أقصر الطرق لإصلاح الخدمة المدنية: ضرورة تفعيل المؤسسية و الحوكمة الحقة..


د.عثمان البدرى
مدرس تحليل السياسات العامة و استشارى التخطيط الاستراتيجى.جامعة الخرطوم
[email protected]
أعلنت الحكومة إنها بصدد اتخاذ خطوات جادة لإصلاح الخدمة المدنية و أوكلت ذلك “للوزير الأول” أو وزير وزارة مجلس الوزراء المهندس خالد عمر يوسف محمد الأمين… و هو مهندس و سياسى و قطع شوطا فى دراسة ماجستير التخطيط التنموي بمعهد الدراسات و البحوث الإنمائية جامعة الخرطوم .. و قد شاركت بتدريسهم مقرر إدارة التنمية و القضايا المعاصرة… و تلك الدعوة سبقتها دعوات عديدة من قبل كل الحكومات السودانية التى تعاقبت منذ الاستقلال و تم عقد عدد من المؤتمرات للإصلاح الإدارى.. و كان لى شرف المشاركة فى المؤتمر الثانى للإصلاح الإدارى عام ١٩٧٤ و كنت مقرر للجنسية التعيينات و الترقيات و التى كان يرأسها المرحوم السيد ميرغنى الأمين الحاج و كان حينها مديرا للبنك الزراعى قادما من وظيفة محافظ مشروع الجزيرة و التى انتدب إليها بعد أن كان وكيلا لوزارة الداخلية و عميدا للخدمة المدنية و ضمت عضوية اللجنة من ضمن آخرين السيد الأستاذ هاشم ضيف الله و السيد مكاوى سليمان اكرت و أصدر المؤتمر العديد من التوصيات و من أهمها التأكيد على المؤسسية و الحوكمة و انشاء مفوضية الخدمة المدنية و قد كتبت المقترح حينها مفصلا.. و من أهم الضوابط التى كانت مقترحة موضوعية و شفافية الاختيار و التعيين و ضبط الأداء و رفع كفاءة الموظف العام. و نسمع الان كثيرا عن إنتاجية الموظف تتراوح بين خمسة دقائق و عشرين دقيقة فى اليوم و تلك مبالغة و لكنها تشير إلى حقيقة لا جدال حولها أن كفاءة الأداء متدنية فى مرافق الدولة المختلفة. و قمت صباح هذا اليوم الثلاثاء 24/8/2021‪ بالمرور على احد الشركات الحكومية الهامة و وجدتهم اتصلوا على مدير وحدة أخرى لهم بها ارتباط عمل وثيق فقيل لهم أن المدير مسافر لعزاء صهره و لحق به كل الباقين و ليس هنالك من مجيب..
يعتورنا كدولة و مجتمع و حكومة و مواطنين كثير من القضايا المزعجة و المقلقة و بعضها يتخذ صبغة التجاوزات غير العادلة او تلك التى يُغض الطرف عنها استسهالا و استصغارا حتى تتفاقم و يصبح التعامل معها فىه صعوبة و حساسية و تكاليف .و هي فى الأصل قضايا إدارية بسيطة جدا يمكن التعامل معها بأدنى درجات السلم الإدارى اذا كان السلم الإدارى سليما  حازما مؤسسيا منضبطا يعمل و يتعامل وفق مقتضيات القانون السارى بشفافية متابعا أسس و مبادىء الحوكمة  و الحكم الراشد و التى يعتبر السودان من المنتسبين إليها خاصة ضمن  منظومة الاتحاد الأفريقى و مؤسساته.و هنالك قضية بسيطة جدا و عادية و أثارت ضجة بدون مبررات و هي موضوع التعيينات لموظفين فى الدرجة التاسعة و هي أدنى درجات الهيكل الوظيفى لخريجى الجامعات فى حكومة جمهورية السودان منذ الاستقلال.. و التى تمت مؤخرا فى وزارة الخارجية السودانية بعد عقد امتحان للمتقدمين فى قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم… و قد جلسنا للامتحان فى نفس القاعة للالتحاق بوزارة الخارجية.سبتمبر ١٩٧٣. و من  دفعتى  السفير حسن جاد كريم… و من ثم ذهبنا المقابلات المباشرة فى وزارة الخارجية و اذكر من ضمنهم  الوكيل فضل عبيد و  السفير عيسى  مصطفى سلامة مدير عام الشؤون المالية و كذلك د. حسبو إبراهيم الطبيب النفسى.. و تم الاختيار و لم تحدث اية ضجة و اذكر من الدفعة تمثيلا لا حصرا   عبدالهادى الصديق  و نصر الدين أحمد محمد إدريس رحمهم الله رحمة واسعة و من الأحياء الاماجد السفراء حسن جاد كريم و بشرى الشيخ دفع الله و حسن بشير عبدالوهاب و على الشريف و غيرهم و لم تثر اية ضجة.. و هي وظائف مدخل.. سكرتيرين ثوالث خدمة مدنية  و ليست تعيينات سياسية لسفراء حيث يتم تعيينهم فى  الكادر الوظيفى حسب التدرج.. و فى بعض الدول تتم تسمية السفراء بواسطة رأس الدولة باعتبارهم ممثلين له و يقدموا أوراق اعتمادهم لرأس الدولة المبتعثين إليها بحسب البروتوكولات.  و قد دار لغط حول التعيينات الأخيرة و كونت الوزيرة لجنة للنظر فى ذلك. ثم  كون السيد رئيس الوزراء لجنة كذلك من أشخاص و قامات كبيرة ليست لديهم علاقة بهذا الأمر و الأمر أقل منهم كثيرا و يمكن أن يكونوا فى  لجان  لأمور أهم من ذلك بكثير و معظمهم ليس لهم علاقة مباشرة  بالخدمة المدنية  و هو امر خدمة مدنية بسيط كان يمكن أن تتم معالجته بواسطة مفوضية الخدمة المدنية أو مفوضية شكاوى و ظلامات العاملين بالخدمة المدنية و قد تناول هذا الأمر عدد  من الكتاب و رؤسا تحرير .الصحف..   بما لا  مزيد أو زيادة عليه… نحن نحتاج أن نفعل ألمؤسسية القائمة و المنصوص عليها فى القوانين و اللوائح و ان نعممها و نفعلها ليس فى تلك الحادثة بل فى اهم و أخطر منها. و من تلك الأسس و النظم هي تفعيل مبادئ و أنظمة و أسس حوكمة المؤسسات و الهيئات و الشركات العامة و الخاصة و إطرها الفاعلة.و تطبيق هذا يجعلنا ننتقل من مناخ و ممارسات الإكثار من انشاء المؤسسات الى تعميق المؤسسية الراشدة التى لا مجال فيها لهياكل و انظمة و مستويات فارغة المضمون و المحتوى بل تحويلها لمؤسسية لا يوجد فيها مستوى او مسمى او وظيفة خالية من المسؤولية و الواجب و مطالبة بتحقيق نتائج و ليس فقط باكمال هياكل فارغة لا يحس أحد بوجودها أو ذهابها. و من الغريب عندنا أن يرأس الوزراء مجالس الإدارات فتصبح الهيئات أشبه بالإدارات التى تتبع للوزير بدل الوكيل..
و هنالك قضية  هامة جدا نغرق فيها كثيرا جدا و هي اننا ننشئ كثيرا من الهياكل فى شكل مؤسسات و هيئات و شركات و مفوضيات و ما إلى ذلك تحت حجج قد تكون احيانا فيها شيئ من الصحة و هي تطوير العمل لتحقيق الأهداف بكفاءة و فاعلية أكبر و بكفاءة أعلى.و فى كثير جدا من الحالات نكتفئ بالهيكل دون العظم و اللحم و الفاعلية. و فى كثير من الأحيان يتم إحلال و إبدال إذ تصبح تلكم المؤسسات أقرب إلى الاقطاعيات  و بعيدة كل البعد عن أداء المهام و تحقيق النتائج.من ذلكم و الذى يشذ فيه السودان عن بقية دول العالم المتقدم و  هو الأدوار المحورية لمجالس إدارات المؤسسات و الهيئات و الشركات الاقتصادية التجارية و الزراعية و المالية و الخدمية.و قد حملت الأنباء قرارا بحل عدد من مجالس إدارات المؤسسات و سيعاد تشكيلها فهل يكون استبدال أشخاص بأشخاص مع الإبقاء على المضامين خاوية.من أوضح الأمثلة على المجالس الفاعلة مجلس المديرين بشركة فورد للسيارات و كما هو معلوم فقد أنشأها عميد أسرة فورد ثم تم إدخال مساهمين آخرين و قد مرت بسنوات قاسية كادت تؤدى بها.فكان قرار مجلس المديرين Board of Directors و ليس مجلس الإدارة أن العلة الرئيسية هي فى رئيس مجلس المديرين فورد الحفيد و انه غير مناسب للمهنة و أن عبقريته فى التصميم و ليس الادارة .و كانت حجته انه اكبر مالك و اسرته المؤسسة للشركة فكانت اجابة المجلس ان هذا كله صحيح و لكن للمجلس مسؤول  مسؤولية متساوية نحو كل المساهمين على حد سواء أيا كان حجم اسهمهم و انه اذا استمر رئيسا للمجلس  فستواجه الشركة مصيرا مظلوما فقبل و تحول لادارة التصميم و جيئ بالدكتور روبرت ماكنمارا من مدرسة الحكومة فى جامعة هارفارد و التى حملت فيما بعد مدرسة  اسم  جون كينيدى للحكومة Kennedy School of Government فى ما بعد و لا زال الدكتور هنرى كيسنجر أستاذا بها كسالف عهده…و اصبح روبرت ماكنمارا رئيسا للمجلس  و انطلقت الشركة إلى الإمام و كانت النتيجة أنها الوحيدة من بين الشركات الأمريكية الكبرى التى اعتزرت عن قبول أي دعم حكومى عقب الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة فى عامي 2007_2008 و التى كلفت دافع الضرائب الأمريكى سبعمائة و خمسين مليار دولار و لكن مقابل أسهم. عندما تم انتخاب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية جون كينيدى أختار روبرت ماكنمارا وزيرا للدفاع و استمر ثمانية سنوات كاطول فترة يقضيها وزير دفاع أمريكى.ثم أصبح بعد ذلك رئيسا و ليس مديرا للبنك الدولى.. و الرئيس هنالك هو الراس التنفيذى كما فى النظم العالمية ما عدا السودان الا ما ندر… ثم أصبح لاحقا  رئيس البنك الدولى للإنشاء و التعمير IBRD و عادة تختاره الولايات المتحدة الأمريكية بحسب اتفاقية بريتون وودذ بينما ترشح أوروبا رئيس صندوق النقد الدولى IMF…
و ربما لنا عودة أن شاء الله

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: