زين العابدين صالح يكتب: تونس تفضح ديمقراطية اليسار


زين العابدين صالح عبد الرحمن
عندما استعان الرئيس التونسي قيس سعيد بالجيش التونسي في تنفيذ قراراته بتجميد البرلمان و إغالة رئيس الوزراء، بسبب خروج بعض التظاهرات في المدن التونسية. كان المتوقع من كل ديمقراطي يؤمن مبدئيا بالديمقراطية، أن يقف ضد هذا السلوك في بلد بدأت تتحسس خطاها درب الديمقراطية. أن دعوة الجيش في أنجاز أي عمل سياسي من قبل السلطة التنفيذية، هو عمل مشكوك فيه و ليس في مصلحة الديمقراطية. و نحن في السودان قد عانينا الكثير من دعوة القوى الأيديولوجية للجيش للانقلاب علي نظام الحكم الديمقراطي، و الشعارات الفضفاضة التي لا تخلف غير الشمولية، و الغريب في الأمر بعد الانقلاب تقوم القيادة العسكرية بإبعاد القوى السياسية و تنفرد بحكم البلاد ديكتاتوريا. كان الاعتقاد أن التجارب التاريخية المريرة علي السودان، تجعل النخب السودانية محصنة من داء الانقلابات، و ترفضها عندما تشتم المؤامرة علي السلطة و تقويض النظام الديمقراطي، لكن للأسف أن أغلبية كتاب اليسار بانواعهم المختلفة انجرفت نحو تأييد قرارات الرئيس التونسي نكاية في حزب النهضة الإسلامي، مما يدلل أن هؤلاء يستبطنون الثقافة الشمولية، و أن إيمانهم بقضية الديمقراطية هو تكتيك و عندما يقبضون علي مفاصل السلطة يصبحوا في حالة عداء مع الديمقراطية حتى سقوط النظام الديكتاتوري.
قال الرئيس التونسي للمبعوث الأمريكي الذي نقل له رؤية الإدارة الأمريكية في أختيار رئيس الوزراء. أن التدابير الإستثنائية التي أقال بموجبها الحكومة و جمد عمل البرلمان ” تندرج في إطار تطبيق الدستور، و تستجيب لإدارة شعبية واسعة لا سيما في ظل الأزمات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و استشراء الفساد و الرشوة” و السؤال للرئيس التونسي هل خروج الجماهير يستدعى مثل هذا العمل، كان الهدف انقلاب لولا وعي القوى السياسية التونسية، و خاصة اليسار التونسي الذي رفض هذه القرارات، و اعتبرها انقلاب علي الديمقراطية. قال حزب العمال و الذي يوصف بأنه الشيوعي التونسي” قال في بيانه “أن ما اقدم عليه رئيس الدولة، كان متوقعا انطلاق من عدة مؤشرات لعل أبرزها أقحام المؤسسة العسكرية في صراع الاجنحة، و هو من الناحية القانونية خرق واضح للدستور و لأحكام الفصل 80 الذي اعتمده، و من الناحية السياسية إجراءات استثنائية معادية للديمقراطية_ أن هذا المنعرج سيفتح على مرحلة جديدة ستزيد من خطورة الأوضاع المتأزمة التي تعاني منها البلاد – أن الشعب التونسي في حاجة ماسة و ملحة إلي تغيير ينتشل البلاد من الأزمة الخانقة و الشاملة التي تردت فيها خيارات الرجعية – يجدد الحزب قناعته بأن التغيير المنشود لا يمكن أن يكون بمساندة انقلاب قيس سعيد و لا بالتحالف مع حركة النهضة بأي عنوان كان، أنما يكون من صنع الشعب التونسي و في إرساء ديمقراطية شعبية قوامها الدولة المدنية” و في ذات الموضوع رفض الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي إجراءات رئيس قيس سعيد و قال عنها ” ما وقع هو انقلاب و خرق للدستور و أصبح سعيد مشكل تونس” و أيضا رفض القرارات حزب التيار الديمقراطي” و أيضا قال حزب قلب تونس الذي يمثل أكبر كتلة برلمانية بعد النهضة أن القرارات التي اتخذها قيس سعيد خرقت جسم الدستور و تعد رجوعا بالبلاد لحكم الفرد” كانت القوى السياسية التونسية واعية لمخطط الانقلاب الذي تدعمه قوى خارجية لا ترغب في استمرار أي ديمقراطية في المنطقة حتى لا تصيبها بالعدوة، هذا الوعي السياسي هو الذي جعل قيس يتراجع عن الذهاب إلي نهاية الشوط في قلب نظام الحكم، و الرجوع لنظام زين العابدين بن علي. و لم يجد إلا يسار سوداني أصبح لا يفرق بين شمولية تغطي نفسها بشوية شعارات ديمقراطية، و بين ديمقراطية تتطلب الوعي الكامل و تسندها قوى مدركة لطبيعية الصراع مع أيديولوجيات تجاوزتها المجتمعات الإنسانية من القرن الماضي.
بينما تقف الأحزاب اليسارية و الديمقراطية في تونس ضد قرارات قيس سعيد، و التي استعان في تنفيذها بالجيش، لكي يحول النظام الديمقراطي إلي شمولية مرة أخرى. نجد أن أهل اليسار في السودان يهللون لقرارات قيس سعيد و يعتبرونها أنتصار للشعب التونسي، و يحكون عنها حكايات من أختراع خيالهم لكي يبررون بها الانقلاب. دائما الأحداث تبين هشاشة مباديء الديمقراطية عند قبائل اليسار السوداني الذي يعتبر الديمقراطية مجرد تكتيك يمكن أن يوصلهم للسلطة، و هناك العديد من الكتاب الذين بدأوا يكتبون ملحمات و قصص و حكايات لكي تكون مجال استقطاب جماهيري مؤيد لافعال انقلابية و خاصة انقلاب تونس. أن المباديء لا تتجزأ، هناك الذين يرفعون شعارات الديمقراطية في السودان، و في نفس الوقت يؤيدون و يدعمون نظم ديكتاتورية في بلاد أخرى، و هي تمارس أبشع انتهاكات الحقوق ضد شعوبها، هكذا دائما يجعلنا اليسار السوداني امام حالة اندهاش.
أصل حكاية الرقي السياسي الذي أهمله اليسار السوداني، و كانت دروس في غاية الأهمية لعملية التحول الديمقراطي. في يسمى الدولة الاشتراكية في شرق أوروبا، عندما ثارت شعوبها ضد أنظمة الحكم الديكتاتورية التي كانت قد مارست عليهم شتى أنواع الانتهاكات للحقوق، و مصادرة الحريات و غيرها، و عندما اندلعت ثورات الرايات البرتقالية تغيرت نظم الحكم، لم يقدموا على فكرة حل الأحزاب الشيوعية بقرارات سياسية لكي يمنحوها تبريرات في المستقبل. كانت تلك الشعوب في غاية من الوعي السياسي، و منحو الأحزاب التي كانت حاكمة حق الاستمرار في العمل السياسي، و المشاركة في الانتخابات كحق طبيعي للحقوق، لكنهم جعلوا الجزاء تختاره الجماهير، عندما تذهب لصناديق الاقتراع، و حصل أن الأحزاب الشيوعية جاءت في مؤخرة زيل الأحزاب الأخرى، فكان الحكم قرار تختاره الجماهير، و هو الأكثر تأثيرا علي مسارها السياسي. السؤال متى يتعلم أحبائنا آهل اليسار من التجارب السياسية؟ نسأل الله حسن البصيرة.

صحيفة الانتباهة



مصدر الخبر موقع النيلين

أضف تعليق