حيدر المكاشفي يكتب : متحف الثورة وهايد بارك السودان


لدى مخاطبته برنامج تأبين الأمير نقد الله هذا الباسل المقدام، أعلن رئيس الوزراء د. حمدوك التزام الحكومة بالمساهمة في إقامة متحف للثورة السودانية يعكس نضالات شعبنا الممتدة في الريف والحضر، ويحفظ للتاريخ ذكرى رجال ونساء صمدوا في وجه الظلم والقهر والاستبداد، وسجلوا صفحات ناصعة من النضال من أجل الديموقراطية والسلام والحرية، وأضاف حمدوك بأن المتحف يهدف لتخليد ذكرى شهدائنا الذين مهروا بدمهم طريقنا نحو الحرية والانعتاق، وليعكس المتحف تجارب شعبنا في مقاومة الديكتاتورية والوقوف بصلابة في وجه الطغيان والصمود في أحلك الظروف، والتصدي لحروب الإبادة الجماعية وكل صنوف التعذيب في بيوت الأشباح سيئة السمعة، وقال حمدوك نريد لهذا المتحف أن يبقى ذاكرة حية نابضة لما حدث في بلادنا خلال العقود الماضية، وأن يكون شاهدا حاضرا وتذكيرا دائما لعدم العودة للوراء والانتكاس أبدا..بهذه الكلمات لخص حمدوك الهدف من انشاء هذا المتحف وقد وفى وكفى فى هذا الجانب ولم يترك زيادة لمستزيد، ولكن تبقى العبرة فى التنفيذ واتخاذ اجراءات عملية للشروع فى انشاء هذا المتحف، ففكرة متحف الثورة ليست جديدة بل هناك تصور لهذا المتحف عكف عليه بعض الشرفاء واحسنوا اعداده، ولكنهم للأسف لم يجدوا من يتفاعل معهم في الحكومة فماتت الفكرة في مهدها، أما وقد أحياها الان رئيس الوزراء بنفسه يبقى عليه وهو صاحب القرار ان يحيل الفكرة الى واقع، فكل شعوب العالم تحرص على توثيق ملاحهما الكبرى عبر انشاء متاحف لها، فهناك متحف الثورة الفرنسية ومتحف الثورة الروسية والصينية والكوبية والكورية والجزائرية والمصرية وغيرها وغيرها في مختلف دول العالم، فكيف لا يكون لثورة ديسمبر متحف يوثق لها وهي بشهادة العالم ثورة ليست مسبوقة، لا في سلميتها ولا في جسارة شبابها وشاباتها، وكانت مصدر فخر لكل احرار العالم وصحافته واعلامه بصورة لم تحظى بها أية ثورة..
وغير متحف الثورة عالي الأهمية، لكم كنت اتمنى ان لا تنتهي تلك الإبداعات التي تجلى فيها شباب الاعتصام بعد عملية فضه القذرة ، فكم آلمني ان يتبدد كل ذاك الإبداع وتلك الحيوية وتضيع هباء، فكنت وما زلت اتمنى ان نجد صيغة تستديمها بشكل ما وتضمن لهذه الطاقات الاستمرارية والاستدامة، فساحة الاعتصام كما علم الكل قد جمعت فأوعت وصارت سودانا مصغرا، ليس للتعبير عن مواقف سياسية، بل أضحت ساحة تمور وتضج بالنشاط الثقافي والفني والاجتماعي والتكافلي، ومختلف ضروب الإبداع. من حلقات أدبية وقراءات شعرية ووصلات موسيقية ومعارض للكتاب والقراءة ومعارض للفنون التشكيلية والرسم والتلوين والتصوير الفوتوغرافي ومخاطبات توعوية وحلقات نقاشات ومثاقفات وتبادل للآراء والأفكار، وتجمعات لتلاوة القرآن وحلقات ذكر صوفي وليالي طرب وغناء وإيقاعات شعبية وتراث شعبي من أركان البلاد الأربعة من الشرق والغرب والشمال والجنوب، وهناك أيضا مساحات للترويح والمؤانسة والضحك والسخرية واسكتشات درامية، وغير ذلك من فعاليات وأنشطة متعددة ومفيدة نخشى أن نكون قد نسينا بعضها، ولكن بقول واحد نجمل القول بأن ميدان الاعتصام في محيط القيادة العامة للجيش، صار هو أفضل وأنسب مكان تغشاه الأسر ويفضله حتى الأطفال الصغار ليعيشوا أجواءه ويستمتعوا بزخمه وحيويته وتنوع إبداعاته، إنها بالفعل ثورة شاملة فكرية واجتماعية وثقافية، وهذا هو المد الثوري الفعلي الذي كان غائبا وتفتقده البلاد، فحرام والله أن ينتهي كل هذا الأبداع ويبقى مجرد ذكرى بعد فض الاعتصام، اليس بالامكان تحويله إلى الساحة الخضراء ليصبح هايد بارك السودان..

صحيفة الجريدة



مصدر الخبر موقع النيلين

أضف تعليق