هل قطعت صفقة إدارة بايدن بشأن تقراي الطريق على الخرطوم والقاهرة؟! السد.. ثم ماذا بعد؟ فات أوان المفاوضات الفنية، حان وقت الجيواستراتيجية (1-2)


(1)
وأخيراً بلغت جهود السودان ومصر منتهاها بالوصول بقضية سد النهضة مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي الخميس الماضي، كانت المرة الأولى في يونيو من العام 2020، ومرة أخرى بعد أن استمع المجلس إلى الإحاطات التي قدمتها الدول الثلاث، وبيانات الدول الأعضاء في المجلس، إضافة إلى القائم بأعمال جمهورية الكنغو الديمقراطية، التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، ومع كل الزخم الذي رافق الحدث الذي عوّلت عليه الخرطوم والقاهرة كثيراً، فإنه لم يصدر بعد، حتى كتابة هذه السطور بعد مرور أسبوع على الجلسة، أي موقف رسمي للمجلس بشأن مشروع القرار المقدم من تونس، الدولة العربية الوحيدة ذات العضوية في دورة المجلس الحالياً، سواء كان قراراً أو بياناً رئاسياً أو حتى بياناً صحفياً، نحو ما جرت به أعرافه، ولحين صدور موقف فإنه الوجهة المحسومة لهذا الموقف تشير إلى شبه إجماع بإعادة الملف مجدداً إلى الاتحاد الإفريقي، كما حدث تماماً في المرة السابقة، لمواصلة قيادة التفاوض بين الأطراف المعنية، مع حثها العواصم الثلاث لاستئناف التفاوض.
(2)
بطبيعة الحال ليست هناك أية مفاجأة فيما خلصت إليه خطوة الذهاب إلى مجلس الأمن بشأن نزاع السد، فقد كانت النتيجة التي انتهى إليها في حكم المعلوم بالضرورة من سياق المواقف المعلنة مسبقاً على الأقل بالنسبة للعواصم الكبرى صاحبة القرار الدولي، ودون الدخول في كثير من التفاصيل لتفسير هذا الموقف، فإن رمي الكرة في ملعب الاتحاد الإفريقي بدا لها الخيار الأقل كلفة في ظل المعطيات الراهنة، وأهمها توازن لعبة المصالح بين الدول الكبرى، مع استبعادها لاحتمال تطور النزاع وتحوله إلى مهدّد جدي للسلم والأمن الدوليين انطلاقاً من هذه المنطقة، على الرغم من موقعها الاستراتيجي الحيوي، وهو ما يتيح مساحة لتوظيف المساعي الدبلوماسية لتوظيف المساعي الدبلوماسية إلى أبعد مدى، وحصر الملف في إطاره القاري، ومحاولة إرسال رسائل تخاطب مشاغل كل واحدة من الدول الثلاث دون أن يترتب على ذلك موقف حاسم يغيّر من مجرى التوازنات الحالية التي فرضتها إثيوبيا على مصر والسودان بالاستمرار في سياسة الأفعال الحادية وفرض الأمر الواقع، وهي تكرر للمرة الثانية خطوة الملء من جانب واحد دون اتفاق، ودون أن تتعرض لأي تحرك جدي يوقف هيمنتها، لا دولياً، ولا قارياً، وهو ما يرشح مواصلة إثيوبيا التمسك بهذه الاستراتيجية إلى نهاية الطريق، ما لم تتغير قواعد اللعبة الحالية.
(3)
أما ثالثة الأثافي في هذه الفانتازيا السياسية في عالم العلاقات الدولية المعقدة والمكبلة بلعبة المصالح، فهو موقف الاتحاد الإفريقي المثير للحيرة إن لم نقل السخرية، فالمنظمة القارية العتيقة التي تتبنى شعاراً فضفاضاً بلا معنى ولا قيمة حقيقية حلول إفريقية لمشاكل إفريقية ، وهو الذي لم يُعرف له يوم واحد إنجازا ذا قيمة في هذا الخصوص، اللهم إلا ما يلعبه أحياناً بالوكالة من وراء ستار لخدمة أجندة عواصم القرار الكبرى، فموقفه إزاء قضية السد مثير للرثاء حقاً، ولندلل على ذلك من واقع التطورات الأخيرة عندما طرحت القضية على مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي، فقد كان الظن أنها مناسبة سانحة، لا سيما وقد كانت كل الإرهاصات تشير إلى أن المجتمع الدولي سيعيد تجديد الثقة في الاتحاد الإفريقي لقيادة التفاوض بشأن سد النهضة، تأكيداً لقراره العام الماضي بإعادة القضية إلى ملعبه، كانت مناسبة لأن يظهر الاتحاد الإفريقي اهتمامه الفائق بهذه الثقة الدولية ، وأن يحتفي بها بتأكيد رغبته واستعداده وقدرته على القيام بهذا الدور في تسوية النزاع والإسهام في حل مهدّد محتمل للسلم والأمن الدوليين.
(4)
بيد أن المفارقة أن هذ الحدث المهم مرّ وكأن قيادة الاتحاد الإفريقي لم تسمع أصلاً بنبأ مداولات مجلس الأمن حول قضية هي من صميم تفويضه وصلاحياته، وكأنها كانت تريد من حيث لا تدري تأكيد صحة المقترح السوداني المعزّز مصرياً قبل بضعة أشهر بتدويل ملف التفاوض عبر الرباعية ، والتي كانت انعكاساً لتقاعس المنظمة الإفريقية عن القيام بمسؤولياتها وواجبها، ومحاولة لتجاوز التباطؤ، وربا التواطؤ، فالرئيس الكنغولي شيكسيدي، الرئيس الدوري للاتحاد والذي يقود الوساطة النائمة لم يجد في مداولات مجلس الأمن ما يستحق إرسال مبعوث رفيع يمثله، تاركاً الأمر للقائم بأعمال المندوب الدائم لدولته، وهو تصرف ينّم عن استخفاف، أو سوء تقدير لعواقب وتبعات المهمة الموكلة إليهم. وبالطبع لم يشارك ممثل للمفوضية الإفريقية، التي تشكو هي الأخرى لعزلتها عن هذا الملف. والأدهى والأمر أنه لم يصدر حتى مجرد بيان رسمي، أو تصريح صحفي حتى اللحظة من أي من قادة الاتحاد الإفريقي سواء على مستوى المكتب الدائم أو على مستوى المفوضية تعليقاً على مداولات مجلس الأمن الدولي بشأن قضية السد، وكأن الامر لا يعنيها من قريب أو بعيد.

خالد التيجاني النور
صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: