مزمل ابو القاسم يكتب:احتجاب قسري


* بالأمس احتجبت صحيفة (اليوم التالي) عن الصدور، وتم منع توزيعها (بعد طباعتها) بقرار من جهاز الأمن والمخابرات الوطني.
* حاولنا أن نستجلي مسببات القرار ليلاً، واجتهدنا لتلافي الاحتجاب ولم نفلح، فامتثلنا له مكرهين.
* بالأمس تلقينا توضيحاً من إدارة الإعلام بالجهاز، مفاده أن (حظر التوزيع) تم بسبب إقدام الصحيفة على محاورة ياسر عرمان وجبريل إبراهيم، وإخراج ونشر الحوارين (بصورة تلميعية لهما)، وأن ذلك يعد أمراً غير مقبول عند الجهاز، الذي يرى أن مثل تلك الحوارات غير مبررة، حتى ولو حوت بعض النقاط الإيجابية.
* نقول بدءاً إن (اليوم التالي) لم تحاور عرمان وجبريل إلا بعد أن شرعت الحكومة في محاورة الحركات المسلحة، ولم يكن هناك تلميع لهما، لأن الحوارين تم إخراجهما بذات النهج المتبع في إخراج كل حوارات الصحيفة.
* التقطت الصحيفة قفاز المبادرة من الحكومة نفسها، وسعت إلى توسيع آفاق الحوار، ونجحت في انتزاع إفادات إيجابية من المحاوَرين، بدليل أن جبريل إبراهيم أعلن في حواره مع الصحيفة قبوله لحوار الداخل، وفق اشتراطات يرى أنها موضوعية ولازمة لإكمال العملية التفاوضية وإرساء أسس الحل السلمي.
* لم تحاور الصحيفة بعض أهم المستهدفين بعملية الحوار الوطني إلا بعد أن أشركتهم الحكومة في الحوار فعلياً، وأقرت المخرجات التي توصلت إليها آلية (7+6) معهم، ومنحت الرئيس ثامبو إمبيكي تأكيدات كاملة بجديتها في الحوار، واجتهدت لتهيئة الأجواء له بإعلان تعزيز الحريات العامة، وضمان حرية الإعلام، وأطلقت سراح مريم الصادق المهدي وإبراهيم الشيخ.
* التأكيدات المتعلقة بتعزيز حرية الإعلام صدرت من الرئيس شخصياً عبر ملتقى المائدة المستديرة الشهير، وتم التأكيد عليها مؤخراً بتصريحات أصدرها نائب الرئيس، الأستاذ حسبو محمد عبد الرحمن، الذي أعلن على الملأ رفع كل أشكال الرقابة القبلية على الصحف.
* نتساءل: ألا تعد مصادرة صحيفة بعد طبعها شكلاً من أشكال الرقابة القبلية على الصحف؟
* كيف يمكن للحوار أن يبلغ تمامه ويحقق مراده ما لم تفتح نوافذه، وتتعدد منابره، وتشارك الصحافة فيه، لتثبت أركانه، وتستجلي مكنونات صدور المشاركين فيه؟
* كيف سيصدق المستهدفون بالحوار أن الحكومة جادة في محاورتهم وساعية إلى الاتفاق معهم، وهي تصادر الصحف حال إقدامها على نشر آرائهم؟
* إما أن يكون الحوار هدفاً استراتيجياً للسلطة، وتشارك فيه كل مكونات الدولة بما فيها السلطة الرابعة، تلبيةً للدعوة الرئاسية المتعلقة بتعزيز أسس الحوار المجتمعي، وإما أن يصبح الاقتراب من أي معارضٍ يتحدى الحكومة رجساً من عمل الشيطان، فتتجنبه السلطة قبل غيرها.
* قبلنا القرار المؤلم، ونتساءل عن الكيفية التي سيتم بها تصحيح شكل العلاقة المشوهة التي تربط السلطة بالإعلام حالياً، وكيفية تجاوز الأساليب غير الكريمة التي تعاقب بها الصحف، وعلى رأسها أسلوب المصادرة الذي ينتهك الدستور، ولا يتسق مع القوانين المنظمة للنشر في السودان، علاوةً على أنه يجافي أصول الدين، لأنه يحوي إصراراً على إلحاق الضرر المادي بالناشرين، وينتهك مبدأ (لا ضرر ولا ضرار) الذي أقره أفضل الخلق، المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
* تُسبب مصادرة الصحف بعد طباعتها أضراراً بالغة للناشرين، علاوةً على أنها تلحق الضرر بجهات لا علاقة لها بأصل المخالفة، مثل المعلنين والموزعين وغيرهم.
* تمثل الصحافة جزءاً مهماً من مكونات أي دولة متحضرة، وتشكل سلطة رابعة توازي السلطة التنفيذية، أو هكذا ينبغي أن يكون حالها، كما أن علاقة الحكومة بالصحافة تحكمها قوانين، فهل هناك قانون يجيز المصادرة والعقاب بأثر رجعي؟
* لو تمعن مصدرو القرار في الحوارين لأدركوا أن المحاوَريْن تحدثا بموضوعية وإيجابية وأعلنا قبولهما لحوار الداخل، كما أن الصحيفة لم تنشر أي كلمة تحوي تحدياً للسلطة، علاوةً على أن النشر تم عقب تأكيدات من قيادات الدولة بضمان حرية الإعلام.
* ختاماً نتساءل: كيف تتحدث السلطة عن حرية الإعلام، وتؤكد رغبتها في ترسيخ مبدأ (الحوار) ثم تصادر صحيفة بسبب (حوار)؟

مزمل ابو القاسم

صحيفة اليوم التالي



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: