تخفيف عبء ديون السودان: خفايا وخبايا!


بقلم: د. التجاني الطيب إبراهيم
في عام 1983م، توقف السودان عن خدمة ديونه الخارجية لتبدأ رحلة الألف ميل مع ملف متأخرات الديون، التي إستمرت في التراكم حتى وصلت قيمة صافيها إلى حوالى 56 مليار دولار في يونيو 2021م، مع ملاحظة أن خفض أو إلغاء الديون في هذه الحالة لن يكون له أثر مالي مباشر على الميزانين الداخلي (المالية العامة)، والخارجي (ميزان المدفوعات). للأسف، الحكومات المتعاقبة لم تعر الملف الإهتمام اللازم، حتى أصبح فتحه مستحيلاً خلال الفترة 1993م – 2015م، بسبب المقاطعة الأمريكية بشقيها التنفيذي الرئاسي والتشريعي، التي فرضت على السودان كرد فعل على سياسات النظام البائد الطائشة. أقسى أنواع المقاطعة الأمريكية على الإقتصاد السوداني وملف الديون تمثلت في إضافة إسم السودان إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب (1993م)، والعقوبات التجارية والإقتصادية الشاملة (19997م)، وما ترتب على ذلك من حرمان السودان من التعامل المالي مع كل المؤسسات المالية والتجارية العالمية التي تساهم فيها الولايات المتحدة. بالتالي، أبعد السودان من كل مبادرات تخفيف عبء الديون الخارجية للدول الفقيرة، بما في ذلك المبادرات الأمريكية. بعد حوالى عشرين عاماً من تنفيذها، رفعت العقوبات التجارية والإقتصادية الشاملة في يناير 2017م، مع بعض الإستثناءات كشراء المعدات العسكرية والأجهزة المتقدمة (للإستزادة من تداعيات القرار، أنظر للكاتب:”السودان: رفع العقوبات التجارية والإقتصادية الأمريكية – شماعة الفشل). أما حذف إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فقد تم فعلياً في مطلع عام 2021م، مع ملاحظة أن رفع النوع الأول من العقوبات تم دون تكلفة معلومة للسودان، بينما كان رفع النوع الثاني من العقوبات مكلفاُ مالياً وسياسياً حيث دفع السودان في المقابل 335 مليون دولار لأسر ضحايا الباخرة كول في اليمن وسفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام مع إستمرار التقاضي حول تعويضات أسر ضحايا الحادي عشر من سبتمبر أمام المحاكم الأمريكية، بالإضافة إلى التطبيع، الذي لم يكتمل بعد، مع نظام الفصل العنصري الصهيوني في إسرائيل.
خروج السودان من عنق زجاجة المقاطعة الأمريكية فتح المجال للتحرك الفعلي في ملف الدين الخارجي، حيث تمت في النصف الأول من 2021م تسوية متأخرات ديون المؤسسات السيادية ممثلة في (1) مؤسسة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي (1,1 مليار دولار) في 26 مارس 2021م، بقرض معبري من الولايات المتحدة الأمريكية تم رده بمنحة من نفس المؤسسة؛ (2) مجموعة بنك التنمية الأفريقي (0,65 مليار دولار) في 12 مايو، بقرض معبري من المملكة المتحدة ومساهمات من السويد وإيرلندا سدد بمنحة من نفس البنك؛ (3) صندوق النقد الدولي (1,4 مليار دولار) في 29 يوينو، بقرض معبري أيضاً من فرنسا رد بواسطة إستعمال آلية السحب المقدم، أي السحب دون تنفيذ أي شروط، من قرض جديد (2,5 مليار دولار) لمدة 39 شهراً قدمه الصندوق للسودان في 29 يونيو 2021م، (أنظر: “تقرير أخبار صندوق النقد الدولي”، واشننطن 30 يونيو 2021م، والنبك الدولي: “منشور صحفي رقم AFR 187/2021م”، واشنطن 29 يونيو 2021م). الملاحظ هنا أن كل القروض المعبرية تم سدادها بالكامل من موارد مالية هي في الواقع مستحقة للسودان (من دقنه وفتلو)، لأن الديون السيادية لا تخفض ولا تعفى. بالتالي، أكدت المؤسسات السيادية الثلاثة خروج السودان كآخر دولة متأخرات من سجل ديونها بعد حوالى أربعة عقود من الزمان، الشئ الذي كان مصدر حرج وقلق لتلك المؤسسات.
بعد تسوية متأخرات ديونه السيادية المذكورة أعلاه وإستيفاء شروط برنامج الصندوق غير التمويلي المراقب بوساطة موظفيه والمنتهي في 29 يوينو 2021م، وصل السودان إلى نقطة القرار، أي أصبح مؤهلاً للإستفادة من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون المعروفة بإسم الهيبيك. هذه المبادرة أنشأها صندوق النقد والبنك الدوليين في (1996م) كإطار يمكن كل الدائنين الدوليين من المساهمة في تخفيف عبء ديون الدول الأكثر فقراً في العالم، المثقلة بالديون، ومن بينها السودان، إلى مستويات مستدامة تمكنها من خدمة الديون دون المساس بأسبقياتها الإنفاقية التنموية في المدى الطويل لتقليل المخاطر على النمو الإقتصادي ومحاربة الفقر (للإستزادة حول المبادرة والقروض المعبرية، أنظر للكاتب: “ديون السودان الخارجية: القنبلة الموقوتة”، في كتابه “الإقتصاد السوداني في مقالات” بيروت 2011م، صفحات 41 – 53). السودان سيكون الدولة رقم 38، وربما الأخير، للإستفادة من مبادرة الهيبيك. في هذا الإطار، أعلن نادي باريس في 15 يوليو2021م، موافقته على إعفاء 14,1 مليار دولار من تأخرات ديونه على السودان البالغة 23.5 مليار دولار وإعادة جدولة الباقي (9,4 مليار دولار) بفترة سماح تنتهي في 2024م (نقطة الإنتهاء عند عملية خفض الديون)، تبدأ بعدها خدمة الدين المتبقي (أنظر: “تقرير أخبار صندوق النقد الدولي”، 16 يوليو 2021م). وتشمل قائمة أكبر الدائنين للسودان في نادي باريس كل من فرنسا، النمسا، بلجيكا، الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا. أما نسبة إطفاء الدين الكلي للنادي فتساوي 60% فقط وليس 90% كما كان متوقعاً، وهذه أقل بكثير مما تحصل عليه العراق مثلاً (80%)!
إذا أخذنا في الإعتبار متبقي متأخرات الديون الكلية (29,2 مليار دولار) بعد خفض ديون نادي باريس (الدين الكلي ناقص ديون نادي باريس والمؤسسات السيادية)، وخصمنا منها 60% بناء على قاعدة نادي باريس، فإننا نحصل على 11,7 مليار دولار ستكون مستحقة لإعادة الجدولة، بالإضافة إلى دين نادي باريس المعاد جدولته (9,4 مليار دولار). هذا يعني أن السودان قد يجد نفسه مواجه بديون مستحقة الخدمة في حدود 21 مليار دولار بنهاية 2024م، علماً بأن هناك مجموعة كبار دائني السودان كدول الخليج والصين تتعامل مع تخفيف عبء الديون من منطلق سياسي، بعيداً عن قاعدة نادي باريس كما حدث مع العراق مثلاً، ما يعني ضمنياً أن الديون واجبة الخدمة قد تفوق كثيراً الرقم المذكور أعلاه، بالتالي، توقع إنخفاض ديون السودان إلى 6 مليار دولار عند الوصول إلى نقطة الإنتهاء في 2024م، قد يكون ضرباً من ضروب الخيال بعد موافقة نادي باريس على تخفيف عبء الديون بنسبة 60% فقط وليس 90% كما أشيع. لذلك، يبقى السؤال هل سيكون في مقدور السودان خدمة حجم الديون المتوقع بعد ثلاثة أعوام من الآن في ظل الأوضاع المالية والإقتصادية التي تشهدها البلاد حالياً، أم سيعود السودان إلى دائرة متأخرات الديون الشريرة قبل أن يغادرها؟ هذا هو التحدي الأكبر الذي يجب وضعه في الإعتبار من الآن.
في المقابل، فإمكانية حصول السودان على تدفقات مالية بحجم كبير من المؤسسات السيادية الثلاثة في المدى المتوسط متواضعة نسبة لصغر حصص مساهماته في تلك المؤسسات وتأهله فقط للمنح وللإقتراض الميسر كواحد من الدول الأكثر فقراً في العالم. لذلك، فالتدفقات المالية المتوقعة قد تكون في حدود 1,8 مليار دولار في العام، منها 360 مليون دولار من صندوق النقد الدولي كما سنرى لاحقاً، 1,2 مليار دولار من البنك الدولي (بما في ذلك برنامج دعم الأسر الفقيرة)، و440 مليون دولار من بنك التنمية الأفريقي. بالنسبة لأعضاء وغير أعضاء نادي باريس، فمن الصعب توقع الكثير منهم غير العون الإنساني (حوالى 300 مليون دولار) والعون الأمريكي (350 مليون دولار)،خاصة بعد خفض ديونهم على السودان. هذا يعني أن إجمالي ما يمكن توقعه من تدفقات مالية من المجتمع الدولي قد يكون في حدود ثلاثة مليار دولار في العام على أحسن تقدير. هذا المبلغ قد لا يكون كافياً لتغطية حاجيات السودان من النقد الأجنبي، لكنه سيساهم كثيراً في حلحلة مشاكل البلاد المالية والنقدية وتركيز الإقتصاد وتحريك القطاعات الإنتاجية والخدمية إذا توفرت الطاقة الإستيعابية بما في ذلك رأس المال البشري المدرب، والإرادة السياسية لمحاربة الفساد، والبيئة الداعمة للإستقار السياسي والإجتماعي. أما في المدى الطويل، فالتدفقات المتوقعة، إذا تحققت، قد لا تفي لخدمة الديون واجبة السداد بالنقد الأجنبي بعد نقطة الإنتهاء، (2024م)، ما يتطلب وضع موازنة للنقد الأجنبي موازية للموازنة العامة للدولة وتعلن معها، تعكس توقعات تدفق النقد الأجنبي والطلب المحلي عليه مستقبلياً حتى لا يجد السودان نفسه في دائرة متأخرات الديون الجهنمية مرة أخرى.
في بيانهما بعد وصول السودان إلى نقطة القرار، شكرت إدارتي صندوق النقد والبنك الدوليين كل الدول الأعضاء التي ساهمت في دعم السودان لبلوغ تلك المرحلة. لكن، للأسف، لم تشمل قائمة الشكر أي دولة عربية غير السعودية (أنظر: “السودان ينال خفض دين تحت مبادرة الهيبيك”، البنك الدولي، منشور صحفي، 29 يونيو 2021م). هذا شئ محزن ومخجل في نفس الوقت! فمن إجمالي متأخرات ديون السودان لدول غير نادي باريس المقدرة بحوالي 20 مليار دولار، تستحوذ دول الخليج العربي الرئيسية كالسعودية والكويت على ما يقارب نصف هذا المبلغ. بالتالي، فالإعتماد الكبير على المؤسسات المالية والتنمية الدولية والإقليمية والدول الغربية الكبرى، بما فيها أمريكا، يحتاج إلى وزنة وذلك بإستصحاب دول الخليج العربي الرئيسية في عملية تخفيض عبء ديون السودان الخارجية، خاصة أن هذه الدول لا تعير كثير إهتمام لقرارات نادي باريس. فهي تفضل التعامل في الواقع مع قضايا الديون في الإطار السياسي كما حدث مع العراق في النصف الأول من الألفية الجديدة، حيث رفضت هذه الدول قاعدة نادي باريس (خفض ديون العراق بنسبة 80%) بحجة أنها لم تطالب العراق بأي ديون مستحقة، ما نتج عنه بقاء تلك الديون سيفاُ مسلطاُ على رقاب العراقيين إلى يومنا هذا (للإستزادة من تجربة العراق مع عملية إطفاء الديون، أنظر للكاتب: ” العراق الإصلاح الإقتصادي في ظل الإحتلال”). تحسباُ وتجنباُ لهذا الموقف، فلابد من تنشيط وتكثيف الدبلوماسية السودانية والتواصل السياسي على أعلى المستويات لكسب دول الخليج العربي الدائنة للسودان للمساهمة الفعالة في عملية تخفيف عبء الديون السودانية على الأصعدة الدولية والإقليمية والثنائية، الشئ الذي من شأنه أن يساعد أيضاً في عملية جذب الإستثمارات الخليجية لاحقاً.
للوصول إلى نقطة إنتهاء الهيبيك في 2024م، إلتزم السودان بتعزيز الإستقرار الإقتصادي، تنفيذ سياسات لخفض معدل الفقر، إرساء مجموعة من الإصلاحات تركز على إستدامة المالية العامة، توسعة شبكة الحماية الإجتماعية، تقوية القطاع المصرفي، وتحسين الحاكمية والشفافية. لتحقيق هذه الأهداف، سيساعد البنك وصندوق النقد الدوليين في إطار التسهيل الإئتماني الجديد للصندوق، الذي سبق ذكره، بتقديم المساعدة الفنية وإرشاد السياسات (أنظر: البنك الدولي: “السودان ينال خفض دين…” سبق ذكره). مدة قرض الصندوق المذكور (39 شهراً) تعني تنفيذ ثلاثة برامج تمويلية مع الصندوق. مدة كل برنامج 12 شهراً، يتحصل السودان على حوالى 360 مليون دولار، بعد خصم القرض المعبري الفرنسي، في تنفيذ كل برنامج منها لدعم ميزان مدفوعاته بحكم أن الصندوق مؤسسة مالية لا تمول مشاريع تنموية كالبنك الدولي. أما بخصوص خدمة دين الصندوق للسودان بين نقطتي القرار (2021م) ونقطة الإنتهاء، (2024م)، فقد وافق المجلس التنفيذي للصندوق على إعفاء السودان من تلك الخدمة على أن يُسدد الدين المستحق للصندول من حصائل المساهمات المالية التطوعية (1,4 مليار دولار)، التي تحصل عليها الصندوق بإسم السودان من أكثر من 100 دولة من أعضاء الصندوق، بينها دول فقيرة (أنظر: البنك الدولي: منشور صحفي رقم 187/2021م… سبق ذكره)! هذا يعني أن الصندوق قد أمن نفسه تماماً ضد أي إحتمال لعودة السودان إلى خانة المتأخرات مرة أخرى، بالإضافة إلى ضمان الإحتفاظ بقيادة عملية الإصلاح الإقتصادي، في المدى المنظور!
ختاماً، من الواضح أن طريق معالجة ديون السودان الخارجية ما زال طويلاً ومعقداً يحفه الكثير من الخفايا والخبايا. فبعد قرار نادي باريس للدائنين الرسميين، فلابد للحكومة السودانية من الإسراع في التفاوض الثنائي مع دائني السودان من غير نادي باريس للتأكد من وضع تلك الديون على طريق الإستدامة وفق معيار نادي باريس كحد أدنى قبل الوصول إلى نقطة إنتهاء مبادرة الهيبيك. هذا يتطلب وضع إستراتيجية تفاوضية شاملة والإستعانة بأحد بيوت الخبرة العالمية المتخصصة في عملية خفض الديون بمساعدة فريق قومي عالي التأهيل من إقتصاديين، ومحاسبين وقانونيين. للأسف، عملية التفاوض الثنائي مكلفة مالياً وزمنياً وتتطلب الكثير من العمل السياسي والدبلوماسي، ما يعني ضرورة البدء فيها كأسبقية قصوى.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: