من أبرز الشعراء المجددين في الأغنية السودانية .. سعد الدين إبراهيم.. عن حبيبتي أنا بحكي ليكم!


 

كتب: سراج الدين مصطفى

(1)

أجمع الوجدان السوداني على أن الشاعر عمر الطيب الدوش هو الرائد الحقيقي لحركة إحياء الشعر الغنائي الحديث، وله يرجع  الفضل في نشأة حركة شعرية تخلصت من الأشكال الشعرية التقليدية التي حالت دون انطلاقه إلى آفاق رحبة في قضاياه ومضامينه وأشكاله، وإذا كان الدوش  ينطلق في تجربته الشعرية من أرضية درامية وخلفية سياسية. فإن الشاعر والصحفي والدرامي سعد الدين إبراهيم ينطلق من أرضية مقاربة وليست ببعيدة في تكوينها الإبداعي.. فهو في الأصل كاتب درامي كما ظهر ذلك جليًّا في درامته الإذاعية (حكاية من حلتنا) ثم تبلور ذلك التيار عن سعد الدين بوضوح أكثر حينما سودن مسرحية برلمان النساء.. ويعد سعدالدين إبراهيم من أبرز الشعراء المجددين في الأغنية السودانية، وتعد أغنيته ذائعة الصيت(حكاية عن حبيبتي) التي تغنى بها أبوعركي البخيت، ثورة في عالم الشعر الغنائي، حيث تميزت بتعابير جديدة وغير معهودة مثل ـ ضل ضفايرها ملتقانا/ تدخل رواكيبنا وأوضنا/ ساوا ليكم بإيدنا شاي/ وغيرها من التراكيب المختلفة التي جعلت منه شاعراً رائداً ومجدداً.

(2)

ولد الشاعر والصحفي الراحل  سعد الدين إبراهيم في مدينة أم درمان في العام 1952م، ودرس الابتدائية في بيت المال، والتحق بالمدرسة الأميرية الوسطى، فمدرسة الخرطوم الثانوية العربية، قبل أن يدرس في جامعة القاهرة فرع الخرطوم سابقاً، وتخرج في كلية الآداب قسم الاجتماع. وسلك سعد الدين بعد تخرجه من الجامعة طريق التدريس وعمل معلماً في عدد من مدارس أم درمان قبل أن يتحول إلى الصحافة. وبدأ سعد طريقه الإعلامي من مجلة “الإذاعة والتلفزيون والمسرح”، ثم مجلة “الملتقى”، و”الحياة والناس” رئيساً لتحريرها، فرئيساً لتحرير “ظلال”، وصحيفة “الدار”، كما ترأس تحرير صحيفتي “الحرية” و”دنيا”، كما عمل كاتبا في صحف “الصحافة” و”الرأي العام” و”حكايات”. بجانب أنه من أهم كتاب الأعمدة الصحفية في الصحف السودانية، وله مدرسة فنية خاصة به واشتهر شعره بالبساطة والأسلوب السهل وله عمود صحفي بعنوان (النشوف آخرتا).

(3)

والفنانة المبدعة الراحلة منى الخير، تغنت له أغنية (أبوي) وذلك في العام 1974م، من ألحان دكتور عبدالماجد خليفة، وتغنى له الفنان محمد ميرغني (يا حبيبي كلما من ألحان صابر جميل ـ وردة هواك من ألحان محمد ميرغني) تغنت له عقد الجلاد (حصار ـ مدحة الحمامة) من ألحان عضو الفرقة السابق أبوذر عبد الباقي الذي لحن أيضاً أغنية (صباحك رباح) التي تغنت بها المطربة آمال النور، وتغنى له الفنان فتحي حسين بأغنيته الشهيرة (العزيزة) من ألحان عمر الشاعر، يوسف الموصلي تغنى من ألحانه بأغنية (أسألى الشوق)، وتغنت له الفرقة القومية للآلات الشعبية بأغنية (دا السودان يا هو دا السودان) من ألحان صابر جميل، الفنان أحمد  شاويش (مليون عصفور)، الفنانة أسرار بابكر أغنية (رحيل) من ألحان الموسيقار محمد حامد جوار والفنان علي السقيد بأغنية (أمر الهوى) من ألحان ضياء الدين ميرغني.. وتغنى له العديد من المطربين بالكثير من الأغنيات التي لم تجد حظها من التداول منها الأغنية الوطنية الشهيرة (السلام والتنمية).

(4)

فكتب بعد ذلك أغنيته الفارعة “العزيزة”.. ثم جاءت بعد ذلك أغنيته المتجاوزة “حكاية عن حبيبتي” التي يغنيها الفنان الكبير أبوعركي البخيت:

عن حبيبتي أنا بحكي ليكم

ضل ضفايرا ملتقانا

شدُّوا أوتار الضلوع

أنا بحكي ليكم عن حنانا

مرة غنت عن هوانا

فرّحت كل الحزانى

ومرة لاقت في المدينة

الحمامات الحزينة

قامت أدّتا من حنانا

ولما طارت في الفضاء

رددت أنغام رضاء

وكانت أول مرة في عُمر المدينة

إنو نامت وما حزينة

تحيا محبوتي الحنينة

عن حبيبتي بقولكم

لونه سمرتو منكم

عن حبيبتي بقولكم

ماخدة حاجات منكم

الأليفة ندى الشروق

الغنَّا لي زراع أرضنا

الأصيله زي الشعاع

تدخل رواكيبنا وأوضنا

الجميلة تفوتنا هسه

ونبقى مشتاقين برضنا

ساوّه ليكم بإيدينا شاي

وحال بالكم ضراع الليل

وجال بالكم ضي القمرا

ومخبـّية في جيوب النيل

متى ما تدورو بترويكم

وما ممكن تخليكم

تجيب النجمة تديكم

عشان كان نورا ما كفى

تجيب ضوًّا يكفِّيكم

وعن حبيبتي بقول لكم

ولسه برضي حأقول لكم

يلا صفقوا كلكم

وهذه الأغنية في نظر الكثيرين من النقاد تعتبر النقلة التجديدية في الأغنية السودانية.. لأنها كنص شعري حفلت بالتجديد المثير والمغاير وحتى لحنها كان يوازيها من حيث التحديث والتجديد في شكل الألحان التي كانت سائدة في ذلك الزمان.

(5)

وحكي الراحل سعد الدين تلك الرواية ـ لي شخصيًّا (حينما كتبت قصيدة حكاية عن حبيبتي كنت لحظتها أفكر في أن يغنيها الفنان محمد وردي أو محمد الأمين.. وهي كانت القصيدة الرابعة التي أجازتها لجنة النصوص بعد العزيزة وعيونك مهرجانات وأبوي، صديقي في الجامعة الشاعر الراحل محمد الحسن دكتور أقنعني بأن أفضل من يغنيها هو أبوعركي البخيت،  لأنه يقدم نماذج حديثة للموسيقى وضرب لي مثلاً بأغنية بخاف التي كانت أغنية الساحة وقتها.. أخذ القصيدة مني محمد الحسن دكتور، وصديق له يدعي أبوعمار، وذهبا بها لأبوعركي البخيت وقابلاه في قهوة اسمها الإخلاص.. وأذكر أن والدة أبوعركي توفيت في تلك الأيام، وبعدها سافر إلى لبنان، وحينما كان يجلس وحيداً هناك وحزيناً أدخل يده في جيب البدلة، ووجد ورقة مكتوباً عليها نص الأغنية فشرع في تلحينها. وقدمها بعد ذلك في التلفزيون بآلة العود، وكان اللحن مدهشاً، وكانت كلمات الأغنية مسار حديث الناس بسبب التعابير الشعرية الجديدة.

 



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

أضف تعليق