عثمان جلال يكتب: اليسار الجزافي(سودان جديد بتاع إيه)


(1)
اليسار الجزافي في بنية التحليل الماركسي هم تيار البرجوازية الصغيرة الذي ينزع إلى حرق مراحل الصراع الطبقي باستخدام تكتيكات وأساليب انتهازية للوصول إلى الثورة الوطنية الديمقراطية بعيدا عن العمل الصبور والمستمر وسط الحركة الجماهيرية، بالتالي هم مجموعة منقطعة السند الفكري والعمق الجماهيري وقد وصفهم بروف عبد الله علي ابراهيم ب (سواقط الحزب الشيوعي)، وحاليا هم الحلقة الضيقة التي تتمركز حول الدكتور حمدوك وتاريخيا يأتي في طليعة هذا التيار مجموعة المرحوم عوض عبد الرازق(الانتهازي كما يصفه اليسار المثالي) والتي ارتأت ممارسة العمل الفكري والسياسي عبر اختراق الأحزاب الاتحادية وقد تصدى لهذه النزعة بحسم المرحوم عبد الخالق محجوب (ان كل صراع داخل حزبنا ما هو إلا انعكاس للصراع الطبقي خارجه وان على الحزب في حرب المصالح الانتهازية الغريبة عن مصلحة الطبقة العاملة الا يجتث جذور أفكارها فحسب بل ظلال تلك الافكار)، لكن تنامى تيار اليسار الجزافي بعد حادثة حل الحزب الشيوعي عام 1965، وعقب انعقاد المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني (الماركسية وقضايا الثورة السودانية)، حيث رأى المرحوم أحمد سليمان ضرورة استعادة أهداف وقيم ثورة أكتوبر 1964 وذلك بالتحالف بين حزب الطبقة العاملة والمؤسسة العسكرية، وتصدى له الأستاذ عبد الخالق محجوب في سلسلة مقالات رصينة عنوانها قضايا ما بعد المؤتمر وجوهرها أن الانقلاب العسكري هو أسلوب البرجوازية الصغيرة التي تتأفف عن العمل الصبور والالتحام مع قضايا الجماهير، وقد تطور التدافع والصراع بين التيارين في انقلاب مايو 1969م وقد شخص بروف القدال حال الحزب الشيوعي يوم الانقلاب بأنه كان (حزبان) بينما لخص المرحوم عبد الخالق محجوب الصراع بأنه (صراع بين البرجوازية الصغيرة والماركسية)
(2)
بعد فشل مجموعة اليسار الجزافي في تحقيق مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية عبر تكتيك الانقلاب العسكري، وبدلا من التركيز على العمل الفكري والسياسي والنقابي لاستنهاض الحركة الجماهيرية، لجأت للتحالف مع الغابة المسلحة(الحركة الشعبية لتحرير السودان) ووسموا المؤسسة العسكرية الوطنية بأنها جزء اصيل من التحالف البرجوازي اليميني وشبه الاقطاعي والتي ينبغي تدميرها وبناء مؤسسة عسكرية جديدة تحت ظلال رايات وسيوف مشروع السودان الجديد، والذي يهدف كما يزعمون لانهاء الهيمنة الثقافية والسياسية والاقتصادية التاريخية لأبناء الوسط النيلي، وتشييد السودان الجديد وركائزه (الوحدة والحرية والديمقراطية والتنمية المتوازنة، والعدالة والمساواة) على أنقاض السودان القديم، ولتحقيق هذه الغايات أبعدت مجموعة اليسار الجزافي النجعة في التكتيكات والاساليب الميكافلية التي لا تفرق بين المصالح الوطنية العليا والنظام السياسي القائم، وكانت ثمرتها المرة إرهاق الدولة السودانية بعقوبات سياسية ودبلوماسية واقتصادية دولية كانت الاقسى عبر التاريخ، كما نزعوا في تصعيد الحرب الداخلية الى سياسة شد الأطراف بإشعال بؤر التمرد والحرب في مناطق الهامش في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق لخنق المركز المهيمن وشد الأطراف وبترها والزحف عبرها لإسقاط دولة الجلابة، وبناء دولة السودان الجديد. وقد تم انهاء الصراع الصفري بتوقيع اتفاقية نيفاشا عام 2005، والتي انتهت بانفصال الجنوب عام 2011 على النحو الذي تعلمون.
(3)
لكن اين تنزلت يوتوبيا مشروع السودان الجديد؟ فالانفصال كان الضربة القاصمة لفكرة السودان الجديد، حيث صوت أكثر من 90% من شعب الجنوب لصالح الانفصال فأين الدور الفكري والسياسي لمجموعة اليسار الجزافي في حفز قيادات وشعب الجنوب للتماهي مع الوحدة؟؟ وأين دولة جنوب السودان من قيم الحرية والديمقراطية والتنمية والعدالة؟ وأين الاندماج الهوياتي والقومي في دولة جنوب السودان؟ وأين تداول القيادة والديمقراطية داخل الحركة الشعبية في دولة الجنوب ؟ بل أين تقاسم السلطة والثروة بين ولايات جنوب السودان؟ وأين السلام والاستقرار والرفاه في الجنوب الذي شهد حرب عرقية عام 2013 قادها الدينكا ضد العرقيات الاخرى؟. وبثمارها تعرفونها فإن المحصلة دولة فاشلة في الجنوب، وتوظيف مجموعة اليسار الجزافي كحصان طروادة لتحقيق غاية الانفصال. وثالثة الاثافي بدلا عن التخلي لفكرة الحرب والتمرد، والتركيز على العمل الديمقراطي والسياسي السلمي نزعت مجموعة اليسار الجزافي لاستنساخ عوار ذات التجربة في مناطق دارفور مجموعة عبد الواحد محمد نور، وجبال النوبة مجموعة عبد العزيز الحلو، وجنوب النيل الأزرق مجموعة مالك عقار، فهل تحولت تلك المناطق لواحات جاذبة من الديمقراطية والحرية والتنمية والاندماج القومي وقديما قال الشاعر وليس يصح في الافهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
(4)
في خضم المنازلة الفكرية والسياسية بين المرحومين الشاعر الفذ صلاح أحمد ابراهيم وعمر مصطفى، المكي ألف صلاح ديوان غضبة الهبباي ووصف في متنه المرحوم عبد الخالق محجوب ب(انانسي) تلك الأسطورة الغانية التي تجمع بين التآمر والانتهازية، ووصف المرحوم عمر المكي بأن الانتهازية متمكنة منه تمكن شلوخه المطارق، وفي ذات الديوان تحدث صلاح عن الهايكو السوداني مجاراة للهايكو الياباني، فرد عليه المرحوم عمر المكي في مقالة لاذعة منها (هايكو بتاع فنيلتك)، ولأن الشيء بالشيء يذكر نقول لمجموعة اليسار الجزافي التي لا زالت تعتنق يوتوبيا ما يسمى بالسودان الجديد، ولكن تنزع إلى تطبيق المشروع بلغة حنجورية وهتافية وتفتقر للسند الفكري والجماهيري (سودان جديد بتاع إيه )

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: