مدني محجوب مدني يكتب: التصويب خارج الصندوق


قال الشاعر الحكيم عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع.
فمن الحكمة ومن التوفيق ألا يصر المرء على الانشغال، والاهتمام بمجال لم يستطع أن يتمكن منه.
وأسوا ما يتبناه المرء هو انشغاله بنشاط لا يستطيع أن ينجزه.
فالله سبحانه وتعالى خلق الناس على قدرات ومواهب مختلفة حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( كل ميسر لما خلق له)
فالموفق من يهتم وينشغل بمجال يستطيع أن ينجز فيه.
والذي يضيع في زمنه وجهده من ينشغل في مجال لا معرفة، ولا قدرة له به.
ليس عيبا عدم إتقان حرفة البناء مثلا، ولكن العيب التمسك بها مع عدم إتقانها.
أسباب كثيرة تجعل المرء يتمسك بمجال رغم عدم معرفته به.
من ضمن هذه الأسباب:
* جهله بعدم إتقانه لهذا المجال.
* يقينه بأهمية المجال الذي يهتم به حيث يظن أن ذلك يكفي للانشغال به.
* وجد نفسه في وسط يهتم بهذا المجال، فكرس حياته للاهتمام به.
وغيرها من الأسباب التي تجعل المرء يهتم بمجال وهو لا يتقنه.
طبعا الأصوب بعد معرفته من خلال التجربة بأنه لا يتقن هذا المجال هو قول شاعرنا عمرو بن معد يكرب وهو أن يغير نشاطه ويبحث له عن نشاط آخر يتقنه.
اهتمام المرء وتركيزه في مجال لا يتقنه له سلبيتان:
الأولى: إضاعة للجهد والوقت.
الثانية: وهي الأخطر وهي الإساءة لهذا المجال أشد الإساءة حيث يكون مجهوده واهتمامه بمثابة إضعاف وتقليل من شأن هذا المجال وتعقيد لأزماته وإبعاد لحلوله.
فالعبرة ليست في بذل الجهد والوقت والمال وإنما العبرة مع ذلك في إتقان العمل.
فمن يجتهد بلا إتقان إساءته أبلغ وأعمق وأخطر ممن لا يعمل ولا يجتهد.
فكم من ممارس للتجارة وليس بتاجر.
وكم من ممارس للهندسة وليس بمهندس.
وكم من ممارس لمهنة الطب وليس بطبيب.
وكم من ممارس للتعليم وليس بمعلم.
وكذلك كم من ممارس للسياسة وليس بسياسي.
وكل هؤلاء ليسوا فشلة، وإنما مارسوا نشاطات لا تتوافق مع إمكانياتهم وقدراتهم.
فلربما كان مكان التاجر مكان آخر يتعلق بتقديم خدمات للناس دون ان يحاسبهم على ان يأخذ أجره من الجهة المخدمة.
ولربما كان مكان الطبيب هو مكان التجارة يحاسب الناس على كل صغيرة وكبيرة، ويأخذ ثمن سلعته قبل أن يقدم خدماته.
فالناس قدرات وإمكانيات وميول واتجاهات، فمن يصلح في مكان قد لا يصلح في مكان آخر.
والموفق من يكتشف المكان الذي يصلح أن يبرز فيه قدراته وإمكانياته.
فكل مكان له خصائصه التي تحتاج لإمكانيات معينة تتوفر عند أشخاص معينين.
من أخطر وأعقد النشاطات الإنسانية العمل السياسي فهو فضلا على أنه فتنة سرعان ما يصاب فيه المرء بمرض السلطة.
فهو كذلك يحتاج لمهارة عالية في كون الصراع يضم عددا مهولا من الخلافات والمتباينات بين المتصارعين كما أنه يضم أيضا عددا مهولا من المتوافقات والمشتركات.
فالمهارة المطلوبة هي كيف يمكن قبول المختلف، وفي نفس الوقت عدم التفريط في القناعات والمعتقدات؟
كيف يمكن أن تثبت مسلماتك دون إلغاء للآخر الذي يختلف معك؟
تجعله ينضم معك في وطن واحد ويتمتع بكافة حقوقه الدستورية، ومع ذلك لا يسلبك قناعاتك ومقتعداتك.
كيف تستفيد من المشترك معه؟
وكيف تتحاشى المختلف؟
كيف تتحد معه وفي نفس الوقت كيف تختلف معه؟
حلقات داخل حلقات تتسع وتضيق تحتاج إلى مهارات وقدرات.
البعض حسب قدراته وإمكانياته تغيب عنه هذه الحلقات ولا تظهر أمامه سوى حلقته.
والبعض تظهر أمامه حلقة أو حلقتين وتختفي الأخرى.
اما الماهر والمتقن للعمل السياسي، فهو ذلك الذي يكتشف ادق الحلقات ويعرف كيف يتعامل معها بحيث لا يلغي الآخر، وفي نفس الوقت لا يفقد قيمة واحدة من قيمه التي تتعارض مع ذلك الآخر.
الوطن الذي يضم معتقدات وافكار متباينة يحتاج لهذه القدرات.
قد لا تتوفر لدينا، وقد لا نشاهدها أمامنا لكن لا ينبغي أن نستبعد وجودها وتحقيقها.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق