علي مهدي يكتب : المسرح الوطني – مسرح البقعة


ثلاثون عامًا من العطاء، وعشرون دورة من الإبداع

المسرح الوطني مسرح البقعة، نجاحات الحضور والبدايات، من ملكال، الفاشر، نيالا، الجنينة، والتلاقي مع الآخر، والانتشار في باريس، مدريد ، نيويورك ، اشتودغارد، القاهرة الفجير ، اسطنبول، أديس أبابا، طهران، مانيلا وما بينهما .

المسرح الوطني-مسرح البقعة، حكايات التأسيس، وانطلاقة الشراكات المستنيرة، قُطريًا وإقليميًا ودوليًا .

مشى النيل الأزرق (بحر أزرق) ، يهادي أحيانًا، ومندفعًا هادرًا طول الوقت يحاكي  (طاوس) مختال،  يفرد جناح الرحمة للناظرين، ما أجملها الألوان الباقيات، تنتظم الفضاء، ولا يمنعها من الامتداد ظلمة  تهمس لها روح الملتاع، والضوء يعاكس الفراغات فيها، تمور ولا تحد أطرافها في الحسن الفريد، و(بحر أزرق) يعدو نحو الصخرة المقدسة، مدفونة في مواجهة أمدرمان البقعة المباركة، في الطرف الجنوبي الغربي لجزيرة توتي. كنت أيام ازدحام عروض مسرحية (هو وهي) في قاعة الصداقة، أقف في غرفة الإضاء ة أعلى المسرح، أنظر للنيل الأزرق، أحكي له حكاية التمثيل وولعي به وولهي بهذا الحضور اليومي. القاعة بالداخل لا مقعد فيها حتى بين الممرات . كان الجمهور الكبير حريصًا على الحضور ومشاهدة (محمود ود الداية) يضحك ويغني (مبروك عليك الليلة يا نعومة) ولا يهم حتى ولو ووقوفاً . من موقعي أشهد الصخرة الأقدم قال والدي وسيدي وسندي السيد مهدي محمد نور (نوري) بن السيد عبد الكريم قدس الله أسرارهم البهية، أنه سمع أن جده لأبيه الشريف الأمير السيد نصر الدين، قالوا قدم من اليمن السعيد، وبعد أن زرع في أرض ما بين النيلين خيراً ومعارف وأبناء  صالحين،  عاد  في اتجاهات شتى ، وفي الطريق انتقل الى الرحمة الواسعة، فلا قبر له ظاهر ليُزار . قال مؤكدًا، إنه انتقل إلى (البرزخ) من ساعته . والصخرة التي تتراءى لي كل ليلة من غرفتي في مسرح قاعة الصداقة في مواجهة جزيرة (توتي) ، حكى عنها من كتب أسطورة نهر النيل القديمة، وهو في هذا السباق نحو الحقائق وأسبابها،  يتلهف، يدفع بالأوقات لتسرع معه، ليشهد مع الدنيا كيف كان حجمها وقتها، وينتظر لحظة عبور سيدنا موسى عليه السلام النهر ، يتكئ  عليها الصخرة المباركة في انتظار بني إسرائيل ليعمروا الأرض بعدها..

ما كانت تلك أحلامي الأولى في مشهد العروض اليومية للمسرحية الأكثر عرضاً في تواريخ الفنون التمثيلية (هو وهي) الفكرة لمحجوب برير محمد نور، والإعداد والإخراج، أحمد عاطف  . يوم جئتها أول مرة كانت مسرحية حزينة، مأساة، رجل فقد الوظيفة، وجلس في البيت وحيداً  . وفشل العرض، ثلاثة ليالٍ فقط، ووقف عرض(هو وهي ) في عقبة غياب الجمهور، وتحملتُ فشل  الممثل المحبوس في إطار ما أحببته ، وتركتُ كل شيء يومها. ولكن في ذاك الفرغ العريض  أعانني كثيرًا .فكري ذهب هنا وهناك، وتذكرت أيامي الأولى على خشبة المسرح القومي أمدرمان، وكيف كان حضوري الأول في المسرحية الأولي (أحلام جبرة) مع عمالقة الأداء عليهم الرحمة، عثمان أحمد حمد (أبودليبة) . وصديقي ورفيق مشواري يحيى الحاج الزميل، أجمل من يحكي، وكنت مستمعًا يحسن الاستنباط، نمشي بينها البقعة المباركة والخرطوم عموم، نتوقف حيث ممكن، البروفة طالت ومخرجنا الراحل عثمان قمر الأنبياء هذة تجربته الإخراجية الاولى ، والكاتب الشاب يومها عبد الرحيم الشبلي ذاك كان نصه التمثيلي الأول، كلنا في الأول نقف فيه الصف ، إلا هو  ( أبودليبة) وتجارب له كثيرة و متعددة، رائد ومؤسس لكوميديا النمط .

ووقفت أنتظر ما عندي، وحلمي بمسرح خاص لم يذهب . وعدنا لقاعة الصداقة من جديد، بذات العرض (هو وهي)، ولكن على طريقة أخرى ، طريقتي،   ورجعت  لها البدايات، أبحث عنها أسباب النجاح، والنماذج أمامي،  أستاذي الكاتب والممثل والمخرج وكل شيء على خشبة المسرح الفاضل سعيد، وأظن الآن إذا نظرت ثم تأمل ، لمحت بين  ثناياها شخصية (ود الدايا) أطراف منها (العجب) ، نعم وكان العرض الجديد، والأحباب أصحاب الهمة بهم الإعانة دومًا، تحيات  طيبات  لسيدة المسرح تحية زروق، والراحلين محمد خيري وعوض صديق وعادل حسن  وعبد الحكيم الطاهر . والسيدة الفضلى بلقيس عوض، تماضر شيخ الدين، وآمال طلسم، وآسيا ربيع، وناهد حسن . ثم الرفاق  الشقيق عبد الواحد عبدالله، والزميل الشفيع إبراهيم الضو .

كانت مسرحية (هو وهي)  فتحاً جديداً، وإشارة بالغة الأهمية. جلسنا لسنوات في تلك الغرفة، خلف خشبة المسرح على شاطئ (بحر أزرق) ، سنوات نحتسي الشاي، ونسمع الضحكات، ونغني، ونرتجف قبل دخول خشبة المسرح. وقبلها نصلي جماعة خلفه أستاذاً وحبيباً عليه الرحمة، محمد خيري ظأحمد، مغرباً وعشاء ، نستعجل أحيانًا، ونتيقن كل الأوقات، لجمال صوته، لا يلحن في تلاوة، ولا يسهو لنركع سجدة أخرى .

تلك حكاية نجاح عرض أصبحنا بعده من مؤسسي المسرح التجاري، قطعًا اتصال العرض بتلك التفاصيل لن يعجب اتجاهات ومدارس أخرى ، لها في صناعة العروض المسرحية آراء مغايرة لما مشينا فيه من اتجاه .  ثماني سنوات ومحطة الحافلات  أمام قاعة الصداقة، أصبحت (النازل علي مهدي)  ، تلك  حكايات  تسعدني. ذاك كان خياري، وخرجنا بالعرض إلى المدن كسلا ، بورسودان، ومدني . ومشت بنا لحظات تصفيق الجمهور، نتوقف في فرح لتحية جمهور كبير يزداد كل يوم عدداً ، جاء من المدن الأقرب ليشهد المسرحية. أدخلنا يومها على العرض بعض الصور الشعبية، طقس ( الزار) .ووجد القبول، ثم الفصل الدراسي، والإشارات عنده فيكون التعليم الرسمي اهم من غيره .

النجاح يدفع للتفكير الصائب، فقلت لنفسي من نفسي،  هذا هو العرض بعد الألف،  لا دولة خلفه أو مؤسسة رسمية، ولا فيك إلا الوطن، لا الموضوع ينشد التجديد فحسب، في العلاقات الأسرية، ولكن التفاف الجمهور الكبير المتزايد هذا  موحي  ومشجع .فلماذا لا نصنع الاسم الذي لمحته في كل يوم عرض. فقلت من فوري (المسرح الوطني) ،وإعلانه الآن واجب وضروري. وجلست للأحباب الأشقاء الرفاق الزملاء . أطرح عليهم أمري ، مؤكدًا أنه ليس بديلًا للمسرح القومي، إنه، لا الاسم فقط ، لكن الفكرة خلفه ، أن يكون وطنًا فنيًا للجميع. والوطنية عندي أوسع، في كونها تحتوي الكل، وتسمح بالشراكات . لذاك كتبت بعدها الوطن لنا جميعًا ومسرحًا للكل، وحديث الفصل بين الوطنية والقومية ذاك فيه من الفكر الأكثر مع الفن ذي المقاصد الأسمى والأغلى ، والسياسة الأقل، ومشيتها بعدها ، سيرة ومسيرة طويلة بين عواصم الدنيا، بحثت الأمر أول مرة في مدينة (بغداد) ، ثم رجعت (القاهرة) التي أحب وأعشق، كنت أزور المسرح القومي فيها. وفضاءات عوالم عواصمنا العربية التي فتحت لي أبوابها  أزورها  وأدير الحوار  مبتدأ وخبراً. ورجعت للبقعة المباركة مع الصحاب، ما بين  ودنوباوي وحي السيد المكي وعبد الله خليل. ساءلت وأجبت، وراجعت واستخرت ووصلتني الإشارات حضور وغيبة، وقلت المسرح الوطني وكأني أنا الصائب في اختياري، وكتبت ورقتي الأولى عنها تجربة الإنشاء والتأسيس لمسرح القطاع الخاص ، مسرح في الفكرة، لا المبنى .وتلك حكاية أخرى .

فلما استأجرنا مبنى المسرح المهمل يومها في مركز شباب أمدرمان، قلنا اسمه ورسمه (مسرح البقعة) ، وتركنا بينه والمسرح الوطني مسافة، لأن في الأول الفكرة والمعاني خلفها، وفي الثاني الموقع والتاريخ والمباركة.

وعدنا للإنتاج المسرحي، وأعلنا  ثاني  إنتاج ضخم للمسرح الوطني، كانت بعض عروض (هو وهي) الأخيرة من تجارب الإنتاج الأوليه. فبنينا المؤسسة، واستجبنا لنداءات الشراكات المستنيرة ، ودخلنا في شراكة إنتاج، عمل مشترك سوداني مصري (إنهم يقتلون العريس) وفي قاعة الصداقة، وآليات إنتاج مغايرة، ضخمة، وتعاون بين فريق التمثيل وقتها كان ضرورياً، ونجح العرض دون الإشارة للمسرح الوطني حتى استكملت جميع التفاصيل الإدارية والفنية والتقنية، وكان ميلاد الاسم مرتبطًا بأكبر إنتاج مسرحي وقتها (المسمار) ، مسرحية كتبها الأستاذ السر قدور وإخراج إبراهيم حجازي عليه الرحمة، تغييرات أساسية تسبق كل شيء ،اختيارات الفنانين والفنيين والإداريين وطريقة الترويج والإعلان الجديدة المصورة سينمائيًا، ثم الديكور الضخم ، ومكان البروفات، ثم مواقيت العرض ، وكل تفاصيل الإنتاح ، يقف خلفها فريق المسرح الوطني، وتلك حكايات وليست حكاية تستحق دهليز، وعدي أن أكتب عنها لأنها ضرورية، بعدها وُلد مسرح البقعة، والحدث الأهم مهرجان أيام البقعة المسرحية، ثم التطور الأكبر مهرجان البقعة الدولي للمسرح .

التواريخ أهم لأنها توثق .في دهليز آخر أسجل بالإحصائيات الدقيقة ، كم عرضاً خارجياً قدمه المسرح الوطني في قارات الكون؟ وكم ورشة علمية وفنية؟ ثم كيف كانت برامج التعاون مع الجامعات والمنظمات والمؤسسات في العالم؟ ثم كم كتاباً أصدر المسرح الوطني؟ وكم ندوة نظمها مسرح البقعة عبر المهرجان؟ وكم ضيفاً وضيوفاً مشوا في فضاءات الوطن؟

وتلك أم الحكايات ، نسجلها للتواريخ المجيدة.

أحبائي دهاليز التواريخ غير، نعم ،

صبركم علينا

 

 

 

 

 

 

 



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: