مشروع قانون الصحافة الجديد.. توجسات وآمال


أحمد طه صديق
في العهد البائد تعرضت الصحافة إلى هجمات بعضها في ما يتعلق بالقوانين المقيدة للحريات أو الهجمات الأمنية التي تقوم بها سلطات النظام ضد الصحف التي تخرج عن الخطوط الحمراء المتعددة التي رسمها النظام باسم حماية الأمن القومي، وهي عبارة فضفاضة ومترهلة ظل النظام آنذاك يرفعها ككارت تسلل لايقاف مسيرة الصحافة كلما حاولت أن تكشف سوءات النظام المسكوت عنها في قضايا الفساد، حتى أنه أغلق العديد من الصحف وعلق صدور بعضها لعدة أشهر وبعضها تجاوز العام، كما صادر ممتلكات بعضها وزج برؤساء تحريرها في المعتقلات وإن كانت لفترات محدودة، ولاحق النظام الصحافة بسلسلة متنوعة من القوانين منذ عام 1993 ــ 1999م، وأجرت السلطات تعديلات عديدة لمزيد من التضييق، فكانت هناك تعديلات في عام 2001 ــ 2004م، ثم صدر قانون في عام 2009م الذي رأت السلطات أنه يعطي هامشاً محدوداً للحريات، فسارعت بإجراء تعديلات في عام 2012 ثم عام 2017م، ثم مشروع تعديل في عام 2018 الذي اعطى السلطات حق إعدام المطبوعات. وقالت صحيفة القدس آنذاك إن السودانيين يحتجون على أسوأ قانون للصحافة منذ الاستعمار. وربما لم يكن مفاجأة أن تأتي تعديلات قانون الصحافة والمطبوعات المقترحة حافلة بعدد من الإشارات الحمراء القانية المتمثلة في إيقاف الصحف لمدة خسمة عشر يوماً بواسطة مجلس الصحافة والمطبوعات، ومنحه أيضاً سلطة إيقاف الصحافي عن الكتابة لمدة تقديرية غير محددة وسحب الترخيص مؤقتاً، ولعل عدم المفاجأة يأتي بالنظر إلى تململ حكومة النظام البائد من أداء الصحافة طوال سنوات خلت، ففي وقت سابق خرجت حمم نارية تجاه الصحافة بعضها من شخصيات رسمية وأخرى موالية، حيث صوبت نبالها بقسوة بعد موجة من الانفتاح امتشقدتها الأقلام، فخرجت العديد من التصريحات التي تحذر من محاولة تفكيك النظام أو إلباسه ثوب الفساد قسراً.
البرلمان يدخل الحلبة
وامتدت سهام النقد ضد الصحافة حتى إلى البرلمان آنذاك، حيث شن البرلماني عن المؤتمر الوطني د. الفاتح محمد سعيد وقتها هجوماً عنيفاً على الصحافيين السودانيين لتناولهم قضايا الفساد، واتهمهم بالتشكيك في مشروعية الحكومة وإضعاف ثقة المواطنين فيها بحديثهم عن الفساد، مما يؤدي إلى الإضرار بمسيرة الحوار الوطني بحسب تعبيره، وحمَّل الصحافيين مسؤولية هروب المستثمرين من البلاد بسبب نشرهم قضايا الفساد، وطالب البرلمان بتبني إصدار مشروع ميثاق شرف إعلامي لضبط تصريحات الصحافيين في الداخل والخارج والإعلام المرئي والمسموع، وصنع صحافة استقصائية تلزم الصحف بعدم التطرق لقضايا بعينها. وقال خلال الجلسة: (لن نمنعهم من طرق القضايا الوطنية لكن يجب أن يتم ذلك تحت ميثاق)، وأضاف أن أداء الإعلام في الشهر الماضي ومنذ انطلاقة الحوار انحصر جله في الحديث عن الفساد.
ولعل اللافت للنظر أن النقد جاء من برلماني وليس من تنفيذي في الحكومة، مما يشير إلى أن البرلمان بدلاً من أن يكون عيناً رقابية للحكومة بات آلية تساعد النظام في تشريع وتمرير القوانين المقيدة للحريات.
هجوم حكومي
وبعد يوم واحد من هجوم البرلماني د. الفاتح شن وزير الإعلام آنذاك أحمد بلال هجوماً على الصحافة ونعتها بعدم المهنية والمسؤولية، واستنكر ما سماها عمليات الاغتيال السياسي للمسؤولين عبر نشر ملفات الفساد دون التثبت منها، كما طالب بإنشاء محاكم للصحافة خاصة للإعلام للبت السريع في قضايا النشر، وكشف في تصريحات صحفية عن تكوين لجنة من قبل الوزارة وعدد من الأجهزة التنفيذية والتشريعية لمد الصحف بالمعلومات، وطالب بالرجوع للجنة في قضايا الفساد قبل نشرها، والفقرة الأخيرة في حديث الوزير عن لجنة المعلومات اعتبرها الصحافيون بأن التعامل العملي معها يبدو مستحيلاً، إذ أن قضايا الفساد بطبيعتها لا يتحمس الجهاز التنفيذي للتعامل معها بالشفافية المطلوبة، ولا يعقل أن تمد اللجنة الصحف بالوثائق اللازمة في أية تهمة، كما أن قضايا النشر لا تطلب التعامل البروقراطي مثل الطلبات العادية التي تقدم للدواوين الحكومية قد توافق عليها أو ترفض أو تسكت حتى عن الإجابة حولها ربما لفترات غير محدودة، كما أنه لا ينبغي أن تُلزم الصحف بالتعامل مع كيان حكومي في قضايا الفساد طالما لديها المصادر التي منحتها تلك الوثائق والمستندات، ويبقى نشرها هو حق الصحيفة وتتحمل مسؤوليته أمام القانون. ولا شك أن إلزام الصحافة بإخطار اللجنة بقضايا الفساد مسبقاً يكبل رسالتها نحو الوصول إلى الحقيقة وقد يؤثر في مسار القضايا التي تتناولها، لكن الخطوة لم تر النور لاستحالة تطبيقها
عقبات أخرى
وبالإضافة إلى العقبات القانونية والقرارات الاستثنائية في ظل النظام البائد التي تواجه الصحف، هناك عقبات أخرى تتعلق بارتفاع مدخلات الطباعة المتمثلة في الورق والأحبار وغيرها التي فرضها النظام عمداً حتى تتساقط الصحف في النهاية وتقوم بدعم بعض الصحف الموالية لها.
عهد الثورة
بالرغم من أنه في عهد ثورة ديسمبر الشعبية لم تجد الصحف عقبات أمنية تعترض مسارها أو إجراءات استثنائية، لكنها مع ذلك معرضة للموت الأكلينيكي وربما السريع في حال لم تسارع الحكومة بتخفيض الجمارك على ورق الصحف وكل مدخلات الطباعة بشكل كبير، وتخفيض الضرائب عليها بما فيها الرسوم المفروضة على الإعلان.
قانون الصحافة الجديد
قال الرئيس الجديد للصحافة والمطبوعات، إن قانون الصحافة الجديد سيتم عرضه للصحافيين والاعلاميين بغرض النقاش، لكنه لم يفصح عن أهم ملامحه، ولهذا يعيش الصحافيون حالة من الأمل بأن يتواءم القانون الجديد مع مواثيق ومفاهيم ثورة ديسمبر المجيدة. ويُتوجس من أن يحوي القانون مواد من شأنها أن تحد من الحريات باسم حماية النظام الديمقراطي من الفلول كما كان النظام السابق يدعي أن الصحافة تستهدف النظام والأمن القومي بأكمله، ولهذا فالمجلس مطالب بالمسارعة بتمليك نسخ مشروع القانون للصحافيين والإعلاميين والقانونيين للإدلاء برأيهم حوله قبل أن يزج به بليل للمجلسين لاجازته على عجل.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: