صلاح الدين عووضة  يكتب : دَهشـــة !!


أمتِّع نفسي بالدّهشة..

والدوش بكلماته هذه يدل على أنه كان مشروعاً لفيلسوف..

فالفلسفة وليدة الدَّهشة..

وإن لم تندهش فلن تنال الحد الأدنى – أو حتى الأوسط – من شرف التفلسف..

أما الحد الأعلى فيصعب الوصول إليه..

ومن بلغه أُدرج في عداد فلاسفة العالم؛ من أمثال هيغل… وسارتر… وسبينوزا..

ولو لم يكن الدوش فيلسوفاً – دون الحد الأقصى بالطبع – لما قال:

وتمشي معايا وتروحي…

وتمشي معايا وسط روحي…

لا البلقاه بعرفني…

ولا بعرف معاك روحي…

ولما قال أيضاً:

أقابلك في زمن جاي… وزمن ماشي… وزمن لسه…

أشوف الماضي فيك باكر… أريت باكر يكون هسّه…

والفيلسوف كانط قال لديه عبارة شهيرة عن متعة الدهشة هذه..

وهي: شيئان يملآن نفسي بالدهشة؛ السماء ذات النجوم… والقانون الخلقي بداخلي..

وكل من يدهش لمتلقيِّ الدَّهشة فيه شيءٌ من فلسفة هو نفسه..

مثل دهشتي جرّاء رائعة محمد سعيد دفع الله المُدهشة:

أي قليل يا طيف قليل وارجاني…

وين فايتني عابر…

وأنا شن حارس وراك أنا تاني…

ياني مَعاك مُسافر…

وشاعر المهجر إيليا أبو ماضي هو – في رأيي – فيلسوف الشعراء… وشاعر الفلاسفة..

وأنيس منصور أنزل الفلسفة من عليائها إلى أرض العامة..

بسَّطها حتى غدا يفهمها ساعيه الخاص نفسه الذي يحمل مقالاته إلى مطبخ التحرير..

فكان – إن كتب عن قضية فلسفية – يعطيها له أولاً ليقرأها..

ثم يسأله إن فهمها أم لا؛ فإن أجاب بنعم طلب منه الذهاب بها إلى السكرتاريا..

وإلا عمل على تبسيطها أكثر..

أما أعظم دهشةٍ لي – على الصعيد الشخصي – فقد فاقت اندهاشات دهشاتي كافة..

سواءً إزاء الجمال… أو الشعر… أو الفلسفة ذاتها..

بل لم أمر في حياتي بحالة كوني مدهوشاً… ومشدوهاً… ومدشوشاً… كما الآن..

وهي اندهاشة خاصة بثورتنا هذه… ثورة ديسمبر..

وليس مصدر الدهشة أنها الوحيدة – من بين ثوراتنا – التي خلت من تخليدٍ إبداعي..

خلت من مثل (أكتوبر الأخضر)… و(يا شعباً لهبك ثوريتك)..

خلت من مدهشاتٍ شعرية – وغنائية – من تلقاء أمثال وردي… وشريف… والحردلو..

والأخير هذا كان قد قال عنها:

طبل العز ضرب…

يا السرة قومي خلاص…

والخيل عركسن..

والدنيا بوق ونحاس…

فلماذا لم تقم السرة هذه المرة رغم دمدمة الطبول؟… وعركسة الخيول؟..

ليس هذا مبعث دهشتي – إذن – رغم إنها من المُدهشات..

وإنما الذي يُدهشني دهشة طغت على غيرها من مُثيرات الدهشة شيءٌ أشدّ إدهاشاً..

وهو: لماذا خلت من فيلسوف؟..

لماذا لم يقم من بين ركام ما أفضت إليه فيلسوفٌ يفلسف لنا هذه الحالة المُدهشة؟..

حالة أعظم ثورة… تنتج عنها أعظم (كفوة)؟..

هي حالةٌ يكاد كل مُندهش من شعبنا يتمثل بفلسفة الدوش تلك تعبيراً عنها..

يكاد يترنّم وهو مُنفطر القلب… والكبد… والخاطر:

وتمشي معايا…

وتمشي معايا وتروحي…

وتمشي معايا وسط روحي…

لا البلقاه بعرفني…

ولا بعرف معاك روحي…

فهل منكم مَن يعرف الكائن؟… وما قد كان؟… وما سيكون؟..

أو يعرف روحه؟!.



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

أضف تعليق