في إعادة التأسيس (3-3) – سودان تربيون


ظلال سنارية في المشروع الوطني

بقلم : السر سيد أحمد

JPEG - 5.3 كيلوبايت
السر سيد أحمد

تعرضت النخبة السودانية الى كثير من الهجاء لفشلها في ابتداع المشروع الوطني المتفق عليه ويمكن أن يضع البلاد على طريق النهضة والتقدم، ويتأسى البعض ان السودان لم يحظ بالمستبد العادل مثل بول كوجامي الرئيس الرواندي الذي انتشل بلاده من وحل الابادة الجماعية وأقام فيها نموذجا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. بداية ينبغي ملاحظة ان مثل هذا النوع من القادة يفرض نفسه في واقع الامر ولو انه من ناحية أخرى فأن رصفاءه أمثال ميليس زيناوي وأسياس أفورقي الذي احتفت بهم الدوائر الغربية في تسعينات القرن الماضي بدأ نجمهم وتأثيرهم في الخفوت كون بعضهم أنتهى الى ديكتاتورية صماء كما هو الحال مع أرتيريا أو من لم ينجح في تشكيل وضع مؤسسي قادر على تجاوز صعاب البناء الوطني كما في حالة أثيوبيا التي تتجه الى حالة من الصراع العرقي الداخلي يهدد الدولة بالانهيار، وحتى كوجامي بدأت صورته تهتز بسبب ممارسة قبضته الحديدية وملاحقته لخصومه في الخارج.

الكثير يمكن أن يقال عن بؤس أداء النخبة السودانية خاصة في شكلها التنظيمي السياسي الذي أوصل البلاد الى هذا المرحلة من الضعف، لكن في النهاية هذا هو الواقع وليس في الحسبان استيراد أناس من كوكب أخر، الامر الذي يتطلب الاعتراف بهذه الحقيقة والعمل على أساسها واستغلال أي فرصة للتقدم الى الامام. فالمشروع الوطني المأمول لن يتبلور بسبب قيادة كارزمية أو بتوفير أطار نظري يتم التوافق عليه.

فبسبب حالة التصحر الفكري واضمحلال القدرة على الفعل السياسي السائدين، فأن الخيار العملي فيما يبدو تخليق هذا المشروع عبر تطوير الحضور الشعبي في الشارع من خلال التجربة والخطأ والانطلاق من الواقع الى التنظير وليس العكس ونقل ذلك الحضور الذي أنجز التغيير الى مختلف أشكال السلطة خاصة في مستوياتها الدنيا صعودا الى أعلى بدلا من الانشغال ببناء نموذج فوقي يتم تنزيله الى أسفل. ويمكن لهذا التوجه أن يكتسب له قيمة ومعنى بالإشراف ما أمكن بداية على الميزانيات انطلاقا من المحليات ومتابعة الانفاق وتحديد أولويات المشروعات حسب احتياجات السكان وفوق ذلك وضع النخب أمام مساءلة شعبية متدرجة عبر مختلف الهياكل الحكومية.

ومع الصورة الكئيبة للواقع الحالي وعلى رأسها تنامي حالة الاحباط واستمرار اضمحلال قدرة الدولة، الا انه في واقع الامر هناك فرصا ونقاطا ضوء إيجابية تحتاج الى العمل الراشد للبناء عليها.

فبداية يمكن القول ان السودان الان في الجانب الصحيح من التاريخ وذلك بإنجازه تحركا سلميا أدى الى التغيير السياسي الرافع لشعارات الحرية والتحول الديمقراطي واحترام حقوق الانسان وكساد سوق الأيدولوجيات الصماء. وهذا ليس بالأمر الجديد فقد حدث من قبل في تجربتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 الذين أنقلب عليهما تنظيمان عسكريان كانا أشد قسوة وشراسة كل حتى من النظام العسكري الذي سبقهما، لكن الجديد هذه المرة ان الحراك الشعبي لم يكتف بتغيير النظام الذي ثار عليه ومن ثم ذهاب الجميع الى منازلهم تاركين للنخبة أمر ترتيبات الوضع الجديد، وانما ظل حضورا في الساحة بصورة أو أخرى.

وهذا الحضور الشعبي لم يتبلور تنظيميا بعد، ولم تستطع الاحزاب القائمة أحداث اختراق والتعامل مع الكتلة الشبابية التي تسيدت المشهد منذ أن محضت ثقتها لتجمع المهنيين أبان الحراك الشعبي، لكن بالرغم من ذلك ظل هذا الحضور متواجدا في الساحة بصورة ما سواء عبر لجان المقاومة أو الخدمات أو بعض الترتيبات والانشطة الخاصة بمنظمات المجتمع المدني التي يمكن تطويرها في إطار تنظيمي مهما كان شكله، الا ان يوفر ألية للضغط ولمراقبة الاداء السياسي والتنفيذي، وهو ما يمكن أن يوفر إحدى الكوابح. فأحد أسباب عدم الجدية والتفكير الرغبوي والاولويات المغلوطة غياب مثل هذه الكوابح الشعبية.

العامل الثاني الذي يمكن أن يلقي بتأثيره ذلك المتعلق بتصاعد التكلفة في أي تحرك بسبب الاجراءات الاقتصادية التي جعلت الناس تدفع التكلفة الحقيقية أو ما يقاربها للسلع والخدمات التي تحصل عليها، وهو سيكون أكبر عامل في اعادة ترتيب الاولويات ابتداءاً من المستوى الفردي ولتتسع مساحته على مستوى المجتمع عبر الزمن ومن ثم احداث تأثير في الممارسة السياسية.

أما العامل الثالث فيتعلق بتضاؤل فرص الحلول الفردية الخارجية سواء بالهجرة الى دول الخليج التي كانت المنفذ الرئيسي وذلك بسبب المتغيرات التي طرأت على سوق العمالة في تلك البلاد ومواجهتها لأزمة عمالة داخلية دفعتها الى اتخاذ قرارات صارمة بخصوص العمالة الوافدة، مما جعل الكثيرين يفضلون العودة الى بلادهم. كذلك فأن منفذ الهجرة الاخر الى الدول الغربية يكاد يكون قد أغلق مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا وذلك من ناحيتي تغير ظروف السودان السياسية مما أبطل دعاوى التهديد بسبب النظام القائم ويسر للكثيرين الحصول على لجوء سياسي كما ان الدول الغربية عموما في وارد تضييق مسارات الهجرة واستقبال من اللاجئين.

وهذا ما سيضعف من خيارات اللجوء الى الخارج وبالفعل بدأت تنطلق بعض الدعوات والممارسات للالتفات للعمل داخل السودان، ويؤمل أن يتصاعد الضغط في هذا الاتجاه بما يفرض على الحكومة انتهاج السياسات الداعمة لتوفير فرص عمل للشباب خاصة والعديد من الدول الغربية يمكن أن تساعد في هذا الجانب لإنجاح النموذج السوداني وهو ما يمكن أن يؤثر في عامل التطلع الى الخارج تدريجيا.

يلفت النظران مبادرة حمدوك عن الطريق الى الامام انه تم تقديمها في شهر يونيو، وهو نفس الشهر الذي سقطت فيه الدولة السنارية قبل قرنين من الزمان بالضبط. وبغض النظر عن إذا كان اختيار هذا التوقيت مقصودا أو لا، الا ان اللهجة التي تبناها حمدوك في مبادرته تلك تعتبر فاصلة ليس فقط بين ما كان يقوله من قبل عن النموذج السوداني وأنما للصراحة التي تحدث فيها وتحدث فيها بصورة غير معهود في كلام المسؤول التنفيذي الاول أن يقول ان البلد على شفير أن تكون أو لا تكون.

الدولة السنارية كانت قد بدأت رحلة التفكك والاضمحلال منذ العام 1803 بعد تضعضع نفوذ الهمج الذي قضوا على نفوذ سلاطين سنار قبل ذلك بأربعة عقود ورغم الجهد الذي بذله الوزراء الهمج بالإصلاحات التي أدخلوها على نظام الحكم، الا انهم لم يستطيعوا وقف ذلك التدهور حتى وصل الامر بالدولة انها لم تعد قادرة على فرض سيطرتها على معظم القبائل والاقاليم وغاب عن الدولة سلاح الردع وبقي لها فقط جزرة العطايا وهو ما فسره الباحث المتخصص في الفترة السنارية جي سبولدنق بقدرة الطبقات البرجوازية والتجارية الناشئة من تحدي النظام الاقطاعي المتمثل في الدولة لذا جاء الغزو التركي وتسليم مدينة سنار له في يونيو 1821 وكأنه فتح أخير للطريق أمام سودان جديد.

مبادرة حمدوك نعت عمليا النظام السياسي للدولة الوطنية القائمة وفتحت الطريق امام متغيرات جديدة مع الفارق ان سلطة الدولة المركزية للدولة أضعف من أن تقود هذا التغيير كما فعلت التركية السابقة، والتحدي ان تتمكن قوى المجتمع عبر مختلف الاشكال التنظيمية المتاحة من تنظيم نفسها ولو من باب غريزة البقاء ودفع القيادات أمام المساءلة الجماهيرية وأعادة ترتيب أولوياتها والعمل بالجدية اللازمة لتحقيق أهدافها في التطور والنماء وسلاحها في ذلك الصبر وأن تركز أعينها وجهدها على أهداف التحول الديمقراطي والحرية والسلام المؤسسية.

يذكر السياسي الامريكي الراحل من أصول سوداء جون لويس انه بعد انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود زاره في البيت الابيض مهنئا. وهناك سأله عن عمره وعندما أجاب أوباما رجع لويس بذاكرته عبر الزمن ثم قال لأوباما انه في يوم مولدك ذلك تم اعتقالي بعد مشاركتي في مسيرة كانت تنادي بالحقوق المدنية للسود. والمغزى واضح انه بالصبر والجهد والتركيز على الهدف يمكن تحقيق الانجاز. وهاهو جهد لويس ورفاقه في العمل من أجل الحقوق المدنية يثمر بعد أكثر من أربعة عقود من الزمان في أن يجلس أول رئيس أسود في البيت الابيض.





مصدر الخبر موقع سودان تربيون

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: