غزارة الإنتاج وسباق الزمن هل أثرتا سلباً على مشروع مصطفى سيد أحمد




خالد شيبا

خالد شيبا

من الصعب جداً الحديث عن تجربة الأستاذ مصطفى سيد أحمد أو تقييم أي جزئية منها دون الرجوع إلى فكرة إحساس مصطفى بالمرض ومعاناته ومن ثم فكرة إحساسه بالموت، فهذه الفكرة كانت العامل الأساسي الذي كان يرمي بظلاله على معظم ما أنتجه مصطفى من إبداع.

محاولة مصطفى سباق الزمن والإكثار من الإنتاج الغنائي– وكأنه كان يدرك بقصر عمره- كان لها الأثر الكبير في تجربته الثرة، وهذه الفكرة لم تكن مفزعة بالنسبة له فحمل عوده وأقام جلسات الاستماع في بحري والخرطوم وسنار وغيرها، وهذه الجلسات كان لها الأثر الكبير في ترسيخ تلك التجربة وتوصيلها إلى المتلقى في مكانه، وفجّر لديه تحدٍّ وجرأة كبيرين واستطاع في زمن قصير نسبياً أن يكوِّن مدرسته الخاصة بلون يختلف عن بقية الألوان المعتادة والمطروحة في السوق وقتها، وبالرغم من أن محاولة كسب الزمن وغزارة الإنتاج قد أفرزت كما هائلاً من الأغنيات يفوق الأربعمائة وعشرة عمل فني إلا أن نفس هذا الطاقة قد أفرزت قدراً ولو قليلاً من السلبيات.

(1)

الاسترسال في التأليف قد أفرز إشكالية تتمثل في هروب عملية التأليف واللحن إلى مساحات يصعب السيطرة عليها، فالفكرة اللحنية تبدأ ثابتة ومن ثم تبدأ في الترهل، ونتيجة لعملية الاسترسال هذه يفقد اللحن عنصر الجرأة في اللزمات الموسيقية.

(2)

غزارة الإنتاج كان لها الأثر الواضح في ميلاد بعض الأعمال اللحنية المتشابهة، كما أن اعتماد مصطفى على آلة العود فقط في وضع كل ألحانه قد أثر في أن تجيئ بعض الألحان في خط مستقيم مما يؤدي إلى الرتابة، لأن اللحن يسير في اتجاه النص وخط الكلمات المغناة ولا يحمل عنصر الدهشة والتشويق مما يجعل النبض الموسيقى بطيئاً إلى حدٍ ما.

(3)

كثرة الإنتاج أدت إلى عدم اهتمام مصطفى كثيراً بالجانب الموسيقي في أعماله، وربما كانت حقيقة مؤكدة أن يباعد الفنان بين كل عمل وآخر خصوصاً إذا هو نفسه الملحن حتى لا يحدث بينها تشابه، ولكن تركز كل اهتمام مصطفى على النص المغنى فقط وإلا ما استمعنا بصوته إلى رائعة مظفر النواب (المساورة أمام الباب الثاني) أو (غناء العزلة ضد العزلة) للصادق الرضي أو (الرجال العصافير) لفيصل محمد صالح أو (المناديل الوضيئة) لمحمد محمد الدين، وهي نصوص لو عرضت على أي فنان غير مصطفى لما حاول حتى مجرد الإطلاع عليها، ورغم ذلك كان مصطفى يلحن ما يقع في يده من نصوص سواء إن كانت مرسلة إليه من شعرائه أو ما يطلع عليه مصادفة في الصحف والدواوين الشعرية حتى وصل إنتاجه في العام الواحد إلى ما يزيد عن الخمسين عملاً خصوصا في الأعوام الأخيرة من حياته بالدوحة.

(4)

راهن مصطفى على النص فقط ولكن تبقى الملاحظة واضحة جداً في عدم وجود معادلة بين قوة النص الشعري ودور الآلة الموسيقية.

(5)

الآن دعونا نرى الجانب الآخر واهتمام مصطفى بالموسيقى والجوانب اللحنية ويتراءى ذلك جلياً في أغنية مريم الأخرى ومحاولة استشفاف الثراء الكبير الذي حصل للحن نتيجة الجهد المبذول بشكل واضح مقارنة بأي عمل آخر، ولك أن تعلم عزيزي القارئ أن اغنية مريم الأخرى كان تغنى بالعود وتسمع في جلسات الاستماع منذ منتصف الثمانينات ولم يقدمها مصطفى مع أوركسترا إلا بعد اكتمال فكرتها اللحنية في العام 1990م بحفل قاعة الصداقة.

تأكيد آخر وهو تجربة مصطفى في أشرطة طفل العالم الثالث والحزن النبيل والبت الحديقة فقد استطاع الأستاذ يوسف الموصلي- متعه الله بالصحة والعافية- أن يسمعنا صوتاً آخر لمصطفى من ناحية إخراج الإمكانيات الصوتية اعتماداً على توظيف المدى الصوتي لمصطفى في أداء نوتات أكثر جراءة في المدى الأعلى والأسفل ويرجع ذلك لخروج اللحن من دائرة التوزيع بالعود إلى آفاق أرحب استخدم فيها علم الهارمونى والكاونتربوينت.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: