ما هذا التعثر والتقهقر والتأزّم؟




قواعد

ما هذا التعثر والتقهقر والتأزّم؟

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ.. والماء فوق ظهورها محمول!!

الفاضل عباس محمد علي

يرى اللبراليون الجدد الحاكمون، المتسربلون بالتقدمية، أن المخرج لاقتصادنا المعطوب يكمن في وصفات البنك الدولي وصندوق النقد العالمي بحذافيرها: تسوية الديون القديمة وتصفير الدفاتر مع المؤسسات المالية الغربية، والعمل بآليات السوق market mechanism وبخصخصة القطاع العام حتي النخاع، ثم المزيد من الارتهان للغرب عن طريق الدعومات المشروطة والقروض الجديدة الموعودة الهادفة لتنشيط تجارة الصادر، حيث أن الهدف الرئيس لمثل هكذا توجه هو الاستمرار في تصدير المواد الخام لمصانع الغرب، قطناَ وصمغاً وحبوباً زيتية وماشية ومعادن؛ ودغدغة وإنعاش الذائقة البرجوازية لدى صفوة المدن لاستهلاك المنتجات الأوروبية والأمريكية من أطعمة ومشروبات ومساحيق وملابس ومركبات ومنتجات الكترونية gadgets  وموسيقية وثقافية غربية.

بينما يرى اليساريون أن المخرج يكمن في الاعتماد علي الذات بقدر الإمكان، والكف عن دفع الكادحين نحو المزيد من الإفقار والتهميش، والبعد عن الارتهان للخارج، سواء كان الغرب بمؤسساته المعروفة، أو المحاور الإقليمية الغنية بالنفط التي ظلت تبذل الوعود البراقة، وهي في الحقيقة مترددة، بل محجمة تماماً عن التورط بأي شكل في المشهد السوداني المرتبك الشبيه بصنوه الصومالي المتّسم بعدم الاستقرار المزمن، فوق أرضية  من التشظي العرقي والديني والطائفي والمناطقي والإثني والسياسي.

وفي هذه الأثناء، يتفاقم التدهور الاقتصادي بالسودان، وتزيده ضغثاً علي إبالة جائحة الكرونه المستعصية والمتصاعدة، والسيول والفيضانات الكارثية، بالإضافة لشبح الفناء والدمار المصاحب لسد النهضة الذي لم يتم التوصل لإتفاق حوله مع إثيوبيا، رغم أن الأوان قد تصرّم علي مثل هذا الاتفاق.

وباختصار، تلبّدت الغيوم في سموات السودان بما ينذر بقارعة وطامّة لا تبقي ولا تذر، لا تقل عن إنهيار سد مأرب الذي تشتت قومه أيدي سبأ، أو مجاعة سنة سته هجرية بالمهدية التي راح ضحيتها ثلثا أهل السودان، أو التسونامي البشّاري الأسدي البعثي بسوريا قبل سبع سنوات الذي أحال شعبها إلي حمر مستنفرة وشراذم من السباحين والمبحرين علي قوارب مطاطية مهترئة، ومن المشاة الراجلين (بيادة) عبر الوهاد والحقول والجبال الأوروبية طلباً للجوء في غربها – خاصة ألمانيا ميركل، (مع بعض الجماعات المسكينة  التائهة التي قادها حظها العاثر لإفريقيا ولبلادنا المستغيثة، مثلهم مثل الجوعان الذي يعض ميتاً محاولاً أن يستطعم من جيفته).

وفي رأيي، إن الجرجرة والمرمطة والتلكؤ والتردد والفشل والركود الذي نراه لا داعي له، فالسودان غني بالموارد لدرجة مذهلة، ومع قليل من الصبر والبصارة، وكثير من العزم والصدق ووحدة الصف، نستطيع أن نسوّق ونتاجر بما لدينا من أصول وموارد لتمتليء خزائننا بكنوز تضاهي كنوز سيدنا سليمان. وباختصار شديد، نستطيع أن نؤجر بعض القواعد البحرية والبرية/ الجوية لمن يدفع أكثر، ولمن لا يتدخل في شؤوننا وسياساتنا؛ وهذا ديدن العديد من البلدان التي كانت قد استخدمت الحرب الباردة لصالحها، كما تستخدم اليوم الصراعات حول المناطق الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وبينهما وبين الصين الصاعدة. فهنالك، علي سبيل المثال، الجمهوريات الإسلامية الخارجة من الاتحاد السوفيتي بوسط آسيا: أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وقيرغيستان وطاجيكستان، التي ليست لديها (قشة مرة)، فهي تتأدّب وتحسن الجوار مع ربيبتها السابقة روسيا ومع الجار الآخر الخطير – الصين، وفي نفس الوقت تفتح ذراعيها للتعاون مع المؤسسة العسكرية الأمريكية؛ وهناك اليوم عدة قواعد أمريكية علي أراصيها، أكبرها بالقرب من طشقند عاصمة أوزبكستان، ولم  تسجل روسيا أي احتجاج عليها.

وثمة ثمانمائة قاعدة أمريكية بسبعين دولة في آسيا وإفريقيا، لم تشجبها الجماهير ولم تنظم ضدها المظاهرات، وليس لتلك القواعد أي علاقة بما يدور داخل تلك الدول. ولقد كانت ولا زالت القواعد الأمريكية الضخمة قابعة بألمانيا واليابان نتاجاً لاتفاقيات بوتسدام بعد نهاية الحرب الكونية الثانية، التي اشترطت وجودها، وفرضت علي الدولتين المهزومتين عدم التسلح وعدم خلق وتنظيم جيوش إلا لأغراض الأمن الداخلي، أي كأن جيشيهما مجرد قوة شرطية. وبما أن الفاتورة العسكرية قد تم رفعها عن كاهل الدولتين المهزومتين (المحظوظتين)، فقد شهدتا تطورا صناعيا واقتصادياً خرافياً فيما بعد الحرب العالمية الثانية، (سمي بالمعجزة الاقتصادية).

وهنالك العديد من الدول العربية، مثل البحرين، التي تستضيف قواعد جوية وبحرية أمريكية دون أن يضعف ذلك من موقفها الرافض للاستعمار الصهيوني لفلسطين، أو يؤثر علي استقلال قرارها الوطني؛ وربما تأسّت تلك الدول بزعيمة القومية العربية وباعثة النهضة العروبية ورأس حربة المقاومة للوجود الصهيوني بالأرض المحتلة، ألا وهي جمهورية مصر العربية، التي جنحت للسلم وأبرمت اتفاقيات كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978، وأعقبتها باتفاقية السلام مع إسرائيل في 26 مارس 1979، وأصبحت مصر تتلقي بموجبها دعما مالياً ولوجستياً أمريكياً سنوياً مقداره ملياري دولار جعل من الجيش المصري قوة إقتصادية كبري، (ولقد حاول جيش البشير ومن بعده البرهان أن يحذو حذوه، أي جعل الجيش مؤسسة إقتصادية صناعية وتجارية اخطبوطية موازية للدولة)؛ واستفادت الولايات المتحدة من تلك الاتفاقية بالسماح لطائراتها العسكرية بالتحليق في الأجواء المصرية، ولسفنها الحربية بعبور قناة السويس وقتما تشاء، إضافة لضمان شراء قطع الغيار والمعدات العسكرية من الولايات المتحدة، والتطبيع الأبدي مع إسرائيل… إلخ.

وفي حقيقة الأمر، لا تتحرك الدول في التعامل مع الأخر ومع القوي الكبري إلا من منطلق مصالحها، طالما أن كرامة شعوبها لم تمس، والسيادة الوطنية وافرة لم تنتقص، في بلادهم التي أطعمها الله من جوع وآمنها من خوف. وبهذا المفهوم، نستطيع أن نفكر ونتأمل في موقعنا الإستراتيجي علي البحر الأحمر، علي سبيل المثال، ونتساءل: لماذا تتكالب عليه القوي الخارجية مثل روسيا وتركيا والدول الخليجية النفطية؟ لماذا لا نؤجره لها لمدة أربعين أو ستين عاماً بمبلغ مدفوع مقدماً، يرفع عنا هذه العثرة ويزيل المسغبة ويمكننا من اللحاق بركب إخواننا الذين تجاوزونا في مجال البنية التحتية المكتملة والتنمية المستدامة التي يضرب بها المثل، وكانت شعوبها حتي منتصف القرن العشرين تجوب الصحاري خلف أنعامها حافية القدمين.

ليس ذلك فحسب، إنما نستطيع أن نستعيد فكرة راجت في مطلع السبعينات من القرن الماضي، (كما روي لي صديقي المستشار المالي بدائرة الشيخ زايد الخاصة المرحوم الخليفة هاشم زروق): فقد طلب الشيخ زايد حكيم العرب عليه رحمة الله من الرئيس نميري براحاً معتبراً بمنطقة أركويت بتلال البحر الأحمر، تستأجره الإمارات لعدد متفق عليه من السنوات، وتقوم بتطويره – بنية تحتية واستراحات ومساكن وفعاليات إنتاجية وترفيهية، علي أن تستوعب من به من سكان وتكفل لهم السكن والمدارس والمستشفيات والعمالة …إلخ، ولكن النميري رفض الفكرة، ليس من فرط وطنيته ولكن لأنه ممعن في الحسادة، ففضل أن يبقي الشرق كما تركه أبونا آدم ومن بعده الإنجليز، وإلي يوم القيامة، موطناً للفقر وسوء التغذية والدرن والعطالة.

ونستطيع كذلك أن نؤجر معظم منطقة جبل مرة لإحدي الدول الراغبة، (وفرنسا بالذات تتحلب أشداقها لهذه البقعة المتاخمة للحزام الفرانكفوني المترع بالنفط واليورانيوم)، لكي تنشيء فيه قطاعاً محدثاً مطوراً كمنتجع يستطيع مواطنوها أن يحجوا إليه كل عام، لقضاء شهور الصيف بين  السكان الأصليين المضيافين الودودين، الذين ظلوا خارج التاريخ منذ عهد علي دينار، فاقداً تنموياً ورصيداً جاهزاً للمهمشين.

ولكن شعب ثورة ديسمبر العظيمة لن يثق في حكومة ترهن أراضيه للأجانب، إلا إذا أحس بجديتها ونزاهتها ووطنيتها ومهنيتها، وذلك يعني اولاً وقبل كل شيء كنس جميع الآثار والمخلفات الإخوانية لسرقة الأراضي السودانية land grab  الذي ولغ فيه زبانية النظام الساقط كسماسرة لبعض أثرياء العرب المشبوهين، خاصة المشاريع الكبري مثل (أمطار) و(الراجحي) التي أبرمت عقودها تحت الطاولة، بمبالغ هائلة للمسؤولين في القصر وفي إدارات الاستثمار والأراضي والمساحة والزراعة، وبدون شروط وطنية هامة: مثل تشغيل الكادر المحلي، ونقل التقنية للعناصر السودانية المعنية، وتطوير البنية التحتية للمنطقة المحيطة، وبيع نسبة مقدرة من المنتوجات بالأسواق المحلية.

كما أن فتح الأبواب للإستثمار الأجنبي الهائل في الزراعة، ولاستئجار حيازات ضخمة، ولكافة أنواع الشراكات المفيدة، يتطلب أجهزة حكومية خالية من الفاسدين تربية الإخوان المسلمين، خاصة في وزارات الاستثمار والمالية والتجارة والزراعة ولدي سلطات الأراضي والسجلات. ويتطلب اختيار الكوادر القائدة بهذه المؤسسات علي أساس الكفاءة والمهنية والوطنية، بعيداً عن المحاصصة والجهوية والقبلية والمحسوبية التي اشتهرت بها الحكومة البائدة وأرسلتها إلي مزبلة التاريخ.

وفي نهاية الأمر، وبما أن بلادنا تحتاج للتعامل الإقتصادي والمالي مع الأسرة الدولية، فليس هناك ما يجبرها علي الانصياع لتوجيهات الإمبريالية الأمريكية، إذ هنالك دول أخري ذات شوكة إقتصادية وأرصدة ترليونية طائلة بالعملات الصعبة، وتمنح القروض الميسّرة للدول النامية بشروط إنسانية، مثل الصين، وكافة نجوم البريكس – تركيا والبرازيل وروسيا والهند وإندونيسيا وجنوب إفريقيا. وفي هذا الصدد، فإن الزيارات المتكررة للمسؤولين السودانيين لتركيا ربما تشير لوعي بهذه الحقيقة، (إذا لم تكتنفها اجتماعات في جنح الليل مع الفلول الإخوانية الهاربة بأنقرا وإسطنبول God forbid). وعموماً، إن التعاون مع هذه الدول أفضل بكثير من الجري وراء السراب الإمبريالي الأمريكي الذي أفقر العديد من دول العالم الثالث وكسر ظهورها بالقروض الرأسمالية التي لا ترحم. وتركيا بالذات دولة صناعية ناهضة ومتقدمة وحبلي بفرص التعاون التجاري والزراعي والإقتصادي معنا، حيث أنها علمانية بالدرجة الأولي، علي الرغم من هيمنة أردوغان وإخوانه المسلمين المؤقتة والعابرة، فهي أرض ناظم حكمت وكمال أتناتورك وثورته العلمانية، وعما قريب ستعود لنبذ الإتجاه الأصولي المتطرف الذي يمثله حزب العدالة والتنمية الكيزاني.

ولنا دائماً خير رصيد مرتجي في الدول الأخري الراغبة في تبادل المنافع معنا، علي أساس الندية ومبدأ (أكلوا إخوان واتحاسبوا تجار)؛ واحترام حقوقنا وقوانينا ومواقفنا، بقدر ما نعاملهم بالمثل. وإن من يتفاءل بالخير يجده، ولا شك أن الثورة الإقتصادية والتنموية المستمدة من روح ثورة ديسمبر ستؤتي أكلها في زمن قياسي، وفي بضع سنوات سوف يكون السودان سلة غذاء الشرق الأوسط بحق وحقيق، بإذن الملك العلام؛ والسلام.

حرية- سلام- عدالة

الثورة خيار الشعب.

والمجد معقود لواؤه لأهل السودان!



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: