الصادق المقلي يكتب: حول إجازة مشروع قانون الانضمام لميثاق روما


بقلم السفير الصادق المقلي
فى أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية راودت منظمة الأمم المتحدة فكرة إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة و العمل على أحداث آليات تعاقدية تعنى بحقوق الإنسان الأساسية و بالقانون الدولي الإنساني الذى يعنى بالحروب و النزاعات فى العالم… الفكرة ولدت من رحم فظائع الحروب العالمية التى راح ضحيتها عشرات الملايين في أوربا و أصاب العديد من المنشآت الدمار و الخراب الذي تم درؤه فيما بعد من بفضل المبادرة الأمريكية المعروفة بخطة مارشال.. فكانت أولى هذه الآليات التعاقدية الملزمة للدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.. الإعلان العالمى لحقوق الانسان و اتفاقية منع الإبادة الجماعية و كلاهما فى عام ١٩٤٨…و من بعد ذلك اتفاقيات جنيف الاربع و التى الحق بها فيما بعد البروتوكولات الإضافية الثلاث و التى تعنى بشئون جرحى و أسرى الحروب…. و قد انبثقت من اتفاقية منع الإبادة الجماعية هذه فكرة إنشاء محكمة جنايات دولية دائمة كلفت بها لجنة القانون الدولي. كنقلة نوعية فى تطور العدالة الدولية. .. و قد سبقت هذه الآليات التعاقدية أنشاء محكمة نورمبرغ عام ١٩٤٥ و محكمة طوكيو عام ١٩٤٦ بواسطة الحلفاء و هى محاكم عسكرية لمحاكمة قيادات النازية و عسكريين في اليابان و قد انتقدت لافتقارها الحياد كمحاكم المنتصرين للمهزومين فى الحرب العالمية.
ظروف الحرب الباردة عطلت من عمل لجنه القانون الدولي حتى نهايتها فى عام ١٩٤٩ عند سقوط الرايخ الثالث و استسلام ألمانيا… و أيضا إندلاع حروب شهدت أبادة جماعية فى يوغسلافيا ١٩٩٣ و رواندا عام ١٩٩٤ دفعت مجلس الأمن الدولي إلى إنشاء محكمة خاصة ليوغسلافيا فى لاهاى و أخرى لرواندا فى اروشا كمحاكم غير دائمة. ٠٠٠و استأنفت لجنة القانون الدولي من بعد ذلك عملها في إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة… و بالفعل عقدت اللجنة ست اجتماعات تمهيدية Prepcoms… أعقبها عام ١٩٩٨ اجتماعات الدول الاعضاء و التى استمرت لستة اسابيع الى ان تمخضت فى الاول من يوليو ١٩٩٨ عن اجازة ميثاق روما بأغلبية ١٢٠ دولة و معارض سبع دول من بينها الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل. و امتناع ٢١ دولة عن
التصويت….
شارك السودان بفعالية فى مداولات مؤتر روما بوفد قاده وزير العدل وقتها مولانا على عثمان محمد يس… و هو الذى القى كلمة انابة عن المجموعة العربية فى ختام المؤتمر… و كان السودان من الموقعين على ميثاق روما الذى دخل حيز التنفيذ فى الاول من يوليو ٢٠٠٢….و لكنه لم يصادق على الميثاق أو نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية ٠٠٠ الذي هو في حد ذاته مكمل الأجهزة العدلية الوطنية.. فيما عرف بمبدأ التكاملية Complementarity.. و لا ينعقد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على اى دولة ما لم يكن القضاء فى هذه الدولة غير راغب أو غير قادر.. و ذلك ما ينطبق على السودان.. فالقضاء السودانى حتى و لو كان راغبا الا ان غياب قانون يشتمل على الجرائم المنصوص عليها في ميثاق روما الا و هى جرائم الابادة الجماعية، جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية و جريمة العدوان الواردة في البند الخامس من الميثاق.. و أعنى بذلك القانون الجنائي لعام ١٩٩١…و حتى تعديل هذا القانون عام ٢٠٠٩ و الذى تم بعد شهور قليلة من إصدار مذكرة توقيف دولية في حق الرئيس المخلوع.. ٠٠لا يعني شيئاً فيما يتعلق بالتهم الموجه ضده و آخرين٠٠٠سيما و ان المبادئ العامة للقانون الجنائي تنص على أن لا جريمة من دون نص و لا عقوبة بدون نص و رجعية الأثر للقوانين و ذلك ما لم يهمله ميثاق روما حيث أورده فى المواد ٢٢…٢٣..٢٤..و لذلك يجد القضاء نفسع عاجزا لعدم رجعية الأثر.. الأمر الذى أتاح انعقاد اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على السودان و التى أحيلت لها الحالة فى دارفور بموجب قرار مجلس الامن الدولي ١٥٩٣ عام ٢٠٠٥ .. تحت الفصل السابع.. و وفقا للمادة ١٣ ب من ميثاق روما..
و من هذا المنطلق فإن قرار مجلس الوزراء بإجازة مشروع قانون الانضمام لميثاق روما ليس له كبير أثر فيما يتعلق بتسليم أو مثول المتهمين بجرائم الحرب فى دارفور أمام المحكمة.. و لا يشترط ذلك بمصادقة أو عدم مصادقة الجهاز التشريعي السوداني الانتقالى بغرفتيه السيادية و التنفيذي… اذ يحتم على السودان في كل الأحوال باعتباره عضوا فى الأمم المتحدة و موقعا على كل المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان الأساسية و بالقانون الدولي الإنساني.. يستوجب عليه الامتثال للقرار ١٩٥٣ لعام ٢٠٠٥ و الذى أحيلت بموجبه الحالة فى دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة ١٣ ب من الميثان و لحققية أن السودان ليس طرفا فى الميثاق… بيد أن للسودان خيارين فيما يتع…
و الأمر كذلك.. لا بد من القول إن قرار مجلس الوزراء باجازته لمشروع قانون لانضمام السودان الجنائية الدولية.. قرار تاريخى تأخر كثيرا..اذ ان لا حد يمكن أن يقف فى طريق آلية تعاقدية من شأنها وضع حد الإفلات من العقاب و إطلاق العنان للدولة أو غيرها من التنظيمات المسلحة غير الحكومية أن ترتكب جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية غير آبهة بهذه المواثيق الدولية الموقعة عليهآ خاصة قوانين حقوق الإنسان الأساسية و بالقانون الدولي الإنساني الذى يعنى بمعالجة شؤون المدنيين و أسرى و جرحى الحرب… و لعل الثمرات الآنية التى يمكن يجنيها السودان من قراره بالانضمام للمحكمة الجنائية الدولية تمثل إحدى الخطوات التى اتخذتها الحكومة الانتقالية فى سبيل إعادة السودان لموقعه فى المجتمع الدولي و اندماجه في المنظومة المالية الدولية. و كسب احترام الأسرة الدولية بعد أن تم تشويه صورته و أصبح من الدول المنبوذة و المعزولة طيلة ثلاثين عاما…
و يجدر بالذكر فى هذا المقام أن الاتحاد الأوروبي جعل من انضمام السودان لميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية احد مسارات التفاوض معه فى سبيل تطبيع العلاقات مع إحدى أكبر المنظمات الاقتصادية الإقليمية فى العالم… فالسودات ظل عضوا فى منظومة الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و ثلاث تجمعات إقليمية.. تلك هى أفريقيا و الكاريبي و الباسيفيكى التى تعرف اختصارا مجموعة الشراكة ACP. EU… و التى انطلقت باتفاقية لومى.. توجو.. عام ١٩٧٥..و انتقلت عام ٢٠٠٠ إلى ما عرف باتفاقية كوتونو… بنين.. و قد كان أول تعديل للاتفاقية في لكسمبورج عام ٢٠٠٥ و قد كان السودان عضوا فى هذه المنظومة إلى أن حدث التعديل الثانى لاتفاقية كوتونو في اوقادوقو.. بوركينا فاسو.. عام ٢٠١٠ و وقعت على الاتفاقية المعدلة وقتها جميع الدول الأفريقية التى تشكل اكثر من ثلثى المجموعة التى تضم ٧١ دولة من الأقاليم الثلاثة… بيد أن السودان تحفظ و لم يوقع على اتفاقية كوتونو بسبب فقرة فى ديباجة الاتفاقية تشير إلى المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها تطور هام فى السلام و العدالة الدولية… الأمر الذي أدى إلى تجميد عضويته… و لا شك أن من ثمار انضمام السودان لميثاق روما كدولة طرف أن يستعيد السودان موقعه فى هذا التجمع الأقليمى الهام الذى يهدف فى المقام إلى محاربة الفقر و تحقيق التنميه المستدامة و الاندماج التدريجي لدول المجموعة فى المنظومة المالية الدولية.. علما بأن المبلغ المجمد الخاص بالدعم التنموي و الذى استفادت منه كافة الدول الأعضاء في المجموعة يفوق الاربعمامئة مليون دولار… و لا شك أن قرار الحكومة الانتقالية سوف يتيح المزيد من انفتاح السودان في الفضاء الأوربي و المزيد من دعم الدول الأوروبية خاصة فرنسا و بريطانيا و ألمانيا للفترة الانتقالية و التحول الديمقراطى في العالم..

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق