قصة قصيرة .. كيف انتهى الحال بالجميع؟




طلال الطيب

بعد 400 صفحة والكثير من الأحداث الدرامية اكتشف”س” أنه مجرد شخصية روائية كتبها روائي شاب غير معروف ولا مشهور، ربما لن يشتهر أبدا، فالكتاب في مثل هذا الجزء من العالم لا يستمتعون بثمار الشهرة كما يستمتع بها رصفائهم في بلاد الغرب، النساء الجميلات هنا يفضلن الرجال الأثرياء على الكتاب والمثقفين الذين يندر وجود الأثرياء بينهم، المهم بعد أن أكمل الروائي الشاب روايته، وجد “س” نفسه عالق في آخر عبارة من الرواية، لهذا بدأ يتحرك ما بين صفحات الرواية حسبما يشاء، مثلا عاد “س” إلى المشهد الرومانسي الذي يلتقي فيها بحبيبته “ص” التي ستخونه بعد مئتي صفحة، وقال لها: أيتها الغبية دعينا نكون أصدقاء ولا نتورط في الحب.

ابتسمت”ص” وأبدت موافقتها قائلة: كنت قد تعبت من أداء دور الفتاة الحالمة .

عاد “س” إلى الصفحات التي تحكي عن قبوله في الجامعة، لكنه عاد وهو يقود جرافة بأقصى سرعة، قام بهدم جدار الجامعة، وخرب جدران القاعات، ونزل من الجرافة وقام بإحراق المكتبة، وحين ألقت الشرطة القبض عليه قال: الجامعة مجرد هراء.

أصبح “س” داخل السجن، وهناك ظل “س” يرفض أن يعيش أي أحداث مهمة، فقط يبقى في زنزانته صامتا من غير حراك، يأكل بصمت وينام بصمت، لم يكن يملك حتى أفكار داخلية أو أحلام حتى يطلع عليها القراء الفضوليين أو يحكي عنها الراوي الكذوب.

ظل القراء وعددهم عشرون ألفا يفتحون الرواية ويتفاجأون بشخصية روائية جديدة ترفض أن تؤدي دورها. مثلا شخصية السكرتيرة الفاتنة التي دائما تكون العاهرة الخاصة بالمدير، قالت لرب عملها حين دخلت المكتب: لن أمارس الجنس معك أبدا هل تفهم؟

صرخ المدير مستنكرا: لن أسمح لك بقول هذا الكلام أنا رجل محترم، كما أحترم النساء.

في الرواية لم يمارس أحد الجنس من ما أصاب بعض القراء الشبقين بالحسرة، أصبحت الرواية مليئة بالشخصيات المتمردة والمشاهد التي لا يتوقعها أحد، بل صارت الشخصيات تتحدث عن القراء وتسميهم بالشياطين.

مثلا في مشهد تقول شخصية تؤدي دور أم حنون وزوجة صالحة لزوجها: هل تشعر بالشياطين يحدقون الينا؟

يجيبها نعم، ثم يسألها: هل أنت حقيقية يا زوجتي؟

وأخذت الشخصيتيان تبكيان وترتعدا من الخوف، عذابهما كان أنهما لا يستطيعان تجاوز النص المكتوب لهما.

في يد كل قارئ أصبحت الرواية مليئة بالصخب والفوضى، بالبكاء والحرائق والجنون، جنت أغلب شخصيات الرواية بسبب أزمتها الوجودية، شنق “س” نفسه بسروال المساجين، قفزت السكرتيرة من الطابق الثالث وانكسرت سلسلتها الفقرية فور أن وقعت على الاسفلت ببطنها.

الجميع صار يعلم أن هذه الرواية يمكن أن تقرأ من أي مكان، فلا شئ فيها غير الفوضى والألم.

وبعد مرور سنة توقف نهر السرد عن الجريان، سكنت أحداث الرواية تماما، فكل شخصيات الرواية إما انتحرت أو في مستشفى المجانين تمشي ببطء ولا تفعل شيئا غير أكل خيوط العناكب وعد أوراق الشجر المتساقطة.

أصيب كاتب هذه الرواية بالإكتئاب بسبب الحال الذي وصلت إليه روايته وشخصيات الرواية، لقد كتب رواية رومانسية، سياسية، نهايتها سعيدة، لكنها بدلا عن ذلك تحولت إلى جحيم يقصده بعض القراء للمشاهدة.

نالت الرواية عدة جوائز، بسبب أن أحداثها ظلت تتجدد للقراء من تلقاء نفسها لمدة عام كامل.

إلا أن كاتب هذه الرواية لم يجروء على كتابة الرواية مرة آخرى، خوفا من أن ينتهي الحال بشخصياته إلى الإنتحار أو مستشفى المجانين.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

أضف تعليق