تعليقات على مقترح مسودة قانون الصحافة لسنة 2121م المقدم من اللجنة الإستشارية لإصلاح قطاع الإعلام في السودان




عبد القادر محمد عبد القادر*

مقدمة:

في يوم الاثنين 2 أغسطس 2021م، عقد السيد وزير الثقافة والإعلام، حمزة بلول، مؤتمراً صحفياً قدم فيه ثلاث مسودات لقوانين الإعلام الجديدة، التي أعدتها (اللجنة الاستشارية لإصلاح الإعلام)، وهي: (مسودة قانون الصحافة، مسودة قانون حق الحصول على المعلومات، مسودة قانون الهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون). وأعلن فتح المناقشة حولها قبل تقديمها للإجازة.

بدأ النقاش حول ضرورة إصلاح قطاع الإعلام في السودان، لا سيما إصلاح الإطار التشريعي للإعلام ، منذ وقت بعيد. ولكن كانت الفرصة مواتية عقب سقوط النظام البائد في أبريل 2019م، وقد توسم الصحافيين السودانيين أملاً في أن (حكومة الثورة) ستتبنى إصلاحات تشريعية لتعزيز حرية الصحافة.

في أعقاب التوقيع على الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019م، أشرك وزير الثقافة والإعلام- وقتها- الأستاذ فيصل محمد صالح، مكتب اليونسكو في الخرطوم لإجراء مراجعة وضع قطاع الإعلام في السودان باستخدام مؤشرات اليونسكو لتطوير وسائل الإعلام (وهي معايير عالمية لدراسة واقع الإعلام في اي بلد[1]).

الغرض من مشروع مراجعة سياسات وقوانين الإعلام، وفقا لتفويض اليونسكو ، هو: ” لمعاونة السودان في عملية التحول الديمقراطي من خلال المساهمة في تطوير إعلام حر ومستقل وتعددي من خلال تقرير تقييم شامل عن المشهد الإعلامي الوطني على أساس مؤشرات اليونسكو لتطوير وسائل الإعلام وتوفير خارطة طريق لإصلاح وسائل الإعلام”.

شكلت اليونسكو فريق من الباحثين والخبراء المحليين والدوليين لإجراء الدراسة والتقييم الشامل لوضع الإعلام في السودان ، ومن ثم رسم خارطة طريق لتطوير وسائل الإعلام في السودان.

بدأت الدراسة بالفعل، في مطلع يناير 2020م، واكتملت ملامحها بنهاية يونيو 2020م. و وسملت الدراسة والتوصيات الأولية المعنونة بـ (خارطة طريق لإصلاح قطاع الإعلام في السودان) لوزارة الثقافة والإعلام.

الهدف من خارطة الطريق لإصلاح وسائل الإعلام ، كما هو موضح في مقدمتها، “هو تحديد الثغرات والفجوات التي يجب معالجتها، وتقديم توصيات للإصلاحات السياسية والقانونية والتنظيمية وتسلسل تنفيذها”.

في مطلع سبتمبر 2020م، عقد السيد وزير الإعلام ، وقتها، مؤتمراً صحفياً [2] لاستعراض خارطة الطريق التي قدمها الخبراء، وأعلن عن قبول جميع التوصيات، بمافي ذلك مقترح إنشاء (مفوضية إصلاح الإعلام)، وفيما يتعلق بالجوانب التشريعية وإصدار القوانين الجديدة، قال ان الوزارة ستتفق مع كلية القانون بجامعة الخرطوم للتشاور بشأن قوانين الإعلام الجديدة.

من أهم التوصيات التي قدمها فريق الخبراء لوزارة الإعلام في وثيقة (خارطة طريق نحو إصلاح قطاع الإعلام في السودان) ، ما يلي:-

– إلغاء قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009م، وسن قانون جديد متسق مع المعايير الدولية.

– إلغاء قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007م وتعديلاته.

– سن قوانين لتنظيم البث.

– سن قوانين لتنظيم قطاع الإذاعة والتلفزيون.

– إلغاء مجلس الصحافة والمطبوعات.

– إنشاء مفوضية انتقالية لإصلاح قطاع الإعلام في السودان، تسمى مفوضية إصلاح قطاع الإعلام، تتشكل من خبراء في مجال الإعلام والقانون واكاديميين.

وغيرها العديد من التوصيات.

جاءت هذه التوصيات بعد دراسة معمقة لواقع الإعلام السوداني، واستغرقت عدة أشهر، كما أوضحت أعلاه، وحينما أعلن السيد وزير الإعلام قبول تلك التوصيات استبشرنا خيراً بعهد جديد يكفل حرية الصحافة والإعلام، لا سيما وإن المشروع بأكمله تقوده منظمة اليونسكو المشهود لها بطول باعها في مجال حرية التعبير… ولكن؟؟

هل اهتمت وزارة الثقافة والإعلام بتلك التوصيات المهمة؟

وهل حَرِص مكتب اليونسكو بالخرطوم على متابعة إنفاذ توصيات فريق خبراءهـ ؟

كان أول تجاهل لتوصيات فريق الخبراء، أن صدر قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2020م، بصورة لا تتماشى مع أدنى احترام لمعايير حقوق الانسان. وصدر القانون من وزارة العدل، وليس من وزارة الإعلام، وبدون أي مناقشات او مشاورات.

الخطوة المفاجئة الأخرى التي أعلنتها وزارة الإعلام بالتعارض مع توصيات فريق الخبراء كانت في ديسمبر2020م، حينما أصدر السيد وزير الثقافة والإعلام قراراً بتشكيل (اللجنة الاستشارية لإصلاح قطاع الإعلام ). وبطبيعة الحال هنالك فرق شاسع بين صلاحيات (مفوضية إصلاح قطاع الإعلام) المستقلة – التي اقترحها فريق الخبراء – وبين صلاحيات (اللجنة الاستشارية) الوزارية التي عينتها وزارة الإعلام!.

أوكل القرار للجنة الاستشارية الوزارية العديد من المهام، من بينها مراجعة وإصلاح قوانين الإعلام. وهاهي اللجنة تقدم في مطلع أغسطس 2021م، مقترح مسودات ثلاثة قوانين هي (قانون الصحافة) و (قانون حق الحصول على المعلومات) ، و(قانون الهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون).

سأقدم في هذا الجزء من التعليقات، تحليلاً [3] مختصراً لمقترح مسودة (قانون الصحافة) التي قدمتها اللجنة الاستشارية لإصلاح الإعلام ،  تتضمن تعليقات عامة بجانب توضيح جوانب النقص والقصور في المسودة، وتحديد نقاط قوتها، وتوصيات لإصلاح القانون، وفي الجزء الثاني من المقال سأقدم تعليقات على مسألة تسجيل الصحافيين والسجل الصحفي، على أن اقدم تحليل مسودة (قانون حق الحصول على المعلومات) في الجزء الثالث، وفي الجزء الرابع تحليل مقترح مسودة (قانون الهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون).

الهدف من هذه التعليقات هو أولاً  إثراء النقاش العام حول هذه المسودات، بجانب تحديد أوجه القصور والنقص التي شابتها، علاوة على لفت الإنتباه إلى أهمية مراعاة مبادئ حقوق الإنسان عند التفكير في صياغة اي قانون، لا سيما القوانين المتصلة بقطاع الإعلام، نظراً لأن قضايا الإعلام لا تنحصر أهميتها فقط في المشتغلين بحقله، بل تهم المجتمع بأكمله.

مقترح مسودة قانون الصحافة:

تتكون مسودة القانون من البنود التالية: أحكام تمهيدية، تفسير، مهمة الصحافة،  حقوق وواجبات الصحفي، المبادئ العامة لحرية الصحافة، مجلس الصحافة، سلطات المجلس ، تشكيل المجلس ومدة دورته ، شهادة.

ترقيم المسودة غير منتظم، لذلك سنضطر إلى ذكر عنوان المادة أو البند وليس الإشارة الى رقمها.

I– نظرة عامة على مسودة القانون:

– جاءت مسودة القانون في مجملها دون مستوى المعايير الدولية لحرية التعبير، وتتعارض في كثير من بنودها مع التزامات السودان الدولية بحماية الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة، وهذا الأمر ينعكس سلباً على حرية الصحافة وحرية التعبير وبالتالي على مجمل عملية الإنتقال الديمقراطي في البلاد. لأن تجارب الدول من حولنا أكدت بأنه لا ديمقراطية حقيقية بلا صحافة حرة.

II– أبرز جوانب النقص والقصور في المسودة تتلخص في النقاط التالية:-

– تؤسس مسودة القانون لنظام ترخيص للصحف المطبوعة والالكترونية، عبر متطلبات تسجيل غير مباشرة، وأخرى مباشرة.

– تؤسس مسودة القانون لنظام تسجيل للصحافيين لا يبدو عادلاً.

– تعريف (الصحفي) الذي قدمته المسودة، يعتبر تعريفاً مُقيداً وقاصراً وتمييزياً، ويتسبب عملياً في تقييد حرية التعبير والصحافة.

– أحكام الشفافية المالية المطلوب من الصحف الالتزام بها تتيح إمكانية التدخلات الحكومية لدرجة تبدو معها استقلالية وسائل الإعلام على المحك.

– تؤسس مسودة القانون لإنشاء مجلس للصحافة غير مستقل عملياً عن الحكومة.

– نطاق انطباق القانون يبدو ملتبساً.

III– نظام ترخيص الصحف:

نظام ترخيص الصحف أو أنظمة التراخيص يقصد بها أي شكل من أشكال الموافقة الحكومية على إصدار الصحف، وتؤسس مسودة القانون بشكل صريح لهذا النظام في أكثر من موقع في شكل متطلبات غير مباشرة، كما يرد في صورة متطلبات مباشرة في مواضع أخرى، وسنتناول ذلك بالتفصيل فيما يلي :

– في المادة 4 الفقرة 2، تُعرف المسودة، الصحيفة بأنها ” اي سطح يحمل كتابة أو تسجيلات تنشر دورياً للإطلاع العام ومرخص به قانوناً ….”

في نفس المادة، الفقرة 4، تنص المسودة على الآتي: “الشركة الصحفية يقصد بها الشركة المرخص لها بإصدار الصحف وفقاً لهذا القانون”

– في الجزء المتعلق بـ (صلاحيات مجلس الصحافة)، المادة 4 الفقرة (ز) تنص المسودة على الآتي: ” لا يجوز لأي صحيفة ورقية كانت أم غير ورقية، مزاولة أعمالها ما لم تقم بإخطار المجلس”.

– في الجزء الخاص بـ(سلطات المجلس) المادة (5/ب) تنص على الآتي:-

– المجلس هو الجهة التي تصدق بالعمل في مجالات الدعاية والإعلان، ومراكز الخدمات، وطباعة الصحف …).

هذه النصوص تؤسس بوضوح لنظام ترخيص الصحف، وهو مثيل – من حيث جوهره-  بالنظام القائم في قانون الصحافة والمطبوعات (2009م) الساري الآن، وسابقاته التي سنتها الأنظمة القمعية. كما ان النص المتعلق بالشركات الصحفية يؤسس لنظام ترخيص غير مباشر.

وعلى الرغم من أن المسودة لم تتناول في اي فقرات اخرى كيفية الحصول على الترخيص أو مطلوباته، لكنها أسست بهذه النصوص لنظام الترخيص للصحف الذي يعتبر أحد أكبر مهددات حرية الصحافة. ولطالما كانت هنالك جهة حكومية خولها القانون الحق في منح التراخيص للصحف، فمن البديهي أن يكون لها نفس الحق في منع الترخيص.

إن نظام الترخيص يتعارض مع الضمانات والمعايير الدولية لحرية التعبير. وقد أصدرت كثير من المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة والتعبير بيانات ومواثيق تشجب نظام الترخيص للصحافة المطبوعة، وعلى سبيل المثال فقد صدر إعلان مشترك من المقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير التابع للأمم المتحدة، والمقرر المعني بحرية التعبير في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، والمقرر المعني بحرية التعبير في منظمة الدول الأمريكية يقول:

” إن فرض نظام تسجيل محدد للصحافة المطبوعة هو أمر غير ضروري ويمكن انتهاكه، لذلك فالأفضل تجنبه. إن نظام التسجيل الذى يتيح حرية رفض الطلب، ويفرض شروطاً كثيرة على الصحافة، أو الذي تشرف عليه أجسام غير مستقلة عن سلطة الحكومة هو نظام مثير للمشاكل”  [4]

ويقول إعلان المبادئ حول حرية التعبير الذى تبنته المفوضية الافريقية لحقوق الإنسان والشعوب عام 2002م:

“إن أي نظام للتسجيل للصحافة المطبوعة يجب ألا يفرض قيوداً كبيرة على الحق فى حرية التعبير”.

وفي العام 2000م قضت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي تراقب تطبيق العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، في حكم أصدرته وقتها، ان “نظام الترخيص للصحافة المطبوعة لا يتماشى مع الحق في حرية التعبير الذي يحميه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”، والذى وقع وصدق عليه السودان.

وفي داخل القارة الأفريقية، هنالك أمثلة كثيرة  قضت فيها المحاكم على أن نظام الترخيص لا يتسق مع مبادئ حرية التعبير، وقد حكمت المحكمة العليا في زامبيا، ضد نظام الترخيص للصحافة المطبوعة، لنفس الأسباب المذكورة آنفاً.

ونظام الترخيص الذي أسست له هذه المسودة يتسند على مرجعية قوانين أخرى، مثل قانون الشركات، إذ أن المسودة تورد ان إصدار الصحف يتم فقط من خلال الشركات المسجلة والمرخص لها بإصدار الصحف، وهذا تعقيد إضافي وقيد غير ضروري على حرية الصحافة. ويندرج تحت تصنيف المتطلبات غير المباشرة، التي تحد من ممارسة حرية التعبير والصحافة.

إن حصر حق إصدار الصحف على الشركات المرخص لها، كما ورد بالمسودة، يعني ضمناً بأنه ليس للأفراد الحق في إصدار الصحف. وهذا أيضاً تقييد لحرية التعبير والصحافة، يجب مناهضته ورفضه.

تحدثنا التجارب الدولية في مجال حرية التعبير والصحافة، بأنه لا يوجد في غالبية البلدان الديمقراطية اي شكل من أشكال الموافقة الحكومية على إصدار الصحف، وحتى في البلدان التي تطلب شروط تسجيل لإصدار الصحف، لا يكون للسلطات الحكومية حق الرفض. أي أن التسجيل لا يعدو كونه مسألة فنية فقط. ويمكن أن تقوم به اي جهة مستقلة عن سلطة الحكومة.

وتعتبر شروط التسجيل والترخيص للصحف أحد أشكال الرقابة على وسائل الإعلام.

IV– مجلس الصحافة:

كرست المسودة نحو 40% من بنودها للمواد المتعلقة بمجلس الصحافة، وتأسيسه وسلطاته وصلاحياته وتشكيله ومدته.

وفيما يلي نورد البنود المتعلقة بالمجلس، ثم نعقبها بتحليل محتواها.

  • ينشأ مجلس للصحافة يكون إسمه ” مجلس الصحافة” وتكون له شخصية اعتبارية وخاتم عام وله حق التقاضي باسمه.
  • يكون مقر المجلس في العاصمة القومية الخرطوم وله أن ينشئ فروعاً في الأقاليم.
  • المجلس مستقل في أعماله وفي ميزانيته ويعمل تحت اشراف المجلس التشريعي الاتحادي ويرفع تقاريره الدورية لرئيس المجلس التشريعي الذي يحيط بها الجهاتالمختصة علماً.
  • تكون للمجلس الاختصاصات الاتية :-

(أ) حماية الحريات والحقوق الصحفية وحق الصحف في الحصول على المعلومات.

(ب) التأكد من أن المؤسسات الصحفية توفي بشروط تعاقدها مع الصحفيين وتوفر بيئة العمل الصالحة وبصفه خاصة للنساء الصحفيات والتأكد من انهن لاتتعرضن لأي ضرب من ضروب العنف ضد المرأة.

(ج) التنسيق مع كليات الاعلام لاصلاح مقرراتها الدراسية بحيث تواكب المتغيرات العالمية المتسارعة .

(دـ) أن يحاسب أي صحفي أو مؤسسة صحفية تنهك ميثاق الشرف الصحفي أو تتنكر لقواعد السلوك القويم التي يحددها ميثاق العمل الصحفي الذي تواثق عليه كافة الصحفيين ووقعوا عليه ملتزمين بإنفاذه وتحدد اللوائح الداخلية قواعد المحاسبة والعقوبات المهنية التي يمكن أن توقع.

(ه) للمجلس الحث عن توفير فرص للصحفين خرجياً وداخلياً .

(ز) للمجلس أن يفرض أي رسومعلى المؤسسات الصحفيةلمواجهة تكاليف تدريب الصحفيين.

(ع) القيام بالدراسات والتوثيق للصحافة السودانية .

اقتراح القوانين او التعديلات القانونية التي ترسخ مفهوم حرية الصحافة .

(ط) التعاون وتبادل الخبرات مع المجالس النظيرة في الدول الأخرى.

(ي) دعم جهود نقابات العاملين في الصحافة لتوفير شروط عمل مجزية وبيئة عمل جذابة.

(و) لا يجوز لاي صحيفي ورقية كانت ام غير مزاولة اعمالها ما لم تقم باخطار المجلس .

سلطات المجلس:

  • يمارس المجلس السلطات الاتية:

(أ ) يضع بالتعاون والتنسيق مع اتحاد الصحفيين السودانيين المعايير المهنية المطلوب توفرها عند إصدار الصحيفة وتضمينها في استمارة الاخطار الواردة في اللوائح.

(ب) المجلس هو الجهة التي تصدق بالعمل في مجالات الدعاية والاعلان ومراكز الخدمات وطباعة الصحف ووكالات الانباء ودور التوزيع وذلك وفق القواعد التي تحددها اللوائح التي يصدرها المجلس

(ج) يقدم المجلس العون والدعم المناسب لتسيير العمل في المؤسسات الصحفية خاصة بالنسبة لتوفير مدخلات الانتاج ومواكبة التقدم التكنولوجي.

(د) المجلس هو الجهاز المنوط به الاشراف على التزام الصحف والصحفيين بميثاق الشرف وقواعد السلوك المهني وهو الذي يتولى محاسبة ومساءلة الصحفيين والمؤسسات الصحفية في حالة إنتهاك الميثاق وقواعد السلوك والتحقيق في الوقائع والاحالة إلى مجالس المحاسبة حسب ما تنص عليه اللوائح.

(ه) إعتماد مكاتب ومراسلي الصحف ووكالات الأنباء الأجنبية العاملة في السودان وتقديم المساعدة الممكنة لها.

تشكيل المجلس ومدة دورته

(أ ) يتكون المجلس من ثمانية اعضاء يراعى فيهم تمثيل الشباب/النساء/الناشرين/الاقاليم/المهتمين بحقوق الانسان .

(ب) يتم اختيارهم من الجمعية العمومية للصحفين المسجلين .

(ج) يعتمد تشكيله رئيس المجلس التشريعي (البرلمان ) .

(د) دورة المجلس 5 سنوات لمرة واحدة فقط .

فيما يلي تحليلنا للبنود المذكورة أعلاه، والمتعلقة بمجلس الصحافة:-

أولاً: استقلالية المجلس:

تنص المسودة على الآتي: “المجلس مستقل في أعماله وفي ميزانيته ويعمل تحت اشراف المجلس التشريعي الاتحادي ويرفع تقاريره الدورية لرئيس المجلس التشريعي الذي يحيط بها الجهات المختصة علماً”.

ان الاستقلالية  المنصوص عليها في المادة أعلاه لا تعدو كونها (استقلالية صورية)، وذلك لأن المجلس كما هو مذكور في المسودة يشرف عليه المجلس التشريعي، ويعتمد تشكيله ايضاً المجلس التشريعي، ويحيط المجلس التشريعي الجهات المختصة علماً بأعمال المجلس. وبهذا يستحيل عملياً أن يكون المجلس (مستقلاً) كما نصت المسودة. إن اي شكل من أشكال التدخلات الحكومية في هيئات التنظيم الذاتي للصحافة يعتبر  طعناً بائناً في إستقلاليتها.

إذا كان لابد من وجود مجلس للصحافة، فيجب أن يكون هيئة تنظيم ذاتي، نابعة من الصحفيين أنفسهم، وليس للحكومة اي سلطة عليها. ولا تطلب منها تقارير أداء أو تطلع على أعماله.

ثانياً: اختصاصات المجلس:

الاختصاصات التي خولتها المسودة لمجلس الصحافة تتنافى مع طبيعة تشكيل المجلس، فإذا كان مجلس الصحافة لا يتمتع بالاستقلالية التامة عن سلطة الحكومة (كما بينا أعلاه) يستحيل عملياً أن يقوم بالمهام المتضمنة في بند اختصاصات المجلس، مثل: ” حماية الحريات والحقوق الصحفية وحق الصحف في الحصول على المعلومات” (المادة 4 /أ – اختصاصات المجلس).

هنالك ايضاً اختصاصات خولتها المسودة للمجلس، تكاد تكون أقرب إلى اختصاصات المراكز البحثية، وليس اختصاصات هيئة تنظيم ذاتي للصحافة، مثل : ” التنسيق مع كليات الاعلام لاصلاح مقرراتها الدراسية  ..” (المادة 4/ج- اختصاصات المجلس).

المسودة أيضاً خولت للمجلس اختصاصات تأديبية ، إذ تنص (المادة 4/د- اختصاصات المجلس) على الآتي: ” أن يحاسب أي صحفي أو مؤسسة صحفية تنهك ميثاق الشرف الصحفي أو تتنكر لقواعد السلوك القويم التي يحددها ميثاق العمل الصحفي الذي تواثق عليه كافة الصحفيين ووقعوا عليه ملتزمين بإنفاذه وتحدد اللوائح الداخلية قواعد المحاسبة والعقوبات المهنية التي يمكن أن توقع”.

هذا النص كان يمكن أن يكون مقبولاً ( إلى حد ما) إذا كان مجلس الصحافة هيئة تنظيم ذاتي فعلية وتتمتع باستقلال فعلي، ولكن طالما كان المجلس غير مستقل عن سلطة الحكومة، فلا يجب عليه القيام بأي شكل من أشكال المساءلة للصحافيين، أو الإجراءات التأديبية، وإلا تحول إلى (بوليس للصحافة).

إن المسائل المتعلقة بـ (ميثاق الشرف الصحفي، وقواعد السلوك المهني، وميثاق العمل الصحفي ..إلخ) هي في جوهرها وطبيعتها مسائل تخص التنظيم الذاتي للصحافيين، اي تخص التنظيمات المهنية والنقابية للصحفيين، ولا يجب أن يكون موضعها قانون الصحافة، وإلا تحولت إلى قيود تحد من حرية التعبير والصحافة.

ثالثاً: سلطات المجلس:

خولت المسودة للمجلس سلطات أشبه بالسلطات التأديبية.

تنص المسودة في الجزء الخاص بسلطات المجلس على ما يلي :

(المادة 5/د)-  ( المجلس هو الجهاز المنوط به الاشراف على التزام الصحف والصحفيين بميثاق الشرف وقواعد السلوك المهني وهو الذي يتولى محاسبة ومساءلة الصحفيين والمؤسسات الصحفية في حالة إنتهاك الميثاق وقواعد السلوك والتحقيق في الوقائع والاحالة إلى مجالس المحاسبة حسب ما تنص عليه اللوائح).

كما أسلفت القول، ان هذه السلطات محلها اللوائح الخاصة بهيئات التنظيم الذاتي للصحفيين، ولا يجب أن يكون موضعها قانون الصحافة. وطالما أسست مسودة القانون لهذه الصلاحيات فستتحول إلى (صلاحيات تسلطية وقمعية) أكثر من كونها صلاحيات تنظيمية. وإذا كان (ميثاق الشرف الصحفي) يضعه الصحفيين أنفسهم لماذا لا يراقبونه بأنفسهم عبر هيئة مستقلة نابعة من الصحفيين أنفسهم؟. أسوة بتجارب الكثير من الدول التي توجد لديها لجان مستقلة لتلقي الشكاوى؟

رابعاً: تشكيل المجلس:

تنص المسودة على أن المجلس ” يتكون من ثمانية أعضاء يراعى فيهم تمثيل الشباب/النساء/الناشرين/الاقاليم/المهتمين بحقوق الانسان”،

(ب) يتم اختيارهم من الجمعية العمومية للصحفين المسجلين .

(ج) يعتمد تشكيله رئيس المجلس التشريعي (البرلمان ).

هنالك مخاوف جدية بشأن طريقة اختيار أعضاء المجلس، إذ تتأسس على معايير فضفاضة وتمييزية. وعلى سبيل المثال، ماهو معيار تحديد “المهتمين بحقوق الإنسان”؟، إن هذا الشرط الفضفاض من شأن أن يطعن في شروط تمثيل العضوية. كما إن حصر اختيار عضوية المجلس على “الجمعية العمومية للصحفيين المسجلين” يعتبر معياراً تمييزاً في مجابهة الصحفيين غير المسجلين، ويفتح النقاش مجدداً حول مدى مشروعية السجل.

إن وضع معايير فضفاضة و(خلافية ومثيرة للجدل)  لاختيار عضوية مجلس الصحافة يبين نوايا الحكومة وسعيها للسيطرة على قطاع الإعلام. وليس هنالك دليل أوضح من قرار وزير الإعلام بتعيين أمين عام جديد لمجلس الصحافة والمطبوعات، قبل اسبوع من طرح مسودات القوانين للنقاش.

تبين التجارب الديمقراطية في العالم، وفي البلدان التي تحترم حرية الصحافة، إن هيئات التنظيم الذاتي للصحافة هي في الأساس هي هيئات (مستقلة) و (طوعية)، ولها عدد من الأشكال مثل (مجالس الصحافة) و(مفوضو تلقي الشكاوى) وغيرها من الأشكال التنظيمية. وفي البلدان التي توجد لديها مجالس صحافة، يكون لهذه المجالس في الغالب الأعم ثلاثة أشكال:-

– مجالس تتكون من الناشرين والصحافيين والمؤسسات الصحفية.

– مجالس تتكون من جمهور قراء الصحف وشخصيات عامة ليست لها خلفية صحفية.

– مجالس يرأسها محامون .

وليس لهذه المجالس أي سلطات أو صلاحيات مكرسة بالقانون. وتعمل في الغالب الأعم على تعزيز آداب المهنة وترقية السلوك المهني، والنظر في تجاوزات الصحافة من خلال آليات غير قضائية، تكاد تشابه حالة (الجودية) في المجتمع السوداني.

في دول اخرى، تسمى هيئات التنظيم الذاتي بـ (مفوض تلقي الشكاوي) ويكون لكل صحيفة مفوض خاص بتلقي شكاوي القراء، ويقوم المفوض بالنظر في الشكاوي وتقديم ملاحظات بشأنها للمحررين، ويكون المفوض في العادة أستاذ جامعي لمادة الصحافة.

هدفنا من استعراض تجارب مجالس الصحافة في دول العالم، لنؤكد على أن مجالس الصحافة يجب أن تكون هيئات مستقلة وطوعية، ولا يكرس لها القانون اي سلطات وصلاحيات.

وفي هذا الصدد نقترح مجدداً أن تلتزم وزارة الإعلام، والمجتمع الصحفي بتوصيات فريق الخبراء التي أوصت بإلغاء مجلس الصحافة كلياً.

V– تعريف الصحفي:

تُعرِّف المسودة (الصحفي) بأنه : ” أي شخص مؤهل يمتهن مهنة الصحافة ويمارسها كعمل دائم ومسجل في سجلات المهنة ويدخل فى ذلك المراسلون والمحللون المتفرغون واصحاب المدونات الالكترونية “.

هذا التعريف غير عادل، لكونه يكرس إلى التمييز بين (الصحفيين المسجلين) وغيرهم، وبهذا فهو يحرم فئات من المجتمع من ممارسة حقهم في حرية التعبير والوصول إلى الصحافة. كما انه يخلق وضعاً تمييزاً بين منسوبي المهنة الواحدة ويعمق الإنقسامات بينهم. إن التعبير عن الذات عبر وسائل الإعلام هو حق مكفول لكل شخص بموجب القانون الدولي، ويجب أن يكون تعريف (الصحفي) بأنه:

“أي شخص طبيعي أو اعتباري يعمل بشكل منتظم أو مهني في جمع ونشر المعلومات إلى الجمهور عبر أي وسيلة من وسائل الاتصال”.[5]

وسنتناول لاحقاً في مقال منفصل مسألة تسجيل الصحافيين.

VI– أحكام الشفافية المالية:

تحت بند بعنوان (حقوق وواجبات الصحفي) ، تنص المادة (9) على الآتي:- “تلتزم جميع المؤسسات الصحفية بنشر ميزانياتها السنوية المراجعة خلال فترة أقصاها ستة أشهر من تاريخ نهاية السنة المالية على أن تكون مراجعة بواسطة مراجع قانوني وتقدم النسخة للمراجع العام لتفحصها ويقدم تقريراً عنها لرئيس البرلمان”.

وتنص المادة (7) على الآتي: ” يحظر على الصحفي أو الصحيفة قبول تبرعات أو إعانات أو مزايا خاصة من جهات محلية أو أجنبية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، كما يحظر على الصحفي أو الصحيفة أن تتلقى من جهات حكومية أي معونات مالم تكن جزءاً من إعانات عامة ومعلنة ومطبقة على الجميع بكامل الشفافية”.

بلا شك إن أحكام الشفافية المالية مطلوبة، ولكن هل هذه الشروط منطبقة على المؤسسات الأخرى أم على المؤسسات الصحفية فقط؟، ولماذا على المؤسسات الصحفية دون سواها؟.

ان التمويل الأجنبي للمؤسسات الإعلامية في بلد مثل السودان يساعد بصورة كبيرة في تطوير وتحديث تلك المؤسسات وبناء قدرات منسوبيها. ولعل الدليل الأوضح والأقرب إلى الأذهان في تبرير مقبولية التمويل الأجنبي لوسائل الإعلام، هو التمويل الكبير الذي تلقاه التلفزيون الرسمي للبلاد من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) بمئات الآلاف من الدولارات، ولم يكن في ذلك غضاضة. فهل تقييد قبول التمويل الأجنبي للمؤسسات الصحفية يرمي إلى منع الإستثمارات الأجنبية في مجال تطوير البنية التحتية لوسائل الإعلام المطبوعة/المستقلة؟.

إن الأحكام المتعلقة بالإشراف المالي على المؤسسات الإعلامية يبدو أنها تستهدف فرض سلطة الحكومة على كل جانب من جوانب الإعلام المطبوع.

وفي التجارب الدولية بهذا الخصوص، هنالك بعض الدول تضع بعض القيود على الملكية الأجنبية لوسائل الإعلام المطبوعة وذلك إلى الحد الضروري لضمان أن تبقى الصحافة ذات طبيعة محلية وأن يكون للجمهور وصول إلى المعلومات والأفكار النابعة من مجتمعهم الخاص، لكن الحظر الواسع على كافة أنواع المساعدات الأجنبية يتجاوز بكثير تلك الغاية.[6]

المسألة الأخرى، هي ما يتعلق بنشر ميزانيات الصحف، يعتبر هذا النص شرطاً يسمح بفرض المزيد من التدخلات الحكومية في المسائل الإدارية والمالية الخاصة بالمؤسسات الصحفية.

ولا يوجد مبرر لأن يشترط القانون على وسائل الإعلام  أن تنشر ميزانياتها وحساباتها. وتبين تجارب معظم الدول في هذا الشأن، أن تُعطى صلاحيات تفتيش سجلات الشركات للجهات الاعتيادية المعنية بإنفاذ القانون مثل الشرطة أو مسجل الشركات وتمارس تلك الصلاحيات فقط إذا كان هناك أسباب خاصة تدعو للاعتقاد بوجود أي ممارسات غير سوية. [7]

VII– حقوق وواجبات الصحفي:

تحت بند (حقوق وواجبات الصحفي)، تنص المسودة على الآتي:-

4-    ” يلتزم الصحفي بمبادئ القواعد والسلوك السليم الواردة في ميثاق الشرف الصحفي ويتعرض الصحفي للمساءلة والمحاسبة في حالة إنتهاكه لتلك القواعد حسب ما هو مبين في اللائحة”.

6-”   يلتزم الصحفي والصحيفة بتصحيح أي مادة نشرت واتضحت عدم صحتها على أن يتم تصحيحها إما من الصحيفة بمحض اختيارها أو استجابة لشكوى من الشخص المتضرر على أن ينشر التصحيح خلال ثلاثة أيام من تاريخ النشر ويكون النشر في نفس المكان من الصحيفة وبنفس حجم الحرف على ألا تتجاوز مساحته ضعف حجم المادة المنشورة ويجوز للصحيفة أن تمتنع عن النشر إذا جاء بعد شهرين من تاريخ نشر المادة المشكو منها،أو إذا كان قد تم تصحيحه أو إذا كان التصحيح ينطوي على مادة تشكل جريمة”.

وتنص المادة (8) على الآتي:  ” لايجوز للصحفي أن يعمل في جلب الإعلان أو أن يحصل على أي مزايا أو مبالغ أو عمولات مباشرة أو غير مباشرة عن نشر الاعلان كما لا يجوز أن يوقع بإسمه على اعلان وأي انتهاك لهذه القاعدة يعرض مرتكبه للمساءلة والمحاسبة“.

كما أسلفنا القول، إن أحكام الإلتزام بالسلوك المهني القويم، واحترام ميثاق الشرف الصحفي ومدونة السلوك مكانها الصحيح هو لوائح هيئات التنظيم الذاتي للصحفيين، وليس القانون. وحالما نص عليها القانون فستتحول تلقائياً إلى قيود معيقة لحرية التعبير والصحافة، وذلك لأن مسودة القانون نصت على عبارة (مبادئ القواعد والسلوك السليم)  بشكل فضفاض ولم تحدد بالتفصيل ماهي مبادئ القواعد والسلوك السليم، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام تأويلاتها. ولم تذكر المسودة ما هي (اللائحة) التي نص عليها، وهل هي موجودة بالفعل أم لا؟.

علاوة على ذلك ، فقد نصت المسودة على أن الصحفي الذي يخالف (مبادئ القواعد والسلوك السليم) … (يتعرض للمساءلة والمحاسبة) وكذلك نصت على ان الصحفي الذي يتعامل في جلب الإعلانات (يتعرض للمساءلة والمحاسبة) إلا إن المسودة لم تذكر هوية الجهة التي تسائل الصحفي وتحاسبه في حال مخالفته!.

إن (ميثاق الشرف المهني) أو (مدونة السلوك) هي بطبيعة الحال مواثيق اختيارية تكتبها وتلتزم بها (طوعاً) أجسام التنظيم الذاتي للصحفيين، ويتبع الصحفيون ما يرونه مناسباً منها، طوعاً دون إكراه قانوني. ما دون ذلك، فإن اي محاولة من الحكومة لوضع معايير سلوك أو قواعد سلوك معينة وفرضها بالقانون يعتبر تدخلاً في حرية التعبير، ويعتبر أمراً غير ضروري في المجتمع الديمقراطي.

VIII– المبادئ العامة لحرية الصحافة:

تحت بند (المبادي العامة لحرية الصحافة) تنص المسودة على الآتي:-

1–    تمارس مهنة الصحافة بحرية واستقلالية وفقاً للدستور .

2-    يمنع مصادرة الصحف او ايقافها او اغلاق مقارها الا بأمر قضائي صادر من محكمة مختصة .

3-    يمنع على السلطة التنفيذية فرض رقابة قبلية او بعدية على الصحافة .

4-    تعتبر جميع المواد والقوانين والبرتكولات المذكورة ادناه جزء لا يتجزء من هذا القانون :

أ‌-    المادة 19 من الاعلان العالي لحقوق الانسان لسنة 48

ب‌-   قرار الامم المتحدة الخاص بحماية الصحفين لسنة 2015م

ت‌-   برتوكولات اليونسكو .

ث‌-   مشروع الاعلان العالمي لحماية الصحفين .

ج‌-   القوانين الدولية لحماية الصحفين فى زمن السلم والحرب.

تعليقاً على هذه المبادئ، نشير إلى أنه من الناحية الإجرائية والمنهجية، يفضل أن تكون هذه المبادئ في صدر القانون أو الديباجة. مع شريطة أن تُعلن صراحةً إن الهدف من القانون هو تعزيز حرية التعبير والصحافة، وإن غاية القانون هو إلغاء كافة أشكال الرقابة وتحقيق الحرية لوسائل الإعلام، وفقاً للمعايير والمبادئ الدولية للحق في حرية التعبير.

علاوة على ذلك، فإن هذه المبادئ ذات طابع دستوري، إذ يجب أن يتضمنها الدستور، وليس قانون الصحافة، وقد بينت التجارب السودانية في مضمار الصحافة إن الصحافة مقيدة ومحكومة بالعديد من القوانين الأخرى خلاف قانون الصحافة، فالصحف تصادر بموجب قانون الأمن الوطني، والصحافيون يتعرضون للملاحقات القضائية بموجب القانون الجنائي، وقانون جرائم المعلوماتية، وأثبتت تجربتنا طوال الفترة الإنتقالية 2005 – 2011م إنه حتى الضمانات ذات الطابع الدستوري لم تسلم من الإنتهاكات. [8]

إن هذه المسودة ذات طابع عادي تتساوى في وضعها القانوني مع بقية القوانين السارية في البلاد، ولا تسمو عليها. ولم تنص على أنها يمكن أن تلغي القوانين الأخرى المتعارضة معها، أو السابقة لها. لذلك فإن هذه المبادئ مكانها الصحيح هو الدستور.

نصت المسودة على أن (المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948م) تعتبر جزءاً لا يتجزأ من هذا القانون) ، ويبدو ان المشرع يقصد المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. لأن الإعلان بطبيعته غير ملزم قانوناً، بينما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يلزم الدول الأطراف فيه بالتزامات قانونية معينة.

IX – مهمة الصحافة:

تحت بند (مهمة الصحافة) نصت المسودة على الآتي:-

مهمة الصحافة:”

  • نشر المعرفة ونقل الاخبار والمعلومات تنويراً للجمهور .
  • توفير منبر للحوار الوطني الخلاق .
  • تجميع وتحليل الاراء والاخبار وتقديمها للجمهور .

صنع راي عام ايجابي تجاه قضايا الحريات والسلام والعدالة والتحرر ونبذ العنف وخطاب العنصرية والكراهية”.

من المعروف بداهةً، انه ليس من مهام الصحافة خلق رأي عام (إيجابي) أو (سلبي) ، إنما مهمة الصحافة الحرة هي نقل الأخبار والعمل كرقيب على أداء الحكومة.

إن محاولة توجيه الصحافة إلى الاهتمام بقضايا معينة دون سواها، سيخلق على المدى البعيد صحافة خاضعة لسطان الحكومة. وللصحافة السودانية تجارب كثيرة وقاسية في هذا الطريق، منذ (صحافة الإتحاد الإشتراكي) إلى (صحافة ساحات الفداء). يجب أن يتجنب المشرع محاولات توجيه الصحافة الى قضايا معينة، مهما كانت عدالة القضايا. فالصحافة الحرة تعرف طريقها دون توجيه.

X –  نطاق انطباق القانون يبدو ملتبساً:

مسودة القانون تحمل بين سطورها الكثير من الإلتباس، إذ تخلط ما بين الصحافة المطبوعة والإلكترونية، وتحاول أن تدرج مواثيق الشرف ضمن نطاق القانون، وتخلط ما بين الإلتزامات القانونية والإلتزامات الأخلاقية، وإلى حد ما بين التصحيح وحق الرد. يجب التفريق بين هذه المسائل.

XI – إيجابيات مسودة القانون:

– المسودة نصت على إستقلالية الصحافة.

– المسودة نصت على منع مصادرة الصحف وإغلاقها وإيقافها.

– المسودة نصت على منع الرقابة.

– المسودة نصت على حماية مصادر معلومات الصحفي.

هذه الإيجابيات يمكن تطويرها،  لكن بشكلها المنصوص عليه في المسودة الراهنة يستحيل عملياً تطبيقها.

XII – قضايا لم يتطرق لها القانون:

تعزيز تعددية وسائل الإعلام وتنوعها.

– الحصول على المعلومات.

– مناهضة تركيز الملكية.

– الحق في الخصوصية.

– مناهضة العقوبات الجنائية.

– الحد من التدخلات الحكومية.

XIII – التوصيات:

في سبيل المساهمة في إصلاح قانون الصحافة، نوصي بالآتي:-

1- نظام ترخيص الصحف:

– إلغاء اي إشارة تكرس إلى نظام ترخيص الصحف ووسائل الاعلام، وإلغاء المواد التي تتناول متطلبات التسجيل والترخيص المباشرة وغير المباشرة.

2- تعريف (الصحفي):

– يجب أن يكون تعريف (الصحفي) كالآتي: “أي شخص طبيعي أو اعتباري يعمل بشكل منتظم أو مهني في جمع ونشر المعلومات إلى الجمهور عبر أي وسيلة من وسائل الاتصال”.

3- مهمة الصحافة:

يجب أن ينص القانون على أن مهمة الصحافة هي نقل الأخبار والعمل كرقيب على أداء الحكومة.

4- حقوق وواجبات الصحفي:

– حذف البنود والعبارات التي تتناول مواثيق الشرف ومدونات السلوك والواجبات المهنية باعتبارها تقع في صميم آليات التنظيم الذاتي ، وليست التزامات قانونية.

– إضافة بنود تتعلق بحق الصحفي في الحصول على المعلومات من الهيئات والمؤسسات العامة.

– إضافة بنود تتعلق بحماية الصحفيين وسلامتهم البدنية والنفسية.

5- أحكام الشفافية المالية:

– إلغاء الأحكام المالية المقيدة وغير الضرورية.

– حذف البنود المتعلقة بنشر ميزانيات الصحف.

– حذف البنود التي تحظر قبول التمويل من جهات خارجية.

6- التصحيح و الرد:

يفضل أن تكون مسائل (التصحيح والرد) ضمن لوائح هيئات التنظيم الذاتي للصحافة، وتُحذف الفقرة من مسودة القانون. وأيضاً جميع الإشارات إلى مواثيق الشرف الصحفي أو قواعد السلوك المهني يجب أن تحذف ، لأن مكانها لوائح هيئات التنظيم الذاتي.

 7- المبادئ العامة:

يجي أن تُعلن المبادئ العامة صراحةً إن الهدف من القانون هو تعزيز حرية التعبير والصحافة، وإن غاية القانون هو إلغاء كافة أشكال الرقابة وتحقيق الحرية لوسائل الإعلام، وفقاً للمعايير والمبادئ الدولية للحق في حرية التعبير.

8- مجلس الصحافة والمطبوعات:

– إلغاء مجلس الصحافة.

9- نطاق القانون:

يجب أن يتم تحديد نطاق انطباق القانون بوضوح.

ختاماً، أود أن أشير الى ان الهدف من هذه التعليقات هو إثراء النقاش العام حول مسودات قوانين الإعلام، والمساهمة في إصلاح قوانين الإعلام بالبلاد من أجل مستقبل أفضل لحرية الصحافة والتعبير  ومستقبل الديمقراطية في بلادنا، فلا ديمقراطية حقيقة بدون صحافة حرة.

—————-

* عبد القادر محمد عبد القادر/ جامعة الخرطوم.

– صحافي، باحث في مجال حرية التعبير وحقوق الإنسان.

– زميل معهد ستانفورد للديمقراطية والتنمية وحكم القانون.

[1]  – المؤشرات وشرح طريقة العمل بها متاحة على الرابط التالي:

http://www.unesco.org/new/fileadmin/MULTIMEDIA/HQ/CI/CI/pdf/IPDC/guidelines_mdi_final_arabic.pdf

[2]  – تغطية المؤتمر الصحفي، على الرابط: https://suna-sd.net/read?id=690446

[3]  – يستند التحليل على إطار مرجعي طورته منظمة المادة (19) من خلال ممارساتها ومسيرة عملها الطويلة في مجال مناهضة الرقابة ودعم حرية الصحافة والتعبير.

[4]  – الإعلان المشترك، 18 ديسمبر 2003م

[5]  منشورات منظمة المادة (19).

[6] – منشورات منظمة المادة (19)

[7] – منشورات المادة (19)

[8] –  قضية مسارات ( ثلاثة صحف ترفع دعوى دستورية ضد جهاز الأمن والمخابرات)



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: