تتباين أنواع الملكية والخصوصية أغنيات اشتهرت بغير أصوات أصحابها!!


كتب: سراج الدين مصطفى
شكلت الأغنية السودانية منذ القدم وسيلة مهمة للتعبير عن مكنونات الإنسان الداخلية سواء تجلت في خفقان قلب أو حزن أو غزل أو وصف وظهر ذلك جلياً وبشكل أكثر وضوح في ما يسمي بعصر أغنية الحقيبة.. والأغنية السودانية في عمومياتها وصلت درجة خاصة لتكون فضاء للتعبير عن مواقف معينة خاصة في الجانب السياسي لدرجة أن بعض الفنانين تعرضوا لعقوبات شتى جزاء على إبداعاتهم الفنية كتابة أو رسماً أو لحناً.. ولكني في هذه الجزئية أريد التوقف في بعض المعلومات التي قد تكون غائبة أو لم تجد ينتبه لها.. حيث حفلت مسيرة الأغنية السودانية ببعض المواقف.. حيث نجد أن بعض الأغاني اشتهرت بأصوات بعض المطربين ولكنها في الأصل ليست لهم.. وفي ذلك تتباين أنواع الملكية والخصوصية ..
(أغنية جسمي انتحل):
ولنأخذ نموذج لذلك.. أغنية (جسمي انتحل) والتي اشتهرت بصوت الفنان الكبير أبوعركي البخيت ولكنها في الأصل لفنان يدعى (هاشم حمزة) ومن ألحان الموسيقار (ناجي القدسي) وهو في الـ 16 من عمره أبدع أول تأليف موسيقي خاص به مقطوعة (آمال) التي سجلتها أوركسترا الإذاعة السودانية سنة 1961م، وفي ذات السنة كوّن مع الشاعر حسين حمزة وأخيه الفنان هاشم حمزة، وعوض الله أبو القاسم، فرقة فنية في الهاشماب بأم درمان.. ولحن مجموعة من القصائد للشاعر حسين حمزة هي: (جسمي انتحل، ضاع مع الأيام، وسلوى، والدبلة، والصداقة، ولاقيني في الأحلام). وقد سُجِّلت كلها للإذاعة السودانية سنة 1961م بصوت الفنان هاشم حمزة ولاقت رواجاً كبيراً.
وخلال عام 1962م قام نجم الغناء الصاعد وقتها أبو عركي البخيت بغناء (جسمي انتحل) التي طبقت شهرتها آفاق السودان… واشتهر البخيت بها كما اشتهرت به دائماً… أما لحن (ضاع مع الأيام) فقد تم استبدال كلمات الشاعر حسين حمزة بكلمات الشاعر مرتضى صباحي (خلاص مفارق كسلا) التي أطلقت نجومية التاج مكي، فتحول مع الملحن ناجي القدسي إلى ثنائي بالغ الروعة.
(أغنية في عز الليل):
أغنية (في عزالليل) واحدة من أشهر الأغنيات السودانية.. استمع لها المستمع السوداني بلحنين مختلفين.. لحن بصوت الفنان الكبير عبدالكريم الكابلي والآخر بصوت الفنان النور الجيلاني.. وهذه الأغنية بكلتا اللحنين لها معجبوها.. حيث يفضلها البعض بلحنها الهادئ الذي أبدعه الكابلي وبلحنها الصاخب ذي الإيقاعات المتعددة بصوت النور الجيلاني.. ويقول الشاعر التجاني حاج موسى.. شاعر الأغنية (وظلت القصيدة سنوات تنتظر من يشدو بها.. إلى أن كانت أمسية ثقافية أخرى في العام 1980 بكلية معلمات أمدرمان حيث كنت مشاركاً مع الأستاذ الفنان عبدالكريم الكابلي الذي قدم نماذج من الأغنيات الشعبية وقرأت بعض أشعاري وعند نهاية الأمسية طلب مني كابلي قصيدة ” في عز الليل” وكان قد عزم السفر للمملكة العربية السعودية ليقضي فيها عامين.. وبعد عام علمت أنه لحن الأغنية ومعها أغنية “ماذا يكون حبيبتي” للراحل الشاعر حسن عباس صبحي.. وبعدها بأيام أقمت احتفالاً للصديقين الشاعرين حسن السر وبشرى سليمان بعد عودتهما من الجماهيرية وكان الصديق الفنان النور الجيلاني أحد الحضور فقرأنا أشعاراً وغنينا فطلب النور الجيلاني أن أكتب له قصيدة ” في عز الليل”.. فأخبرته أن الكابلي لحنها، فأخبرني أنه أعجب بالقصيدة ويريد الاحتفاظ بها.
وفي العام 1983 سجلها الكابلي للإذاعة هي ورائعة حسن عباس صبحي “ماذا يكون حبيبتي).. بعدها فاجأنا النور الجيلاني عبر برنامج شهير اسمه (مطرب وجماهير) كان يعده الإعلامي المرحوم عبد العاطي سيد أحمد.. وكان مقدم تلك الحلقة الإعلامي المهندس صلاح طه الذي سأل النور الجيلاني إن كان سيقدم أغنية جديدة.. فقال النور الجيلاني بالحرف الواحد(نعم لدي أغنية جديدة بعنوان “في عز الليل” وأنا أستأذن صديقي الشاعر اسماعيل الحاج موسى.. هكذا نطق اسمي .. واستأذن الفنان الكبير عبدالكريم الكابلي الذي أجاد في أداء ولحن نفس الكلمات أستأذنهما لأقدم محاولاتي في أغنية “في عز الليل”).
وبالطبع أراد النور الجيلاني أن يضعني وكابلي أمام الأمر الواقع.. وقدم الأغنية بلحن بذل فيه جهداً مقدراً وأداء متميزاً.. والجميل في الأمر أن كابلي لم يغضب بل كان سعيداً حينما سألته عن رأيه في الذي فعله النور الجيلاني فأثنى على اللحن والأداء وأضاف أن في عز الليل محظوظة لأنها أتاحت الفرصة لمحبي غنائي وغناء النور الجيلاني من الاستمتاع باللحنين.
(أغنية علي قدر الشوق):
كان ذلك في منتصف السبعينيات.. وكان وقتها الشاعر محمد أحمد سوركتي يشارك الشاعر والصحفي والناقد الفني والشاعر سليمان عبد الجليل في تحرير الصفحة الفنية بجريدة الصحافة.. وكان ذلك أيضاً بعد النجاح الكبير الذي حققته أغنيته ” سلم بعيونك” والتي قام بتلحينها الموسيقار المبدع ناجي القدسي وقام بأدايها الفنان الكبير حمد الريح.. قلت لسوركتي ثم ماذا بعد أغنية سلم بعيونك.. فقال بعدها جاءت (علي قدر الشوق).. وقد أعجبت هذه القصيدة الأستاذ سليمان عبد الجليل وقام بنشرها في الصفحة الفنية.. ثم بعد ذلك حملها بنفسه الى الموسيقار محمد وردي والذي أعجب بها أيضاً ..وتمر الشهور والأيام وإذا بالأخ سليمان عبد الجليل يخبرني بأن محمد وردي فرغ من تلحين الأغنية وأنه بصدد تقديمها قريباً.. وبعد فترة قصيرة اتصل بي سليمان عبد الجليل وقال لي استمع لأغنيتك غداً في إذاعة أمدرمان.. من المؤكد بأنك كنت متلهفاً لهذا الغد، هكذا سألت سوركتي فقال (الغد الذي كنت أنتظره كان هو أول أيام عيد الفطر.. حيث استضاف الإعلامي الكبير علم الدين حامد الأستاذ وردي في صبيحة ذلك اليوم.. ولم أصدق لحظتها أن الأستاذ الكبير محمد وردي سيتغنى بأغنيتي”علي قدر الشوق” وأنا مازلت شاعراً في بداية الطريق وأخطو خطواتي الأولى في هذا المجال، فقد كان رصيدي في ذلك الوقت ثلاث أغنيات فقط هي ـ سلم بعيونك ـ بتقول مشتاق وعشنا وشفنا كتير في الحب للرائع شرحبيل أحمد.. ولم تسعني الدنيا والفرحة وأخبرت كل الأهل والأصدقاء لمتابعة هذا الحدث، مع ملاحظة ذلك الكم الهائل من روائع محمد وردي في ذلك الزمن الجميل.
وسألت سوركتي وقلت له صف لي شعورك وحالة الترقب تلك فقال (كان اللقاء بعد نشرة العاشرة صباحاً ولكنني صحوت منذ الخامسة صباحاً وأدرت مؤشر الراديو على إذاعة أمدرمان، واستمعت لتفاصيل كل تلك الفترة حتى موعد اللقاء بعد العاشرة صباحاً متشوقاً لسماع كلماتي بصوت العملاق وردي .. وجاءت اللحظة فبعد الحوار الذي أجراه علم الدين حامد مع وردي.. كان سؤاله عن الجديد الذي يهديه لمعجبيه في هذا العيد.. فكان رده أغنية جديدة من كلمات الشاعر محمد أحمد سوركتي وأضاف سوركتي مسترسلاً ومتذكراً لتلك الأيام (قدم وردي بالفعل الأغنية بالعود فقط ولم تسعني الدنيا لحظتها وتلقيت الكثير من الإشادات من الزملاء والأصدقاء على هذا الشرف الذي نلته من العملاق محمد وردي.. وتمضي أيام قلائل وإذا بي أستمع لها مرة أخرى ولكن بصوت الموسيقار يوسف الموصلي.. ودخلت مع نفسي في حرج شديد.. وقلت ما هذا الذي يحدث؟ وكيف سيكون وقع هذا الأمر على الأستاذ محمد وردي؟
قلت لسوركتي: كيف وصلت القصيدة للموصلي؟ فقال (ذهبت للأستاذ يوسف الموصلي وسألته من لك بهذه الأغنية.. فقال لي إنه وجدها منشورة في الصفحة الفنية بجريدة الصحافة.. ولما كانت تقام في تلك الأيام مهرجانات للأغنية الخفيفة بليبيا شاركت بالمقطع الأول فقط من الأغنية وتركت بقية القصيدة ــ وبالمناسبة مازال باقي القصيدة موجوداً حتى اليوم ـ وعند سؤاله له لماذا هذا التقطيع قال إن هذا المقطع أغنية متكاملة ولا تحتاج للمزيد.. وقد علمت بأنها فازت من ضمن بعض الأغنيات التي شاركت على مستوى المشاركين من الوطن العربي في هذا المهرجان. وأضاف سوركتي: بعد عودة يوسف الموصلي اتصلت به وأخبرته أن ودري قام بتلحينها وقدمها بالفعل في أول أيام عيد الفطر، وأنه بذلك أدخلني في حرج شديد مع وردي والذي غضب مني معتقداً بأنني أعطيته والموصلي النص في وقت واحد.. ولكني أوضحت للأستاذ محمد وردي أنني لم أفعل ذلك بل أن الموصلي ما كان يعلم بأنك قمت بتلحينها وأنه وجد النص منشوراً في صحيفة الصحافة ولم يدم غضبه كثيراً والفضل في ذلك يرجع للأستاذ علم الدين حامد بعد أن عرف ملابسات القضية.. ولكنني أذكر حتى الآن ما قاله لي وردي (أسمع اللحنين يا سوركتي وستجد عضم اللحن بتاعي).



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: