الصحافي علي الدالي لـ(الإنتباهة): (…..) هذه هي الحقيقة الكاملة للاعتداء عليَّ


ليس من الممكن أن نكون في مرحلة انتقالية ونسير نحو الديمقراطية ومهنتنا تتعرض للإذلال
التستر على الأفراد العسكريين الذين يرتكبون انتهاكات تجاه المدنيين يجب أن يتوقف
ما يقرره الصحافيون أنا معهم فيه (ولو قالوا بكرة تمشي تشطب البلاغ بشطبه)
حوار: أم النصر شرحبيل
* وكأن صاحبة الجلالة كتب عليها أن كل حكومة أو نظام يأتي اياً كانت لونيته وتوجهاته، أن يحجم حريتها ويسوق ــ بل ويسحب ــ الصحافي سحباً ويسحله في الطرقات وكأنه عدو انتهك وطنهم ليقوموا باعتقاله او تعذيبه أو ضربه واهانته أمام المارة كما يفعل تماماً الجيش الغازي لأسراه واعدائه. وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر في التعامل الفظ من قبل بعض افراد المؤسسات العسكرية الذين يخالفون انضباط مدرستهم ليقوموا بضرب وإذلال المدنيين في كل حين دون تفعيل للقوانين التي تحمي حقوقهم، وهذا تماماً ما حدث للزميل الصحافي (علي الدالي) الذي لم يكن الأول ولن يكون الأخير، مادام القانون غائباً وما دامت النظرة الشمولية تجاه الصحافة باقية حتى الآن.
(الإنتباهة) جلست إلى الدالي وهو طريح الفراش، فحكى وسرد تفاصيل ما تعرض له، وعلى الرغم من إصابته الا أن ابتسامته واريحيته المعهودة لم تفارقانه ابداً، فمعاً إلى مضابط الحوار:
   كفارة وحمد لله على السلامة؟
ــ اولاً انا شكر صحيفة (الانتباهة) لتضامنهم واهتمامهم بالقضية لان القضية أصبحت قضية وسط صحفي وصحافيين، وأصبحت قضية مصيرية تتعلق بمصير المهنة ومستقبلها.
   كيف بدأت تفاصيل الاعتداء عليك؟
ــ القصة بدأت بحادث سير صغير وقع بالقرب من المركز الفرنسي السوداني أثناء وجودنا هناك، بين احد النظامين ومواطن، وتدخلنا على إثره وادلينا بدلونا كسودانيين في تحديد من المخطئ قبل حضور شرطة المرور، وكان الحضور يسعون لفض الاشتباك بشكل ودي لتهدئة الأطراف لانه في لحظة اصطدام عربتين الناس ينفعلون، وحتى لا يحدث احتكاك فإنه يحدث تدخل، وبحكم اننا كنا قريبين من الحدث تدخلنا وانحلت المشكلة.
   كيف تحولت المشكلة معكم إذن؟
ــ نحن كنا على متن عربة بوكس، وكان هناك (باركن) بالقرب من مكتب الاستخبارات، ونحن لم نكن نعلم أن هذا مكتب استخبارات لأنه ليس هناك ما يدل على انها جهة أمنية أو استخبارات عسكرية أو غيرها، لكن الواضح أن هناك حركة حولها (لكن هي شنو مافي زول عارفها) ونحن مسبقاً كنا نعلم أن القيادة العامة قبل ثلاثين يونيو حددت وسورت المنطقة العسكرية بالكامل وأعلنت أن هذه المنطقة العسكرية التي تقع تحت مسؤوليتها وسيطرتها وسحبت قواتها داخل مباني القوات المسلحة.
   ثم ماذا حدث؟
ــ بعد أن أنهينا أعمالنا وهمننا بالخروج عقب وقوف البوكس لما يقارب الساعة دون أن يتحدث معنا احد، أضف إلى ذلك أنه لا يوجد معلم بارز يمنع الوقوف، اتى أفراد لمناقشتنا واخبرونا أن هذه منطقة عسكرية. وأنا تصديت للموضوع والعسكري الذي كنت اتناقش معه قلت له إنه لا توجد لافتة تدل على وجود منطقة عسكرية في الأصل أو لافتة مكتوب عليها ممنوع الاقتراب والتصوير أو ممنوع الوقوف هنا. (انا في هذا المكان خمسة سنة بطبيعة عملي لقرب مكتبي منها، ولم أر شخصاً (بركن) هنا تم منعه قبل هذا على الاطلاق، وحتى هذا البوكس عندما وقف كان العساكر كلهم حايمين ناس الشرطة وغيرهم، ولا يوجد أحد أخبرنا بأن هذا المحل ممنوع على الاطلاق وشكله ده افتعال لمشكلة بعد مشكلة الحادث تم السعي لافتعالها) و….
* (مقاطعة).. معذرة هل هذا هو الحدث الأول في هذه المنطقة بحكم قربكم منها؟
ــ وقعت أحداث كثيرة في هذه المنطقة ولم يكن هنالك تدخل من الجيش على الاطلاق في الفترة السابقة، على الاقل لسحب حدود القيادة العامة على حدود مبانيها الرئيسة، والناس المدنيون جميعهم اصبحوا يقومون بايقاف مركباتهم بصورة عادية في الأماكن القريبة لها، حتى أن هناك مكاتب لمدنيين تاريخياً موجودة في المنطقة هذه.
   استمر.. كيف تعاملت معهم؟
ــ تعاملت معهم ببرود كامل وهم كانوا أكثر حرصاً على أن هذه المشكلة تتصعد، لأنه عندما كنا نقول إن هذا (الباركن) خارج (الحتة العسكرية) كانوا يصرون على أن هذه منطقة عسكرية، فقالوا إذا لم يتم تحريك هذا البوكس من مكانه فسوف نقوم بحل اللوحات.
   ماذا كان ردك لهم؟
ــ قلت له انت لست رجل مرور لكي تحل اللوحة. هذه اللوحة يحلها رجل المرور، وانت قلت إنك جهة أمنية ولم اعرف (انت شنو) لان هناك استخبارات وشرطة أمنية، وبحكم وجودنا التاريخي هناك أصبح في مقدورنا أن نميز المؤسسات العسكرية الموجودة. لكن أين مبانيها فلا نعلم، والناس كانوا يسمعون عن وجود فرقة أمنية استخبارات هنا، لكن أنا والله لم أكن افرق بين هذا مبنى شرطة ام مبنى استخبارات او غيره.
   هل سمحت بفك اللوحات؟
ــ قلت له لو أنني أعلم أن هذا قانون مرور سوف أحل اللوحات، ولو تعديت علي انت وانت شخص عادي سوف ادون في مواجهتك بلاغاً، ويمكن أن يتحول لقانون جنائي بإجراءات جنائية ويعتبر تعدياً جنائياً طبقاً للإجراءات الجنائية.
   وبماذا اجابك؟
ــ قال: (والله بفكها بالقوة) فقلت له (بالقوة دي كيف؟) فقال للشخص الذي معه: (جيب البندقية دي من جوه.. في بندقية جوة جيبا) وهنا بدأت المشكلة تتصعد، فقلت له: (كدي جيب بندقيتك نحن البندقية ما بتخوفنا) لأن عهد الفوضى انتهى، ونحن في دولة انتقال وفي طريق الديمقراطية ودولة المؤسسات والقانون لا بد أن تسود.
   وبعد ذلك؟
ــ عندما رأى في حديثي ما يشبه الفلسفة تحول الأمر إلى عنف بعد ذلك، وتعامل بالطريقة العنيفة المعروفة عند العسكريين دائماً (فهم دائما ما يلجأون للعنف عندما يفقدون المنطق)، ولذلك فإن العقلية قديمة وبدأت قبل ثلاثين عاماً وبحاجة للتغيير. (انا طبعاً كنت عارف أن هذه المسألة ستتطور لأشياء أخرى طالما بدأوا بالعنف، بدأوا بالقميص فشعرت بأن التحول للعنف بدأ، وبطبيعة تعاملنا وبتاريخنا في الصحافة بنتعرض للعنف كثيراً، فأصبحت لدينا مناعة في مثل هذه المواقف، وأصبحنا نتعامل معها ببرود بمعنى الواحد على علم بأنه سوف يتعرض لعنف في هذه المهنة وضرب، فكل هذا وارد).
* كيف كان تعاملك مع الموقف بعد التحول للعنف؟
ــ تعاملت ببرود شديد جداً (قال لي لازم تمشي معاي جوه، وهذا الكلام نحن بنعرف نثبتوا صورة وصوت)، وفي تلك الأثناء بدأوا بسحب قميصي، بينما بدأ أحدهم يخنق في والثاني يضرب من الخلف.
   كم كان عددهم؟
ــ حوالى خمسة، وتم سحبي من مكاني إلى منتصف طريق الأسفلت، فوجدت عربة وقمت بالإمساك ببابها من المقبض، وأصبحت أقاوم حتى لا يتم جري إلى الداخل بقدر الإمكان، لأنه كان من الممكن أن تحدث تصفية، فالافضل للشخص أن يتم ضربه بالشارع حتى يكون هنالك شهود عيان. وبدأ الضرب العنيف (والجر) في الشارع.
   كيف تم انقاذك من هذا الضرب المميت؟
ــ آخر ما شعرت به أن هنالك امرأة (اتكومت فيني) وقالت لهم: إذا اردتم قتله فاقتلوني معه، وهذه آخر كلمة أنا سمعتها وبعد ذلك فقدت الوعي تماماً ولم أفق إلا وأنا داخل المستشفى. ولاحقاً عرفت أن المرأة أتت معي إلى المستشفى وهي واحدة من الناس الذين اسعفوني (بس أنا ما شفتها ولا أعرف تفاصيلها) وهناك شهود عيان (عارفين تفاصيلها ويمكن نجيبا شاهد وهناك شهود موجودون).
   بعد ذلك كيف بدأت الإجراءات القانونية؟
ــ شرعنا في إجراءات قانونية، وبيان الاستخبارات العسكرية الذي اطلع عليه الجميع جاء فيه انه تم التحفظ عليهم ويتم تحرٍ داخلي معهم.
   هل تم التحري معك؟
ــ نعم.
   من قبل من؟
ــ نحن لا نريد كشف سير التحري معنا سواء من النيابة أو من الاستخبارات ولكن تحروا معنا جميعاً. وانا في ما يليني أن هذه القضية أصبحت قضية رأي عام وأصبحت قضية زملاء وصحافيين، فنحن لا نستطيع أن نقدم لهم اية كلمة شكر تليق بمقام التضامن الذي تم خلال اليومين السابقين من خلال ما سمعناه، بجانب الوجود الكثيف للزملاء الذين يقومون بزيارتي بشكل يومي وهذا تضامن كبير منهم.
   هل ثمة اتجاه لشطب البلاغ؟
ــ أنا لن اخذل شخصاً، وما يقرره الصحافيون أنا معهم فيه (لو قالوا لي بكرة تمشي تشطب البلاغ بشطبه ولو قالوا لي تستمر سوف استمر)، لان الذي حدث لم يحدث لعلي الدالي وإنما حدث للمهنة ومسها ومس جميع الزملاء في شخصياتهم، وأنا حفاظاً على سمعة المهنة وسمعة الزملاء وحفاظاً على بناء مستقبل مشرق للمهنة، وقد تعرضت لمحن كثيرة خلال الثلاثين عاماً الماضية، نريد أن نخرجها منها ونحاول أن نجعلها محترمة امام الشعب، وان تحترمها كل مؤسسات الدولة التنفيذية والمؤسسات العسكرية. فهذه المهنة يجب انها تحترم، وعالمياً هي مهنة محترمة، وليس من الممكن ان نكون في مرحلة انتقال وعلى طريق الديمقراطية ومهنتنا تتعرض للإذلال، سيما أنها المهنة التي تقع على عاتقها مراقبة فترة الانتقال والفترة الديمقراطية، وتكون سلطة رابعة بحق وحقيقة تكشف الفساد أياً كان سواء في المؤسسات العسكرية او المؤسسات التنفيذية، وإلى الآن الفساد موجود، والذي حدث لي جزء من الفساد بحلقاته المترابطة داخل كل المؤسسات، فالتغطية على الافراد العسكريين الذين يرتكبون انتهاكات كبيرة جداً تجاه المدنيين يجب أن تتوقف ويجب أن يستخدم امران.
   ما هما؟
ــ أولاً تفعيل القوانين التي تحمي المدنيين من العسكريين، ثم إعادة التأهيل والهيكلة التي يتحدثون عنها حتى لا تصبح (تنظير وكلام) لأنه في رأيي أن الإصلاح أهم من إعادة الهيكلة، لأن الإصلاح تدخل فيه ورش وتدريب وتغيير العقلية القديمة للثلاثين سنة الموجودة بأن المدني عدو العسكري والعكس تماماً. وأنا الفيصل بيني وبينهم القانون، لأن الحد الفاصل ما بين المدني والعسكري هو القانون، والدولة هذه حتى تصبح دولة مؤسسات يجب أن تفعل فيها القوانين التي تحمي حقوق كل شخص، وهذا هو الشيء الذي سنقوم به بياناً بالعمل في هذه القضية بأن يكون القانون هو الفيصل بيننا في أية مشكلة. وأنا كنت حريصاً جداً ألا أرفع يدي ولا حتى أصبعي في هذه القضية.
   لماذا؟
ــ لأنني أعلم إنني إذا مت هناك صحافيون من بعدي سوف يأتون ويستخدمون هذا القانون ويأتون بحقي، والناس هؤلاء إذا أنا مت سوف يقتلهم القانون وليس أنا، لأن هناك قانوناً سوف يحاسبهم ويوجد إعدام، ومثلما يتعرض زملاؤنا لمحاكمات واعدام هم ممكن يمشوا المشنقة.
   هل هناك فرق في تعامل المؤسسات العسكرية تجاه الصحافيين بين الفترة السابقة أي النظام السابق وهذه الفترة؟
ــ بين الفترتين هنالك فرق كبير، لأنني في فترة الإنقاذ تعرضت لضغوط كثيرة جداً واعتقال كثير، وفي عهد الثورة أنا كنت في المعتقل وتم أخذي من الصحيفة. وهذا منشور في (النت) لرؤية لحظة اعتقالي أيام الثورة في شهر فبراير، وانه كذلك تم بنفس الطريقة وبنفس العقلية رغم إنني لم اقاوم، لان اعتقال الجهاز كان أسوأ من الذي تم الآن، فأنا كنت صحافياً بصحيفة (الجريدة) وتم اقتحام الصحيفة بطريقة عنيفة جداً، وتم اخذي من وسط زملائي وذهبوا بي إلى الأمن الذاتي، وقسم الأمن الذاتي بجهاز الأمن فيه عتاة المجرمين وأنا صحافي أملك قلمي فقط، وتم وضعي في غرفة منفردة وليس معي معتقل.
   هل كان هنالك ضرب وعنف حين تم أخذك في السابق لقسم الأمن الذاتي؟
ــ لم يكن هنالك ضرب ولكن كان هنالك ضغط نفسي، فكون أن الشخص (ينوم ويصحى لوحده) هو نوع من التعذيب أيضاً.
ــ كم يوم قضيت في محبسك؟
ــ تقريباً أسبوع، ثم أصدر البشير قراراً بالإفراج عن الصحافيين، وهذا القرار كان بسببي لوقوف رئيس التحرير الأستاذ أشرف عبد العزيز في ذلك اليوم بكل شجاعة في مؤتمر صحفي آنذاك وكان فيه البشير، فقال: (الزول الكان مصر انو أنا اجي المؤتمر ده جاءت قوة من الأمن صباح اليوم اعتقلته)، أنا كنت مصراً على ذهابهم لأننا صحافيون في النهاية، ومحايدون تجاه كل القضايا ماعدا القضايا الوطنية لا يوجد فيها حياد، ولا يمكن أن نجامل فيها، فنحن ندعم القضية الوطنية ولا بد للناس أن تفهم هذا، فهناك قضايا تعرض المدنيين لانتهاكات من المؤسسة العسكرية لا نجامل فيها، ومشكلتي بدأت بهذا لأنه كان هنالك افتعال لمشكلة، فنحن تصدينا لها وجاءت فينا نحن.
   أخيراً ورغم انك تحفظت على سير القضية، دعني أسألك كيف تمضي الإجراءات القانونية؟
ــ الإجراءات القانونية تسير بصورة جيدة، وحتى لا نظلم الجميع فأنا أشكر مديري الاستخبارات العسكرية لمجيئهم وتقديمهم اعتذاراً كبيراً جداً، هذا في ما يلي المؤسسة العسكرية، وفي ما يلي القوات المسلحة فأنا أقصر قامة من أن تعتذر لي قوات الشعب المسلحة، فأنا ليست لي مشكلة مع قوات الشعب المسلحة فهي مؤسسة وطنية وقومية وعريقة وقديمة حتى قبل نظام الإنقاذ، ولا نحملها وزر الإنقاذ لكونها مؤسسة كبيرة وراسخة وعندنا فيها أهلنا، واي سوداني عنده زول في القوات المسلحة، فالقوات المسلحة ملك الشعب السوداني، لكن تصرفات الأفراد وانتهاكهم لحقوق المدنيين ليس مقبولاً على الاطلاق ونحن لا نقبله، وان شاء الله سوف ندافع عن المدنيين بأية وسيلة، وقد نتعرض للموت ليست لدينا مشكلة، وهذه هي مهنتنا التي تدافع عن حقوق الناس ومستعدون أن نقدم فيها أرواحنا، فإما أن نعمل فيها بشكلها الصحيح أو ندعها ونبحث عن عمل آخر، فلا يوجد خيار غير هذا.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق