما نعتقد في السودان و إنما هو دوما مع مصالحه الدائمة التي هي البوصلة التي تحدد موقفه من النظام في السودان أو أي نظام آخر حول العالم  لأن الممارسة السياسية عنده لها ضوابط على المستوى الوطني أو الخارجي و معايير  إقتصادية و سياسية و إجتماعية و ثقافية و أمنية مختلفة عما هو سائد عندنا و معروفة تاريخيا و دوليا تقاس بها درجة قرب الأحزاب أو بعدها من ممارسة ما يسمى فلسفيا بالسياسة أو ما يسمى بالإنتماء الوطني وفقاً للمعايير الدولية و لذلك فإن الأحزاب الحقة المرتبطة بالضمير الوطني لا تقف سياسيا مع حليف خارجي ضد شريك وطني و أحزابنا تفعل و تلك في الأعراف السياسية الدولية تسمي خيانه و الأحزاب في فلسفة المناهج السياسية تقف على مسافة واحدة من الإنجاز الإقتصادي الوطني و تدعمه و تفرح به و أحزابنا لا تفعل و تقف على مسافة واحدة من قضايا الأمن الوطني و لا تتناصر على بعضها البعض بحليف أجنبي و أحزابنا تفعل و تعتذ بتاريخها و عقيدتها و موروثاتها الثقافية و مكوناتها الحضارية و أحزابنا لا تفعل و تعرف جيداً التمييز بين تقاطعات مصالحها الوطنية مع  مصالح الأجنبي فيما يعرف بالثوابت الوطنية أو الهوية القومية و أحزابنا لا تفعل و كل هذه القيم في حقيقة الأمر  تفتقدها و تفتقر إليها ما تسمى مجازاً بالأحزاب من خلال ممارساتها اللا سياسية في السودان و التي دوماً تتخاصم و تتصارع و تتقاسم و تقسم حتى الإحساس الوطني في الشعر و الغناء و غيرها من مجالات الإبداع و الفنون المختلفة.
ختاما فإن قراءة التاريخ و نقده ببصر و بصيرة لعِبَرْ تنير الطريق بمصابيح الفكر التقدمي الذي يعلى من قامة الوطن و الإنحناء لمطلوباته ليس تنازلا بل واجباً حتمياً على جميع الفرقاء و حتما فإن التاريخ سيحفظ ذلك بأحرف من نور إن إستطاع هذا الجيل من السياسيين أن يحدث إنعطافة إيجابية على الطريق الصحيح بإخضاع تلك الأيدلوجيات و الطوائف و العشائر و الجهات إلى تغيرات فكرية و بنيوية بمنظور وطني خالص يتسق مع موروثاتنا الثقافية و مكوناتنا الحضارية و لابد أن نعي أيضا بأننا في ظل التكتلات التاريخية الممتدة إلى الآن و الإصرار على السير على نفس الطريق القديم لايمكن أن نحرز تقدما و لا يمكن أن نحقق أهدافنا الكلية في حراسة الوطن و بناء الدولة، و بدلاً عن تلك التكتلات وما صاحبتها من مرارات ممتدة و حواجز من الدم و التي لو إفترضنا جدلا بأنها أحداث وثورات سياسية فإننا في هذه اللحظة التاريخية  الحرجة من عمر السودان أحوج ما نكون لإحداث ثورة إجتماعية يقودها المجتمع تعمل على إعادة تأسيس و إستقامة الأحزاب نفسها بدلاً عن ثورة أو ثورات سياسية جماهيرية شعبية أو عسكرية لم تستطع حتى الآن أن تقدم الحد الأدنى لمايحقق الإستقرار السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و الأمني في السودان…. نواصل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق