عن المشروع الجديد لقانون الصحافة




بقلم : العبيد أحمد مروح

(1)

JPEG - 27.1 كيلوبايت
العبيد مروح

يأتي هذا المقال مساهمة في النقاش والرأي الذي طلبه السيد وزير الثقافة والإعلام، حمزة بلول، في الثاني من أغسطس الجاري عندما أعلن طرح وزارته ثلاثة مشروعات قوانين لتنظيم العمل الإعلامي في السودان، للتداول العام، وهي قانون للصحافة وقانون هيئة الإذاعة والتلفزيون وقانون حق الحصول على المعلومات.

وهذا المقال مخصص لمشروع قانون الصحافة؛ لكني قبل الدخول في التفاصيل أود التنويه بخطوة السيد الوزير والإشادة بها، وآمل أن تتبنى كل من الإذاعة القومية والتلفزيون القومي، ووكالة السودان للأنباء (الملغية) سلسلة حلقات نقاش عن مشروعات القوانين هذه، وأن تحرص على استضافة مختلف أصحاب المدارس والآراء، فبهذا وحده تكون خطوة الوزارة ذات معنى.

وكتعليق عام، فإن من يقرأ مشروع قانون الصحافة لسنة 2021 يصاب بالدوار، خاصة من يبحث عن “الهوية المهنية أوالفلسفة التشريعية أوالرؤية السياسية” خلف مشروع القانون، فهو فضلاً عن كونه يفتقد لحسن التبويب وترتيب الفصول والمواد، نجده قد جمع بين متناقضات يصعب الجمع بينها، فهو تارة مع التنظيم الذاتي للمهنة وتارة مع تدخل السلطة التنفيذية في أدق تفاصيل العمل الإعلامي، وهو أحياناً مع الجندرة وأحياناً ضدها وأحياناً مع صحافة الأنظمة الشمولية وأحياناً مع صحافة النظام الديمقراطي. حتى أنني ولكثرة تناقضاته تصورت أن لجنة الخبراء التي قيل إنها أعدته، ستتبرأ منه، كلياً أو جزئياً.

(2)

هناك أربع قضايا تكتسب أهمية خاصة في هذا النقاش، وسيكون في تكثيف النقاش حولها والوصول إلى خلاصات وتوافقات بشأنها، أفضل تأسيس لهوية مشروع القانون؛ أول هذه القضايا ما إذا كانت هناك حاجة أصلاً لسن قانون للصحافة، وثانيها إعادة التذكير بطبيعة مهنة الصحافة ودورها الذي يفترض أن تلعبه في المجتمع، وثالثها تحديد مَن هو الصحفي وماذا تعني حريته، ورابعها كيف يخضع الصحفي المخطئ للمساءلة وبأي قانون وما هي الجزاءات التي يمكن أن تقع عليه.

يجمع المعنيون على أهمية أن يتم تنظيم مهنة الصحافة كغيرها من المهن، سواء في الأنظمة الديمقراطية أو في الأنظمة الشمولية، لكنهم يختلفون حول كيفية هذا التنظيم، فهناك من يرى أن تترك الصحافة وشأنها لكي تنظم نشاطها وعلاقاتها بغيرها من السلطات ذاتياً من خلال المواثيق المهنية، وهناك من يرى ضرورة لتنظيم عمل الصحافة من خلال قوانين خاصة لجملة من الأسباب قد نأتي على ذكرها عرضاً. والمحدد الأساسي في هذا الوضع هو طبيعة النظام السياسي القائم، في أي بلد، وطبيعة المجتمعات المحكومة؛ وهنا تأتي أهمية الرؤية السياسية المدركة لطبيعة المجتمع.

(3)

وما دمنا في السودان نتحدث عن انتقال سياسي نحو الديمقراطية، في أعقاب “ثورة” كانت أبرز شعاراتها “الحرية والسلام والعدالة” فإن أي قانون لا يؤمّن على الحرية كقيمة أساسية ينبغي أن تتمتع بها وسائل الإعلام العمومية والخاصة، ويعترف ب/ ويحمي دورها في مراقبة أداء السلطة الانتقالية إنابة عن المجتمع، ولا يدرك أهمية وخطورة الدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام في تعزيز الإنتقال الديمقراطي، يكون قانوناً فاقداً للرؤية السياسية.

على أن ممارسة الحرية والتمتع بها لا يكون في مجتمع افتراضي، وعليه وفي ذات الوقت تستلزم الرؤية السياسية أن يدرك الجميع، سلطة وصحافة، أننا وطن ومجتمع لم يخرج بعد من حالة الحرب الأهلية التي ظلت تدور في عدد من أجزائه لأكثر من خمسة وثلاثين عاما، وأن وسائل الإعلام وبالقدر الذي يمكن أن تسهم فيه في تعزيز السلام ورتق النسيج الإجتماعي، يمكن أيضاً أن تكون سبباً في فتق ذلك النسيج وصب الزيت على نار الصراعات الأهلية. إضافة إلى أن حالة الانتقال في حد ذاتها، وحالة التشظي المجتمعي والخوف من تفشي خطاب الكراهية الذي تنظم له الحكومة وبعثة الأمم المتحدة الندوات والسمنارات، والمخاطر الإقليمية التي تحيط بالسودان، كلها، ضمن عوامل أخرى، تتطلب التدرج في السير نحو مرحلة التنظيم الذاتي الذي تضبطه مواثيق ممارسة المهنة وحدها؛ بحيث تكون تلك الخطوة في نهاية فترة الإنتقال.

إذن هناك حاجة إلى قانون يتأسس على قيم الحرية ويرعى الممارسة المهنية لينظم نشاط الصحافة والصحفيين خلال الفترة الإنتقالية، قبل أن ينتقل المجتمع الصحفي إلى مرحلة التنظيم الذاتي؛ والمعادلة المطلوبة هنا هي كيف يمكن للسلطة الإنتقالية وللمجتمع الصحفي أن يتفقا على صيغة تراعي هذا الوضع المؤقت، يتنازل فيها المجتمع الصحفي عن بعض النوافل من الحريات وتلتزم فيها السلطة بعدم المس بالفروض والواجبات.

(4)

يخلط الكثيرون بين ممارسة حرية التعبير وبين ممارسة مهنة الصحافة، للدرجة التي يعتقد فيها بعض من يمارسون حقهم في التعبير بصورة منتظمة أنهم صحفيين، ويزداد هذا الأمر تشويشاً في زمن وسائل التواصل الإجتماعي الذي نعيشه وما بات يعرف بصحافة المواطن.

والحقيقة أن الصحافة (مهنة) لها أصولها مثلها في ذلك مثل مهنة الطب والهندسة والمحاماة وغيرها، وتتطلب ممارستها تأهيلاً أكاديمياً وتدريباً مهنياً ورصيداً معرفياً، وهي ليست (حرفة) كالنجارة والحدادة والزراعة والرعي لا تتطلب بالضرورة ذلك النوع من التأهيل، لكن ممارسة الصحافة والتفوق فيها يحتاج – في ذات الوقت -متطلبات فوق التي أشرنا إليها بخصوص المهن الأخرى؛ لكونها من ناحية تتصل بالموهبة والإبداع، ومن ناحية أخرى بقضاء الحريات العامة والحق في التعبير.

ولهذا فإن تعريف الصحافة في القانون الجديد ينبغي أن يركز أكثر على الوظيفة التي تؤديها في المجتمع، وهي وظيفة تجمع بين الدور الرقابي الذي تقوم به كسلطة خامسة، تراقب أداء السلطات الأربع الأخرى (التشريعية والتنفيذية والقضائية والمجتمع المدني) وتتضابط معها، والدور الحقوقي -الخدمي المتمثل في كونها وسيلة المجتمع في الحصول على حقه في المعرفة وتلقي وتداول المعلومات وحقه في التعبير.

وبطبيعة الحال فإن هذه الأدوار من الأهمية والخطورة بحيث لا ينبغي أن تترك ممارستها بلا أسوار تقيها تغول السلطة التنفيذية وتحمي حقوق وكرامة العاملين فيها، وفي نفس الوقت تحمي المجتمع من استغلالها للإضرار به. وبهذا المفهوم فإن الصحافة بحاجة إلى نصوص دستورية وقانونية تمكنها من القيام بدورها، وإلى “أجسام” وسيطة بينها وبين المجتمع تنظم أداءها وتضبطه، سواء أكان هذا التنظيم ذاتياً أو من خلال قوانين تسنها السلطة التشريعية.

(5)

أما تحديد من هو الصحفي فيكتسب نفس أهمية تعريف دور الصحافة، فالصحفي – مهنياً – هو الشخص المؤهل علمياً ومعرفياً وأخلاقياً لتمكين المجتمع من ممارسة حقه في الحصول على المعلومات وحقه في التعبير وممارسة دوره في الرقابة على السلطة التنفيذية على وجه التخصيص، وكلمة أخلاقياً هنا مقصودة في حد ذاتها لأن الشخص الذي صدرت في حقه إدانة قضائية نهائية، في جريمة مخلة بالشرف والأمانة، لا ينبغي له ممارسة مهنة كالصحافة؛ لكن تعريف الصحفي – إجرائياً – يحتاج إلى ضبط أكثر، فالأدوار المذكورة يمكن أن يقوم ببعضها أيضاً أصحاب مهن أخرى ، عبر وسائل التواصل الاجتماعي في زماننا هذا.

إن تعريف من هو الصحفي وفقاً للمواثيق المهنية، على المستويين الإقليمي والدولي، ينطبق على الأشخاص الذين يقومون بمهمة البحث عن المعلومات التي تتعلق بالمصلحة العامة وتهم الرأي العام، وفق الأسس المهنية، ويقومون بنشرها عبر وسيلة الإعلام التي يعملون فيها، وفق القوالب المعروفة. وعادة ما كان يعمل هؤلاء الأشخاص في الصحف الورقية ووكالات الأنباء وفي الإذاعات والتلفزيونات. وفي عصر الوسائط المتعددة الذي نعيشه الآن أضيفت “أسطح” وقوالب لا حصر لها لنشر المعلومات أبرزها وسائل التواصل الإجتماعي. وقد أدخل هذا التطور المذهل عدة إشكالات تتعلق بتعريف “من هو الصحفي، وما هي وسيلة الإعلام” وهذا ما يحتاج ممن وضعوا مشروع القانون الجديد لاجتهاد ونقاش أكثروأعمق.

وخلاصة القول في هذا الشأن هي أن تعريف الصحافة وتعريف الصحفي، الواردين في مشروع القانون، بحاجة إلى مراجعة وتدقيق أكثر، حفظاً لحدود المهنة من ألا يتسورها مَن هم غير مؤهلين لممارستها، وحفاظاً على حقوق العاملين فيها، كما أنه يلزم الجسم الذي يمثل الصحفيين (الإتحاد) أن يفرق بين الصحفي المحترف والصحفي المنتسب والصحفي تحت التمرين أو التدريب، ذلك أن المحامي أو الطبيب أو المهندس – مثلاُ – لا يصبح محامياً أو طبيباً أو مهندساً ممارساً للمهنة بمجرد نيله المؤهل الأكاديمي في التخصص المعني، وإنما تلزمه سلسلة من الممارسات والمؤهلات الإضافية التي يتعين عليه إنجازها واجتيازها بنجاح حتى يصبح ممتهناً للطب أو المحاماة أو الهندسة، وكذلك ينبغي أن يكون الحال بالنسبة للصحفيين.

(6)

القضية الرابعة والأخيرة هي قضية محاسبة أو محاكمة الصحفيين، وهي قضية شائكة ظلت تؤرق المجتمع الصحفي طوال الأعوام الـ (32) الماضية لأكثر من سبب. فالصحفي وفق القوانين السارية الآن يحاسب لمخالفته قانون الصحافة وقانون المعلوماتية والقانون الجنائي العام، وكان يحاسب فوق ذاك بقانون جهاز الأمن والمخابرات والآن أصبح يحاسب بقانون لجنة إزالة التمكين؛ والصحفي يمكن أن يتعرض للسجن أو الغرامة أو العقوبتين معاً لمخالفته أياً من هذه القوانين، ويمكن أن يستدعى للمحاكمة من نيالا أو بورتسودان، على سبيل المثال، إلى الخرطوم، طوال فترات جلسات القضية، والعكس صحيح، في الوقت الذي يمكن أن تنتهي فيه القضية إلى الشطب والبراءة (!!)

هذا التطفيف يجب أن يتوقف، قولاً واحداً، ويجب أن ينص في قانون الصحافة الجديد بشكل صريح على أن الصحفي يجب ألا يتعرض للمساءلة، في قضايا النشر، إلا وفقا لقانون واحد، ويجب أن تحسم القضايا الإجرائية المتعلقة بسير قضايا النشر بشكل يحقق روح العدالة لا شكلها فقط. وفي كل الأحوال يجب ألا يكون السجن هو أحد العقوبات التي يمكن أن يوقعها القاضي على الصحفي في حال إدانته في قضية نشر.

هذا لا يعني أن الصحفي هو ملاك في هيئة إنسان، ولا أنه شخص فوق القانون، لكن في نفس الوقت لا بد أن تؤمن له الحصانة التي تعطي حريته معنى كي يقوم بواجبه كما ينبغي، فإن تم هذا، فسيكون السودان حقق اختراقا فعلياُ في قضايا ومعايير حرية الصحافة، وإلا فسنكون استبدلنا حاج أحمد بأحمد.

كاتب صحفي وسفير سابق *





مصدر الخبر موقع سودان تربيون

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: