(قضية المناصير) .. محنة بلد لا حدو


تقرير: عمر حسين النور
كما قال شاعر الشمال كمال حسن عند غرق أطفال المناصير في بحيرة سد مروي “محنة دار قمر.. محنة بلد لا حدو” تظل قضية دار قمر “ديار المناصير” المهجرين بسبب سد مروي قضية تهز وجدان الإنسانية فكل ذنبهم أنهم ارادوا مجاورة النيل واختاروا ان تكون إعادة توطينهم في الخيار المحلي حول بحيرة السد ولم يكونوا يدرون ان اختيارهم مجاورة النيل سيجعلهم “المغضوب عليهم” من سدنة النظام البائد و”الضالين” في نظر حكومة الإنقاذ..
تهميش المناصير لم يكن صدفة أو خبط عشواء بل تم عن وعي تام ودراسات مسبقة تم تنفيذها لإجبارهم على مغادرة المنطقة إلى مناطق اختارها القائمون على أمر السد من واقع أن الأرض حول البحيرة قبلة للاستثمار ويمكن أن تدر ذهباً وكانت الحكومة تخطط لطرحها على جهات أجنبية للاستثمار فيها بيد أن اصرار المناصير على الخيار المحلي أفشل تلك الخطط فكان أن تمت معاقبتهم على ذلك بمنع الخدمات.
واقع
تمسك المناصير بالخيار المحلي جعلهم يعيشون الكفاف بلا أدنى مقومات للحياة فرغم انهم ضحوا بأرضهم لقيام السد الذي يهب الكهرباء لغالبية أهل السودان منعوا من مد الشكبة إليهم.. ورغم أن قراهم كانت تحوي مدارس عدة إلا انهم منعوا من تشييد أي مدرسة ولم تهتم الدولة ببناء مستشفى لهم أو مركز صحي بل حتى الاتصالات كانت ترفًا بعيد المنال بالنسبة لهم.. ومع ظلم الإنسان ظلمتهم الطبيعة نفسها فواقعة غرق 22 من تلاميذ الأساس الذين كانوا في رحلة صباحية لمدرستهم عبر قارب محلي هزت كل السودان لكن الغرق في مياه البحيرة لم يكن المأساة الوحيدة فلدغات العقارب ظلت تحصد ارواح أطفالهم كل عام ولم يسلم منها حتى طفل لم يبلغ عمره أربعين يوماً وصل إليه عقرب في مهده وأوسعه لدغاً ولم يتركه إلا جثة هامدة.
اهتمام
الأسبوع الماضي انعقد اجتماع مجلس المتأثرين برئاسة محلية البحيرة بمنطقة الطوينة وخاطبت الجلسة الافتتاحية للاجتماع والي نهر النيل آمنة أحمد محمد أحمد المكي أن قضية المتأثرين وجدت إهمالا كبيراً من الحكومات السابقة عن قصد لتهجير المتضررين إبان العهد البائد، وأضافت أن حكومة الثورة لن تسير على نهج الفاسدين والمجرمين، ولفتت إلى أن حكومتها تضع كل اهتمامها نحو توفير الخدمات الأساسية للمواطنين مبينة أنها أولت محلية البحيرة اهتمامًا أكبر ونظرة استثنائية باعتبار أن المحلية تفتقر لأدنى الخدمات الضرورية، وأكدت التزام حكومتها بتوفير كل المدخلات الزراعية للعروة الشتوية لمشروعات الخيار المحلي من تقاوي وجازولين وأسمدة، مبينةً أنها أنفقت ما يقارب ٧٠٠ مليون لعمليات التطهير وإكمال البنيات التحتية للمشروعات، وأشارت لشروع الحكومة في إجراء دراسة لكهربة المشروعات الزراعية سواء عن طريق الطاقة الشمسية أو ربطها بالشبكه القومية، وشددت على التزامها بمجانية التعليم بالكامل في كل أنحاء الولاية وتعهدت بإكمال الهيكل الوظيفي لإدارات محلية البحيرة حتى تضطلع بدورها في خدمة المواطن.
الصحة
وبما أن توفير الخدمات الصحية لمواطني ديار المناصير تظل الشاغل الأعظم فقد كان الجميع ينادي بقيام مستشفى في المنطقة لجهة أن أقرب مستشفى لهم يوجد في مدينة كريمة التي تبعد اكثر من 100 كلم عنهم، لذا فقد تعهدت والي الولاية آمنة المكي بإجراء الدراسات اللازمة لإنشاء مستشفى بمحلية البحيرة مشيرةً إلى أن الحكومة تعمل على تقديم الخدمات وفق الأسس العلمية وجزمت الوالية على مواصلة جهود واهتمام الولاية ومتابعتها للمشروعات الممولة من المركز لاستكمال مشروعات التنمية بقرى الصهيب والمنصورة والمرحلة الثانية للكهرباء والبدء في المرحلة الثالثة بجانب خدمات المياه والصرف الصحى بأبوحراز والعمل على استكمال المرحلة الثالثة إضافة للمشروعات الزراعية أم سرح وأم طنديدبه ومساكن ابو رميلة وطريق البحيرة أبوحمد والبحيرة كريمة، ونوهت إلى أهمية تفعيل وتنشيط الجمعيات التعاونية بالمناطق والقرى.
تمييز
مع كل الجهود التي تتم تظل قضية المناصير أكبر من أن تستوعبها إمكانيات الولاية، فالتهميش الكبير الذي لازم تلك المنطقة التي نشأن من العدم بعد إغراق المناطق الأصلية للسكان يستلزم جهودا أكبر يضطلع بها المركز ككل، وذلك ما عبر عنه عضو لجان المقاومة في منطقة المناصير أسامة عمر حسين في حديث لـ(الصيحة) عندما قال إن قضية المناصير تستلزم تدخلاً من قمة الهرم التنفيذي وتستلزم أن يهتم بها رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك لا والي الولاية فقط كونها قضية قومية إذ أن السبب فيها كان قيام سد مروي الذي يمثل مشروعاً قومياً يلزم الحكومة على مستوى المركز أن تعالج مشاكله وتتحمل تبعاته، مبيناً ان المنطقة لم يتم تعويض اهلها إذ لم تُبن لهم منازل ولم توفر لهم الخدمات وتركوا ليواجهوا مصيرهم داعياً لأهمية أن يكون هناك تمييز إيجابي للمنطقة في الخدمات فضلاً عن تمييز مواطنيها في التعيين في الخدمة العامة كون أنهم ظلوا طوال عهد الإنقاذ البائد محرومين من التوظيف في الخدمة العامة فقط لأنهم من المناصير.
موسم ضاغط
أسامة عمر حسن في حديثه للصيحة، لفت لقضية مهمة وهي قضية الزراعة، مشيرًا إلى أن مناطق المناصير تواجه مواسم زراعية ضيقة محسوبة بالساعة ما يستلزم أن تكون مقومات الإنتاج متوفرة، مشيراً إلى ان الموسم الصيفي عادة ما يكون مرهونًا بارتفاع منسوب مياه البحيرة غير المستقر فعادة تتم الزراعة في مايو ويونيو ولكن ما لم يتم الحصاد قبل منتصف يوليو فإن مياه البحيرة ستغرق المحصول، وفيما يتعلق بالموسم الشتوي إن لم تتم الزراعة قبل منتصف نوفمبر فإن منسوب المياه سيقل وستكون البحيرة بعيدة عن الأرض المزروعة ما يعني عطش وموت المحصول، مشيرًا إلى أن الولاية يجب أن تكون واعية لهذه المخاطر للتعامل معها عندما تتحدث عن توفير المدخلات للموسم الزراعي.
اتفاق جوبا
كل ما يتحدث عنه أهل المنطقة ربما عالجه مسار الشمال ضمن اتفاق سلام جوبا من واقع أن قضية المناصير ومهجري سد مروي كانت ضمن القضايا التي تمت مناقشتها وتضمينها في الاتفاق لكن مواطني المناصير في حديث لـ(الصيحة) يرون أن ما قيل عن اتفاق سلام جوبا وما يتعلق بمسار الشمال ظل حبراً على ورق رغم أنهم استبشروا به كثيرًا لإزالة مظالمهم، مبينين أن لا احد فكر حتى في أن يشرح لهم مكاسب الاتفاق أو يعمل على تنزيله أرض الواقع، داعين لأهمية أن يبدأ تنفيذ الاتفاق لإزالة المطظالم التاريخية عنهم.

 

 



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

أضف تعليق