بعد التطور المستمر في العلاقات.. السودان وأمريكا.. هل يساهم ذلك في إخرج العملاق من قمقمه؟


قراءة: أحمد طه الصديق

عندما أسندت حكومة المؤتمر الوطني المحلول وزارة الخارجية للحركة الشعبية في فترة الشراكة بين الطرفين، ربما كانت تظن أن العلاقات المميزة التي تربط الحركة بالولايات المتحدة ستكون مفتاحاً لفتح باب العلاقات المغلق أو الموارب بين البلدين. ولعله لم يخطر ببال الحكومة آنذاك ان الحركة لا تمتنع فقط عن المشاركة في هذا الجانب، لكنها تقف حجر عثرة أمام هذه الخطوة, ففي خطاب لباقان أموم امام الكونغرس الأمريكي طالب بعدم تطبيع العلاقات مع السودان والابقاء على اسم السودان في قائمة الدول الراعية للارهاب، بحجة ان المؤتمر الوطني لم ينفذ اتفاقية السلام ويقوم بتسليح القبائل في الجنوب, كما قال في تصريحات صحفية: (لن نسمح للمؤتمر الوطني ان يصعد على ظهرنا بتحسين العلاقات مع امريكا).

ولم تمض سنوات قليلة حتى بدت تترى العقوبات الأمريكية في السودان على حكومة النظام البائد، حيث اطلقت الولايات المتحدة جملة من الاتهامات اعقبتها بسلسلة متتالية من العقوبات، فكان اتهام السودان بالإرهاب ووضعه ضمن الدول الراعية للإرهاب في 1992م، واتهامه بالاستمرار في مساندة حركة التمرد بجنوب السودان، ثم أخذت الولايات المتحدة تحشد المنظمات الدولية والدول في ذلك الوقت ضد حكومة الجبهة الإسلامية، وتمثل ذلك في قرار الاتحاد الأوروبي بتجميد عضوية السودان ومخصصاته من اتفاقية لومي حتى 1991م، وتجميد عضوية السودان في صندوق النقد الدولي في 1994م، وقرارات مجلس الأمن (1044، 1054، 1070) بالإدانة والعقوبات عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري بأديس أبابا 1995م، واتهام السودان بالضلوع في تلك المحاولة. وظلت هذه العقوبات الاقتصادية منذ عام 1997م تتجدد كل عام، وعلى الرغم من أن اتفاقية نيفاشا التى طبقت الحكومة آخر بنودها بالاستفتاء وتقرير المصير كان احد الوعود التى اطلقتها واشنطون حال تنفيذ هذه الاتفاقية بانه سيتم رفع العقوبات على السودان وعدم الابقاء على اسم السودان فى قائمة الدول الراعية للارهاب، حيث أن واشنطون ترى أن حكومة المؤتمر الوطني رغم أنها سمحت بالاستفتاء الذي أفضى لانفصال الجنوب كدولة مستقلة، ظلت تدعم المعارضة المسلحة في دولة الجنوب، كما أن الحكومة لها سجل مروع في مجال حقوق الإنسان.
وكانت حكومة الجبهة الاسلامية تراهن على براغماتية الولايات المتحدة التي تعاملت مع دول عربية وإفريقية لها تجاوزات كبيرة في مجال الحريات وانتهاكات في حقوق الإنسان، كما تعاملت مع حكومة الرئيس نميري المخوع بثورة جماهيرية، ولهذا فإنها من الممكن أن تطبع علاقاتها مع السودان في حال توصلت معها على تفاهمات سرية تتعلق بتحقيق بعض المصالح الأمريكية في المنطقة. وبالفعل بدأ النظام اتصالات كان جهاز الأمن والمخابرات أحد آلياتها الرئيسة، فقد سافر إلى واشنطون سراً مدير الجهاز عبد الله قوش، ويبدو أن التفاهمات انحصرت في مطالبة البيت الأبيض للحكومة آنذاك بتقديم معلومات عن الحركات الاسلامية المتطرفة التي كانت الحكومة تتعاون معها في أوقات سابقة، كما يمكنها أيضاً زرع غواصات بداخلها من بعض الكوادر ذات التوجه الإسلامي باعتبارهم معارضين لحكومة الخرطوم، كما أشارت المصادر الى أن النظام سلم بعض المتطرفين للحكومة الأمريكية حين كانت تنصب معتقلاً كبيراً في دولة كوبا باسم (غوانتنامو)، كما أعلن النظام قطع علاقته مع إيران وتجميد العلاقة مع كوريا الشمالية وتحجيم التعامل مع حركة حماس وإغلاق مكاتبها في الخرطوم، واستطاعت بتلك الخطوات كسب رضاء نسبي من واشنطون، لكن سجل الحكومة في مجال الانتهاكات في دارفور وتصدرها الإدانات الدولية من قبل المنظمات الحقوقية والناشطين حتى في الولايات المتحدة، لم يمكّن البيت الأبيض من المضي قدماً في خطوات التطبيع، لكنه طالبهم بإجراء إصلاحات سياسية مؤثرة حتى يمكن أن تتمكن واشنطون من اتخاذ خطوات إيجابية تجاه حكومتهم، وهو ما لم تستطع حكومة المؤتمر الوطني فعله، وحاولت خداع المجتمع الدولي والمحلي بتبني مسرحية سياسية سمتها (الحوار الوطني) وشارك فيه عدد من التيارات السياسية الصغيرة، ومع ذلك لم تفِ الحكومة بتعهداتها بتوسيع المشاركة السياسية الحقيقية وبسط الحريات السياسية والإعلامية.
العلاقات في عهد الثورة
منذ تفجر الانتفاضة الشعبية في ديسمبر 2019م أخذت الولايات المتحدة ودول الغرب ترحب بالتغيير. وعندما تم تكوين الحكومة المدنية أعلنت دعمها لها وتعهدت بدعم التحول الديمقراطي في السودان، الا إن حكومة الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دولاند ترامب لم تكن في حقيقتها متحمسة لدعم المبادئ الديمقراطية، فهي كانت تحرص على الاحتفاظ بالإطار الخارجي للنظام المدني كمسوق للتعامل معه، لكنها ظلت تحرص على الوصول لتفهامات تحقق مصالحها، أو بالاصح المصالح والطموحات الشخصية لترامب نفسه في ما يتعلق بدعم إسرائيل وتحجيم اعدائها في المنطقة، باعتبار أن كسب اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة يشكل جسراً لوصوله للبيت الأبيض، لهذا حرص على ممارسة ضغوط على بعض الدول العربية من أجل التطبيع مع إسرائيل، فكان أن اضطرت حكومة السودان الانتقالية للموافقة على بدء خطوات التطبيع كقربان لرفع السودان من قائمة الإرهاب، والانفتاح نحو المجتمع الدولي لتلقي الدعم الاقتصادي وإعفاء الديون الباهظة التي تثقل كاهل البلاد، لهذا بدأ ترامب خطوات التفاهمات نحو خطوات التطبيع مع رئيس مجلس السيادة الذي يمثل القائد الأعلى للجيش والقوات الأمنية دون طرحها على المكون المدني في البدء، مما يعني أن ترامب كان مستعداً لتجاوز كثيراً من الاشتراطات والمبادئ الديمقراطية وتجاهل المطالب الثورية المدنية بتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في البلاد حال فوزه في الانتخابات الرئاسية، وهو ما لم يتحقق، حيث جاء الرئيس المنتخب بايدن الذي فتح صفحة جديدة مع الحكومة الانتقالية في السودان، لكن دون أن يسقط المعادل العسكري في الحكومة من حساباته، باعتبار أنه يمثل الشراكة الضرورية للعبور الآمن للفترة الانتقالية في السودان، لكنه كان أكثر حماساً بالطبع لإحداث دفعة قوية لعلاقات بلاده مع السودان ودفعه اقتصادياً في ظل حكومة مدنية مدعومة من الخارج لحماية التحول الديمقراطي للوصول للانتخابات العامة في السودان.
وفي هذا الإطار تم إعفاء ديون السودان من الولايات المتحدة وبعض دول الغرب، واعطت الحكومة الإمريكية الضوء الأخضر للمؤسسات الاقتصادية الدولية لدعم السودان، فكان دعم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتحريك مؤسسة التنمية العالمية (المعونة الأمريكية) لدعم السودان المستمر، وآخر ذلك زيارة المسؤول الأول فيها السودان هذه الأيام، وتعهدها بتقديم دعم للسودان في حدود (700) مليون دولار لدعم مشروعات التنمية، وابدت المسؤولة حماساً كبيراً للسودان والإعجاب بثورته الشعبية، ووصفت التحول الثوري الشبابي الذي حدث بأنه معجزة.
هل يخرج العملاق؟
فهل بعد الانفتاح الكبير على السودان هل يخرج العملاق من قمقمه الكامن فيه من قدرات وإمكانات غير مستقلة؟ فالدعم المادي في هذه المرحلة ضروري لإحداث التحول الاقتصادي المنشود. وهي خطوات عملية وواقعية سارت فيها الحكومة بدفع فاتورة قاسية من التنازلات، لكنها كما يرى المراقبون كانت ضرورية، حيث أن شعارات الاعتماد على الذات والتقوقع الأعمى ورفض الدعم الدولي وفق شعارات كلاسيكية جامدة، لا يمكن بالطبع أن يحدث التحول ناهيك عن الخروج حتى من الباب الضيق.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: