صحيفة المجهر السياسي السودانية – الشيخ الدكتور عبدالحي يوسف ينعى المهندس بشير حسن بشير


د. عبد الحي يوسف / ينعي المهندس بشير حسن بشير.
19/ذي الحجة/ 1442

(اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) مقولة حق من خير من عمل بها في زماننا المهندس بشير حسن بشير؛ حيث أصيب بالداء العضال والمرض الخطير منذ ثلاثين سنة أو تزيد، وهو مرض الموت المخوف كما يسميه الفقهاء، وكثير من الناس إذا سمع بهذا المرض انقطعت به السبل وأظلمت الدنيا في عينيه، ولم ير للأمل وجها، سوى أخينا بشير حسن بشير؛ فإنه كان جبلاً أشم في صلابة إرادته ومضاء عزيمته وقوة شكيمته؛ فلم يركن للمرض وما استكان، بل أخذ بالأسباب الشرعية في طلب العلاج والتماس الدواء؛ وشرَّق وغرَّب امتثالاً للبشارة النبوية (ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله، إلا داء واحداً هو الموت) وخلال ذلك كله ما غادرت الابتسامة محياه، ولا فارق التفاؤل نفسه، فكان يُدخِل على المجلس الذي يحل به ألقاً وجمالا وحيوية وبهاء.

مذ عرفته وهو سقيم قد هدَّه المرض، لكنه ما قعد عن العمل لحظة؛ كأنه يطبق الحديث النبوي (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) فأقام المشروعات وأنشأ المصانع وفتح أبواباً للشباب ليأكل أحدهم من كدِّ يمينه وعرق جبينه، وكان في ذلك قدوة حسنة لهم؛ حيث كان ممن تخرجوا في جامعة الخرطوم أوائل سبعينيات القرن الماضي، ثم عمل في بعض شركات القطاع الخاص حيناً من الدهر، ولم يلبث فيه إلا قليلاً حتى اختط لنفسه طريقاً؛ فكان رجل أعمال بحق لا يعيش على المشروعات الطفيلية، وما سلك الطرق التقليدية للكسب مما تعارف عليه أبناء جيله؛ فلم نعرف عن بشير أنه طرق أبواب الاغتراب أو سعى إليه، بل كان يحرث الأرض بهمته ويحفر الصخر بأظفاره، عاملاً بقول ربه {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}

سيرة بشير ترى فيها مصداق تعاليم الإسلام في كثير من جوانب حياته؛ فقد كان رحمه الله ممن امتثلوا الهدي القرآني في قول ربنا سبحانه وتعالى {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض} فكانت هذه الوصايا الأربعة هي نبراس حياته:
1/ {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} فكان رحمه الله من أهل القيام بالليل – كما حدَّثني ولده البارُّ ياسر – سلَّطه الله على هلكة ماله في الحق؛ فلا تراه إلا منفقاً متصدقاً، حاجاً معتمرا، يقضي أياماً طويلة من عامه متنقلاً بين الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وهو مع ذلك يكفل الأيتام ويرعى المساكين ويتبرع في وجوه الخير ويُدخل السرور على المسلمين، وبيته مفتوح بالليل والنهار لا يغلق في وجه سائل أو طالب معونة
2/ {ولا تنس نصيبك من الدنيا} فكان متوازناً معتدلاً بين العمل لآخرته والاستمتاع بدنياه، طيِّب الطعمة حسن الملبس أنيق المسكن؛ لا يبخل على نفسه ولا على عياله في شيء من متاع الدنيا الحلال
3/ {وأحسن كما أحسن الله إليك} فما غرَّته الدنيا ولا خدعه زخرفها؛ ما عهدنا منه كبْراً ولا أشَراً ولا بَطَرا، بل كان محسناً في قوله وفعله، هاشاً باشاً، عطوفاً على المساكين؛ معظِّماً حرمة الدين، ثابتاً رابط الجأش في مواجهة العواصف والأعاصير؛ لا يلتفت لقول حاسد ولا بغض شانئ، وقد وسع أهلَه بحلمه وطيب نفسه
4/ {ولا تبغ الفساد في الأرض} فإن كثيراً من أهل الثراء ممن بسط الله لهم أسباب الخير يسعون إلى الشهرة، حتى لو كان ذلك بدعم بعض وجوه الفساد، لا يبالون بحلٍّ ولا حُرمة، أما بشير رحمه الله فما عهده الناس إلا سباقاً إلى الخيرات مسارعاً في القربات، وهو أبعدهم عن أبواب الريبة ومواطن الفساد

حسنته العظيمة – إخالها – في صبره على المرض وجلده في تحمل آلامه؛ فما رأيته قط – على كثرة زيارتي له – متبرّماً أو ساخطا، بل كان كثير الحمد لله والثناء عليه، ولا غرو فهو الرجل القرآني قوّام الليل؛ حيث أنزل الله سكينته عليه؛ فواجه المرض بصبر المؤمنين وبصيرة المحسنين، وما كان يتهيب الحديث عن الموت، بل كان كثير الذكر له، وقد أوصى رحمه الله تعالى بأن يُدفن حيث يموت

وبعد، فهذه كلمات أكتبها في رثاء المهندس بشير الذي نعاه إليَّ ولده ياسر صبيحة هذا اليوم، في شهر الله الحرام، وظني أنه – بإذن الله – ممن قال فيهم نبينا عليه الصلاة والسلام (من يرد الله به خيراً يصب منه) وأن الموت راحة له؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام (تحفة المؤمن الموت) وقال (إن العبد المؤمن إذا مات استراح من نصب الدنيا وكدِّها)
أسأل الله عز وجل أن يتغمده برحمته، وأن يسكنه فسيح جنته، وأن يرفع مقامه في عليين، وأن يجعله من أصحاب اليمين، وأن يكرمه بشفاعة خير النبيين، وأن يجعل مرضه كفارة وأجراً وطهورا، وألا يريه مكروهاً بعدنا، وألا يرينا مكروهاً بعده
والعزاء لأهله وأولاده وأرحامه ومحبيه، وعزاء خاص لأهلنا في (ود النعيم) ولصهره الكريم أستاذنا بروفسور عباس محجوب، والحمد لله رب العالمين،،،



مصدر الخبر موقع صحيفة المجهر

أضف تعليق