على  هامش أحداث تونس.. ما بين الترابي والغنوشي ومرسي والبشير..  تلاقي وتقاطعات !!


الخرطوم: أحمد طه صديق

مشهد أول

في مساء  ديسمبر 1999  تحركت  قوة عسكرية مدججة بالسلاح إلى مبنى البرلمان ( المجلس الوطني )، وفي الصباح كان الرئيس المخلوع يصدر بياناً أعلن فيه حل البرلمان وقال  إن القرارات جاءت لإعادة هيبة الدولة التي أضعفتها الهيئة القيادية للمؤتمر الوطني، وأشار إلى أنه ضد النظام الأساسي للمؤتمر الوطني لأنه يضع السلطة في يد الهيئة القيادية متناسين أن هناك حكومة ورئيساً وقال إنه ليس لديه خلاف مع قواعد المؤتمر الوطني بل مع المؤسسات الفوقية التي جاءت بطرق يعلمها الجميع وقال إن هناك استهدافاً واضحاً لهز سلطة الدولة وإسقاطها وأن ذلك انعكس في العصيان والرفض لتوجيهاته وقراراته التي يصدرها بشأن دفع مرتبات المعلمين وإزالة نقاط التحصيل عبر الولايات من قبل بعض الولاة، وكذلك رفض المجلس الوطني لطلباته وخطاباته وقال انه لا يمكن لبلد مثل السودان ان يدار برئيسين وأشار الى أن الترابي أعلن صراحة لطلبه ورفضه مناقشة التعديلات الدستورية بالمجلس الوطني الذي يجعل الرئيس منسقاً بين الجهازين التنفيذي والتشريعي ،

مشهد ثاني

  وعلى أثر إصدار قرارات البشير عقد   حسن الترابي رئيس المجلس الوطني والأمين العام للمؤتمر الوطني   مؤتمراً صحفياً في مقر المؤتمر الوطني بالخرطوم وصف فيه قرارات الرئيس التي أعلن فيها إعلان الطوارئ وحل المجلس الوطني بأنه انقلاب وخرق للقانون الحكم الاتحادي وغدر بالمؤسسة السياسية وقال ( ان الرئيس ابتدع له سلطة أن يخلع الولاة ويعينهم وهم ولاة منتخبون من الشعب حتى هذه اللحظة وهذا يعني ان الحريات ستضيع لأن حالة الطوارئ حالة اعتقالات ومصادرات والطوارئ بحسب الدستور لا تجاز إلا بموافقة المجلس الوطني الذي أصبح ضحية لها الآن )، كما وصف الحدث بأنه حرب ضد الإسلام ، وفي  الخامس من رمضان  توجه د. الترابي إلى المجلس الوطني بيد أنه منع من الدخول ، بينما عقد مجلس الوزراء في ذات اليوم جلسة أيد فيها قرارات الرئيس.

مشهد ثالث

في الخامس والعشرين من هذا الشهر أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد  حل البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه وإعلان حالة الطورائ في البلاد، وقال إنه سيعين رئيس وزراء بنفسه وسيشرف على الجهاز التنفيذي إنه استند في قراراته إلى الفصل 80 من الدستور، الذي يسمح بهذا النوع من التدابير، في حالة الخطر الداهم.

وأشار سعيد إلى أنه قرر عملا بأحكام الدستور، اتخاذ تدابير يقتضيها الوضع، لإنقاذ تونس، ولإنقاذ الدولة التونسية ولإنقاذ المجتمع التونسي. مشددا على أن ما قام به ليس تعليقا للدستور، وليس خروجا عن الشرعية الدستورية.

المشهد الرابع

ووصل رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي إلى مبنى البرلمان في الساعات الأولى من صباح   26 يوليو الماضي حيث قال إنه سيدعو إلى جلسة للرئيس لكن قوات من الجيش المتمركزة خارج المبنى منعت الغنوشي، المنفي السياسي السابق البالغ من العمر 80 عاما، من الدخول  للبرلمان.

وأعلن خارج المبنى  أنه يعترض على جمع كل السلطات في يد شخص واحد. وقال إن المؤسسة التشريعية لا تزال قائمة وكل إعلان يخالف ذلك باطل. ودعا في وقت سابق التونسيين للنزول إلى الشوارع كما فعلوا يوم الثورة في 2011 للاعتراض على هذه الخطوة.

المشهد الخامس

في ديسمبر 2012 دفع البرلمان المصري مسودة تعديلات للرئيس المصري آنذاك محمد مرسي لإجازتها الذي يمثل حكومة الإخوان المسلمون في مصر وحوت التعديلات  على أن كل القوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن ضدها ، ولا يجوز إيقافها من قبل أي جهة قضائية كما منعت الجهات القضائية حق حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية.

وأعطى الإعلان الدستوري الرئيس مرسي اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير اللازمة لحماية البلاد وحماية أهداف الثورة ، وسرعان ما لاقت التعديلات معارضة شرسة من القوى السياسية ووصفها بعضهم بأنها تكرس لفرعون جديد ثم تفاقمت الأوضاع حتى اطيح بالرئيس مرسي بانقلاب عسكري قاده الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي الذي اعتبر الخطوة ضرورية ولا تمثل انقلاباً على الدستور.

أوجه التباين والتلاقي

يلاحظ من هذا الرصد المختصر ان ثمة تلاقيا وتقاطعات قليلة ما بين تلك الأحداث التي شهدتها تلك البلدان العربية ، ففي حين أن راشد الغنوشي رئيس البرلمان في تونس يمثل تيار حركة الاخوان المسلمين وأطاح به رئيس الجمهورية قيس سعيد، نجد أن الرئيس المخلوع البشير قد اطاح برئيس البرلمان حسن الترابي الزعيم الكاريزمي للحركة الاسلامية في السودان ومنعه من دخول البرلمان وهو ما فعله أيضاً الرئيس التونسي بعد عقدين من الزمان مع رئيس البرلمان الغنوشي وكلا الرئيسين استخدما سلاح القوة العسكرية والأمنية واعتبرا ان ما قاما به لا يخالف الدستور. أما أوجه الاختلاف ان الترابي كان مخطط انقلاب الحركة الاسلامية التي جاءت بالبشير منقلباً على الدستور والحكم الديمقراطي .

في حين أن الغنوشي جاء بانتخابات بعد ثورة تونس الشعبية  بيد أن جماعته حاولت تدجين الآراء المعارضة داخل البرلمان حتى باستخدام الضرب والسباب لكل مخالفي الرأي حتى انهم قاموا بضرب عضوة برلمانية من التيار اللبرالي علاوة على فشل حكومتهم بإحداث التحول التنموي والديمقراطي .

وإذا كان الترابي حاول تعديل الدستور لبسط سيطرته التامة على مقاليد البلاد، فإن الرئيس محمد مرسي التابع للاحوان المسلمين حاول أيضاً تعديل الدستور وتكريس كل مقاليد الأمور في يديه .

كذلك نجد أن الرئيس المصري السيسي استفاد من أخطاء الاسلاميين وعدم القبول الاجتماعي لهم خوفاً من سياساتهم المتطرفة والمتعسفة الأمر الذي سهل عليه الانقضاض على السلطة ، أيضاً فإن الرئيس التونسي استثمر حماقات البرلمانين الاسلاميين وفشل سياسة وزارئهم في الحكومة فقام باتخاذ تلك الاجراءات الاستثنائية التي يخشى المراقبون أن تكون مدعاة لتكريس حكم أحادي جديد .

دروس وعبر

إن كانت ثمة دروس وعبر في الفترة الانتقالية الحالية بعد ثورة ديسمبر المجيدة من كل تلك الأحداث فهي بالضرورة تتعلق بأهمية الحفاظ على التحول الديمقراطي والبعد عن كل الخطوات الاستثنائية التي من شأنها ان تكبل الحريات وتعرقل المسار الآمن للبلاد لتحقيق أهداف الثورة وإحداث التغيير الإيجابي المنشود .

كما لابد من تقوية الأذرع المدنية حتى تتجاوز أي مطبات ومتاريس مفتعلة تقطع الطريق على المغامرين أو أصحاب المسار الاستبدادي الناعم .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: