الغواصات داخل الأحزاب السياسية – الانتباهة أون لاين


الخرطوم: أحمد طه صديق

 الجواسيس أو ما يعرف مجازاً في الساحة السياسية السودانية  بـ( الغواصة) أمر ظل مثيرا لقلق التيارات السياسية المختلفة سيما ذات الطابع الإيدولوجي لأنها الأكثر استهدافاً من غيرها لأنها تميل للعمل السري وهو ما يدفع أجهزة الأمن من محاولة اختراقها بواسطة ( الغواصات)
وعبر هذه المساحة نقدم رصداً لبعض نماذج الاختراق التجسسي من قبل غواصات تم زرعهم داخل أحزاب إما بواسطة السلطات الأمنية للحكومات أو من قبل أحزاب منافسة لها .
غواصة الشيوعي
كشف الحزب الشيوعي في فبراير 2016  أنه وضع يده على الغواصة داخل الحزب الذي تمكن من اختراق النظام الداخلي للحزب، وأكد السكرتير السياسي للحزب لصحيفة (آخر لحظة) هذه الوقائع آنذاك وقال (إنهم قادرون على محاصرة المخترقين والتقليل من مخاطرهم).
كما روجت صحيفة (الصحافة) قبل سنوات عن نشر وقائع اجتماع المكتب السياسي للحزب الشيوعي (السري) بحضور قادته، وقالت الصحيفة إنها ستكشف عن ماذا قال قادة الحزب بصراحة عن بعضهم البعض، وقالت إن الاجتماع تحول إلى مشاجرة بالصوت العالي ( يا جبان .. يا كلب يا خائن) .
والمعروف ان الصحف عادة ما تنشر تسريبات مقتضبة في باب الأسرار عن اجتماعات الأحزاب أو الحركات المتمردة ، لكن بالطبع إن تسريبات بهذه الدقة من حزب عريق في مجال العمل السري مثل  الشيوعي يطرح عدة تساؤلات ، أولها إن الحزب لم يطور أساليبه التأمينية رغم معرفته بحجم الاختراقات الحزبية على الساحة السياسية والتمزق والتشظي الذي أصابها ، لكن بالطبع إن الاختراق ليس جديداً على الحزب الشيوعي فمنذ العهد المايوي تمكن جهاز الأمن آنذاك من عمل اختراق كبير في الحزب جعلت حتى من اجتماعات المكتب السياسي كتاباً مفتوحاً له ، بينما فشل الحزب الشيوعي آنذاك  في تحديد الغواصات الذين يقفون وراء عمليات التسريب ، أو ربما لم يكن يفطن لهذا الاختراق بالقدر المطلوب .
لكن ما يهمنا هنا العبارة التي وردت في ترويج الصحيفة عن الاشتباك اللفظي بين بعض اعضاء الحزب وتحديداً عبارة ( يا خائن ) فهل هناك شك حول ولاء شخصية محددة داخل المكتب السياسي وأن الحزب لم يحسم أمره بعد لتحديد صحة هذا الاتهام ؟ أما إذا صح هذا الاتهام حول الشخصية التي تم نعتها بالخيانة ، فهل يعني هذا أنها هي التي قامت بعملية التسريب حتى وصلت بهذه الدقة بطريقة ما إلى صحيفة (الصحافة) ؟ .
بيد أن اي تسريب يحوي الوقائع الكلامية مثل الاشتباك اللفظي قد تشير عادة إلى عملية غواصة داخل التنظيم ، لكن في أحيان أخرى ربما كانت نتاج عملية تنصت من جهة أمنية ،ولهذا فإن الجهاز التأميني في التيارات السياسية عادة في المنطقة العربية ما يعمد إلى إخفاء مكان الإجتماع سراً كما تتم عملية التبليغ شفاهة دون استخدام وسائط الاتصال تجنباً لأي عمليات تنصت محتملة ، وعندما يكتشف الحزب عمليات تسريب لوقائع اجتماعاته يلجأ لعملية تسريب محدد يختبر بها العناصر المشكوك في ولائها للحزب مثل مكان الاجتماع أو اخبار من الممكن أن تثير اهتمام الأجهزة الأمنية في الدولة المعنية .
غير أن المشكلة هي أن الغواصة عادة ما يتم تدريبه من الجهة المتعاملة معه وبالتالي فهو يمتلك خبرات أمنية قد لا تكون متوفرة حتى لكادر التأمين في الحزب المستهدف بالاختراق .
الأمر الذي يمكنه من أداء عمله دون أن يكتشف في الغالب إضافة إلى نجاحه في الخروج من المطبات التأمينية التي تضعها أجهزة التأمين في الحزب لاختباره أو الإيقاع به .
المعروف أن الحزب الشيوعي في وقت سابق أخرج أحد  عناصره البارزة بتهمة التجسس عليه .

غواصة حزب الأمة

وفي وقت سابق أوردت صحيفة (المجهر) أن القيادي بحزب الأمة (الأصل) إبراهيم الأمين قال إن حزبه مخترق في مواقع قيادية مفتاحية ، لكنه بالطبع لن يستطيع أن يسمي وظائفها القيادية.
بيد أن المعروف أن حزب الأمة في عهد النظام السابق تعرض لانشقاقات كبيرة أبرزها خروج القطب البارز مبارك الفاضل وتكوين حزب مواز والمعروف أن ليس كل الانشقاقنات الحزبية في السودان أو في المنطقة العربية ناتجة عن خلافات سياسية أو فكرية بل هي مفتعلة نتيجة استقطاب لرموز بارزة في الحزب وقد تكون تلك الرموز تمثل غواصات داخل الحزب كعين  لأجهزة السلطة الأمنية ولكن  تم استبدال أدوارها بأدوار أكبر عندما يبرز العضو الغواصة قدرات استثنائية من لعب أدوار أكبر مثل قدرته على تكوين تيار سياسي مواز لحزبه القديم .

غواصة حزب الإصلاح

 وإبان فترة النظام البائد أوردت صحيفة (الأخبار) السودانية أن القيادي بحركة الإصلاح صلاح حسن جمعة أقر بوجود غواصات داخل حزب حركة الإصلاح، وقال في تصريحات صحفية إنه تم تحديدهم وحصرهم في إطار محدود وستتخذ ضدهم الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب، بينما نفى أن يكون الاختراق شمل المكتب التنفيذي للحركة .

غواصة المؤتمر الشعبي

وكان المؤتمر الشعبي في العام  2015 قد اتهم المؤتمر الوطني بأنه يتجسس على اللقاءات التي يجريها الحزب، لكن الوطني نفى ، وقال إن الذين تبرعوا بإيصال المعلومات له هم عضوية الشعبي، وأشار الحزب إلى أن عضوية الوطني معروفون للشعبي ولن يستطيع أحد أن ينقل أية معلومات.
وقطعاً هذا الرد لن يقنع الشعبي وقتها باعتبار أن الأعضاء الذين سماهم المؤتمر الوطني بالتبرع بتقديم المعلومات لن يكون ذلك لمجرد السمر.

غواصة داخل الحركة الشعبية
وكان أحد قياديي حزب الاتحادي الديمقراطي  أشار  قبل عدة سنوات في حوار صحفي الى أنه دخل الحركة الشعبية بتوجيه من مولانا محمد عثمان الميرغني بغرض تحبيب الوحدة  للجنوبيين   .
في حين كان خصوم الحزب الاتحادي سيما الجبهة الاسلامية يتهمون القطب الاتحادي الراحل المحامي علي السيد  بأنه غواصة شيوعية داخل الحزب الاتحادي وأشاروا إلى أنه يحمل رقماً محدداً داخل الحزب الشيوعي ، بيد أن علي السيد نفى انتماءه للحزب الشيوعي لكنه اعترف بأنه يساري وأن الشيوعي حاول تجنيده في الجامعة لكنه لم يتم تجنيده معهم .

أنظمة تجسسية

بالطبع وإن كان نظام الجبهة الإسلامية المحلولة هي من أكثر الإنظمة التي مرت على السودان اهتماماً بأعمال التجسس على الأفراد والكيانات الاجتماعية المختلفة والتيارات السياسية وزرع الغواصات التجسسية داخلها، فإن النظام المايوي برئاسة جعفر نميري  الذي قفز إلى السلطة في العام 1969 على أنقاض حكومة ديمقراطية منتخبة برع أكثر من نظام الفريق عبود العسكري الذي أطاحت به ثورة أكتوبر الشعبية في العام 1964 وذلك في مجال اختراق الأحزاب السياسية بما فيها الأحزاب العقائدية التي تعتبر الأكثر تنظيماً من الأحزاب الطائفية وتمكنت أجهزة النظام الأمنية من اختراف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي واستطاعت ان تطلع على كل محاضر اجتماعات الحزب حتى التي كانت في ضواحي الخرطوم .
والمعروف ان فرملة عملية الاختراف الحزبي من قبل الأنظمة القابضة يعتبر أمراً مستحيلاً لما تملكه من امكانات مالية وتقنية لهذا الفعل ، وعادة يتم الاختراق منذ الميلاد الأول لتكوين الحزب الحديث النشأة ، كما يمكن أيضاً استقطاب عناصر داخل الحزب ،  وحتى إذا استطاع الحزب المخترق كشف عدد من الغوصات داخل صفوفه  فإن دخول آخرين لن يكون صعباً بالنسبة لتلك الأنظمة .
وفي الدول العربية برعت العديد من الأنظمة في تجنيد الغواصات داخل الأحزاب خاصة النظام المصري في عهدي عبد الناصر ومبارك وقطعاً السيسي أيضاً ، واستطاعت المخابرات المصرية في حقبة عبد الناصر ليس تحقيق النجاح فقط في عملية الاختراق، بل في عملية انشقاق أحزاب شيوعية تعمل في الظل وتكوين أجسام هلامية بديلاً لها لكنها كانت تعمل سراً بالطبع لأن القانون لم يكن يسمح بذلك حتى يبدو خلافها مع الحزب الأم حقيقيا وليس بدافع الاستقطاب السلطوي.
وفي الأردن أبدى النائب البرلماني آنذاك ناصر الفضالة إعجابه بحسب رأيه بتماسك قيادة حماس ونزاهتهم، وعدم قدرة أكبر أجهزة الاستخبارات في المنطقة على اختراقهم، رغم اختراق كافة الأنظمة العربية وجماعات الضغط والأحزاب السياسية في المنطقة.
وقال”الفضالة” -في تدوينة نشرها عبر صفحته الرسمية آنذاك على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، نقلا عن ضابط بالموساد الصهيوني-: استطعنا النفاذ إلى كافة القيادات العربية إلا قادة حماس، فهم لا يتخذون عشيقة ولا يحتسون الخمر.. فكيف يمكن الوصول إليهم؟
لكن مع ذلك تمكن حهاز الموساد الإسرائيلي بعد ذلك من تجنيد ابن أحد الزعماء البارزين في الحركة مما دعا والده للتبرؤ منه بعدما تم كشفه بواسطة الجهاز الأمني داخل الحركة   .

الغواصات داخل الأنظمة الديمقراطية

تعتبر الأنظمة الديمقراطية عامة هي الأقل استخداماً لزرع الجواسيس ( الغواصات) داخل التيارات السياسية، بينما تنتشر هذه الظاهرة المقيتة إبان الحقب الاستبدادية القابضة لأنها تحجب سبل المشاركة السياسية الإيجابية وتريد تكريس السلطات في يديها لكن هذا لا يمنع  من وجود  أحزاب سياسية تقوم  بزرع الغواصات داخل التيارات المنافسة لها من أجل كشف أوراقها للاستفادة منها في المنافسات الانتخابية

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: