محجوب مدني محجوب يكتب: الديمقراطية في الميزان


كثيرا ما يتم الهجوم على هذا المصطلح السياسي من خلال إبراز رموز وشخصيات وجماعات تتبناه وتحتفي به.
فمن هنا يأتي الهجوم حيث يتم إبراز أعمال او أقوال تلك الرموز والشخصيات والجماعات ويوضح خطؤها وانحرافها، وبما أن هذه الأخطاء والانحرافات ظهرت باسم الديمقراطية إذن هذه الديمقراطية قرن من قرون الشيطان يجب الابتعاد عنها، والابتعاد عن كل عمل يؤدي إليها.
وهذا الخلط بين المفهوم وممارسته أشبه بمن يهاجم المال مثلا، فيقول أن جل الفساد وجل الانحرافات وجل التجاوزات التي تتم في العمل العام والخاص بسبب المال إذن المال شر ويجب الابتعاد عنه.
ومثل ذلك السفر فيقال أن اغلب الانحرافات تأتي من السفر بالتالي هذا السفر شر ويجب الابتعاد عنه.
الممارسة الخطأ والاستغلال السيء لأي مفهوم لا يعني بالضرورة ان هذا المفهوم سيء.
وطبعا الناس يريدون ان يريحوا انفسهم، فيحكمون حكما سطحيا، فيقال لك قبل الديمقراطية لم يظهر لنا فلان أو علان.
قبل الديمقراطية لم تظهر لنا سلوكيات فاضحة.
قبل الديمقراطية لم يتجرأ أحد على الجهر بالمعصية.
كل هذه الويلات جاءتنا بسبب الديمقراطية.
فلماذا إذن تطالبون بها وتريدونها؟
وما علموا هؤلاء ان الكأس الذي يحمل السم هو نفسه الكأس الذي يحمل الدواء.
فبدلا من ان يتم إفراغ السم من الكأس وإبداله بدواء.
يريد هؤلاء كسر الكأس ليتم التخلص من السم.
فلأننا لا نمارس الديمقراطية ممارسة صحيحة، فبدلا من ان يتم الهجوم والرفض على الممارسة يأتي الهجوم والرفض على الديمقراطية نفسها.
إذا تم الحديث عن إيجابيات الديمقراطية، وعن ضرورة ممارستها في العمل السياسي يأتون بمقطع لرجل يسيء للدين، ولآخر يقلل من قيمة الأخلاق، وثالث يقلل من قيمة الترابط الأسري.
ما دخل الديمقراطية بكل هذه الممارسات؟
هل حمل السم على الكأس يقدح من قيمة الكأس؟
هل نغير السم ام نغير الكأس؟
والأهم من ذلك هل نستطيع الاستغناء عن الكأس؟
فنحن كما نريد أن نزيل السم من الكأس نريد أيضا أن نحمل الدواء عليه.
والعجيب من يهاجم السم لا ينادي بالتخلص من السم بل ينادي بالتخلص من الكأس.
وهذا بالضبط مثل من يهاجم الممارسات الخاطئة التي جاءت بسبب الديمقراطية، فبدلا من ان ينادى بالتخلص منها ينادى بالتخلص من الديمقراطية.
والطامة الكبرى أن الذي يهاجم ويعادي الديمقراطية يرتاح ويستبشر بوسائل القمع والكبت، فيرى فيها حلا لكل الظواهر السلبية التي جاءت بها الديمقراطية.
والديمقراطية لا ذنب لها سوى أنها إناء تظهر ما تضعه عليه.
ليتحول هذا المفهوم البسيط من أورام خفيفة على الجسم لسرطان يعم جميع الجسد حينما يجتمع هؤلاء الجهلة مع عشاق السلطة والطغاة، فيعملون على تكثيرهم، ويظهرون إعلاميا أن الرذيلة سببها الديمقراطية، وأن الفضيلة يحرسها رجل الأمن.
وهم في حقيقتهم يقصدون أن الديمقراطية تزيل ملكهم، وأن القمع والكبت يحافظ عليه.
فانظر إلى حكم الطغاة ينتشر ويتوالد فيه الجهلة والغوغاء.
وانظر إلى الحكم الديمقراطي ينتشر فيه القلم الرصين، وتقوى فيه مؤسسات الإعلام، ويتساقط منه شيئا فشيئا المرتشون والنفعيون وأصحاب النفوس المريضة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

أضف تعليق