((همس الحروف) .. في محطة وداع مبروكة المبروكة) – صحيفة الوطن الإلكترونية



☘️🌹☘️

✍️ الباقر عبد القيوم علي

النساءُ و خصوصاً الأمهات ، هن أكثر المخلوقات التي تحمل الرحمةً في قلوبهن و يقدرن قيمة الحياة تماماً وذلك لأنهن يشهدن الموت بأم أعينهن حينما يضفن مولوداً جديداً للحياة ، ففي كل حالة ولادة يتذوقن طعم الموت ، أيضاً يتذوقن نشوة الحياة عند سماع صراخ أجنتهن عند إلتحاقهم بركب الأحياء في هذه الفانية التي تبدأ بفصل الولادة و تنتهي بفصل الموت ، و لكننا نفرح بالأولى بينما نخشى ذكر سماع الثانية ، حيث نجد النساء منذ فجر التاريخ الأول يدركون حقيقة أرتباط إحساس الحالتين معاً ، فنجدهن يحسسن بتداخل الحياة و الموت في آن واحد ، و لهذا نجدهن هن البواكي عند الموت و هن صويحبات الغبطة عند الولادة ، و ذلك بإحساس أعمق من إحساس الرجال بكل هذه التفاصيل الدقيقة ، فهنا يكمن السر في منظور المرأة للحياة من باب شهادتها لبداية صافرة الحياة و لكن لا يتم ذلك إلا عبر تذوقها لطعم الموت الذي يصاحبها عند الطلق ، و لهذا نجدهن يتجمعن في مثل هاتين المناسبتن ، التي تشهد فيها الصديقات و القريبات رِّفقة الحياة فيزغردن لها ، وهي الظاهرة كانت تشكل معظم ثقافات نساء العالم ، حيث يجمعن في مثل هكذا حالات من أجل توفير الدعم النفسي و اللوجستي عند مخاض إحداهن ، و كذلك يعشن الإحساس النقيض عند الموت .

في ظل تحرك مؤشر العجز إلى قوة ، حيث تبدئ الحياة بعجز الطفولة ثم تتطور إلى قوة حتي يداهمنا الذي لا مفر منه ، و نجد أن الموت يربطنا بمشاعر الحزن وذلك للفقدان الذي يخلفه عند حدوثة ، فيحرك ذلك الحزن الناشيء من الموت المشاعر الإيجابية في الفرد فتحرك فيه معاني الإرتباط و الإنتماء و الحب والتقدير و الاعتزاز بالمفقود ، وهذا ما يحرك مشاعر الحزن النبيل ، وليس هنالك تناقضاً في ذلك فهذا يحرك هذا ، فالموت فقدان والحزن هو التعبير الطبيعي عن الحب و الإنتماء ، فيحرك الثاني الأول أو العكس .

في آخر محطات الحياة يتوقف قطارها لتنزل من على ظهرة الأخت الفاضلة مبروكة المبروكة بنت محمد الخير الشايقي مودعة هذه الفانية في عز شبابها ، و لا غرابة في إختيار والدها لها لهذا الإسم الذي حملت كل تفاصيله في ذاتها ، فكانت نعم الطفلة التي ترعرعت في كنف حب أهلها وجيرانها ، و كانت خير شابة حفظت نفسها حيث نشأت في عبادة الله حتي شهدنا زفافها علي شريك حياتها الأخ العزيز أمين حسن بشير ، فكانت له نعم الزوجة التي كان يتندر بعظمتها في المجالس و بركتها بكل فخر و كأنه يتحدث عن الجبال الراسيات ، حتى أصبحت بعد ذلك نعم الأم لأبنائها دكتورة سلمي و محمد الحسن ، و لا شك أنها كانت و ما زالت نعم الجارة التي من الصعب أن يتكرر مثلها لجيرانها ، و كما هي أخت لكل الأخوات الفضليات و الأخوان الذين جمعتهم الحياة بها ، فهذه هي شهادتنا لها ، حيث ورد في الأثر : (ما شهد الناس علي شيء إلا شهدت به الملائكة ، و كان الله شهيداً على ذلك) ، وهذا ما يؤكد جزئية شهادة الناس بالحق بأنها من شهادة الله عز و جل .

و لكن لن يمضي قطار الحياة هكذا بدون وعورة سير بكل يسر بعيداً عن إبتلاءات هذه الدنيا التي يمحص الله بها العبد الذي يحبه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى ربه وهو ليس عليه خطيئة) ، و لقد نالت أختنا مبروكة شرف هذا البلاء الذي يمحو الله به الذنوب ويبدل به السيئات حسنات ، في ما أصابها من علل و أدواء مختلفة و هي مازات صابرة على قدر ربها عليها حتي وافتها المنية ، كانت تقابل الألم بجمال البسمة التي كانت تزين وجهها الصبوح و بنعمة الحمد و الشكر لله على مراده لها ، و هذه هي سنة الحياة في كل الإبتلاءات التي أصابتها حتى كانت الخاتمة بشيء قد لا نحسب له خطورة فكانت بوخذة نالتها من حشرة صغيرة أراد الله لها بها أن تنال شرف الشهادة لتكون شفيعة لأهلها يوم القيامة إن شاء الله ، و هكذا تكون دائما نهايات الصالحين ، حيث ورد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في قولها : (ما أَغبطُ أحداً بهَونِ الموتِ بعد الذي رأيتُ من شدَّةِ موتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) و معنى ذلك أي تقول عائشة إنها لا تفرح لأحد بسهولة موته ، ولا تتمنى أن يكون الموت هيناً ، بعد الذي رأته من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و لو كانت سهولة الموت و يسره كرامة لنالها سيد الخلق محمد صلى الله عليه و سلم .

أسأل الله أن يثقل بهذه الإبتلاءات ميزانها و أن يضاعف لها بها حسناتها ، و أقول لأهلها و لكل من يعرف فضلها : أحسن الله عزاءكم و جبر كسركم و عظم أجركم و أن يخلف عليكم بالخير و أن يتولاها كما يتولى عباده الصالحين و أن يتغمدها برحمته و أن يسكنها فسيح جنته ، و أن يرفع درجتها في المهديين ، وان يكرمها بشفاعة خير النبيين ، و أن يجعلها من المكرمين ، وأن ينزل عليها الضياء و النور ، و الفسحة و السرور ، و أن يرحمها برحمته التي وسعت كل شيء ، و أن يرحم سائر موتى المسلمين ، اللهم آمين يا رب العالمين .




مصدر الخبر موقع صحيفة الوطن الإلكترونية

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: