آمال عباس تكتب : وقفات مهمة المرأة.. في الأغنية السودانية (2)


أواصل ما قد بدأت الحديث عنه الاسبوع القبل الفائت وأكرر الاعتذار عن غياب الصفحة الاسبوع الفائت لسبب يستاهل الانشغال الذي أدى الى عدم لقائنا وإن كان مستمرًا في قاعة اجتماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي مع ما تفكرون فيه وما تحسونه في جميع أوجه الحياة.

كنا نتحدث عن المرأة في غنائيات الحردلو وخلصنا الى ان الشاعر كان يعبر عن مفهوم زمانه عن المرأة وفوق هذا كان يعبر عن نظرة الذين يعشقون واقع مثل واقع الحاردلو.. الحياة المريحة والمكانة الاجتماعية والأدبية المميزة.. التي جعلت الحاردلو يقول ما قال.

والسؤال الذي يطرح نفسه أمامنا هو ماهية مفهوم “الحب أو الغرام أو العشق” عند الحاردلو.. اذا سلمنا بأن النظرة للمرأة في بيئة الحاردلو تحكمها ثلاث عوامل.. أو ثلاث نظرات للمرأة كلها معبر عنها وواردة في شعر شعراء البطانة بما فيهم الحاردلو.. والنظرة منشأها طبيعة العلاقة بين الجنسين.. فهناك النظرة التي تحتقر المرأة وتضها في مرتبة الحيوان وتتمسك بمفاهيم سطحية للعفة والأخلاق,.. والنظرة الثانية حالة الانفصال التام بين الجنسين.. والنظرة الثالثة المعبرة عن اعتمادية المرأة اقتصادياً على الرجل..

وباختصار كل هذه النظرات تشكل واقع.. والواقع يجعلنا نضع فهم مسألة الحب كمسألة أساسية في العلاقة بين الجنسين على الأقل في مجال التغني اذا اعتبرنا انه مادة للتغنى.. ومنها يأتي حديث حول نوعية المفهوم الذي يمكن أن يتولد في مثل هذا المناخ.. و”الحب” كمشاعر أزلية وضعت في الانسان من أجل ابهاج الحياة واستمراريتها.. تعمقه وتسمو به الثقة والاحترام.. وهذه العاطفة بهذا المفهوم لا تستطيع ان تنمو طبيعياً في مناخ تملأ صدر الرجل فيه مفاهيم متحاملة على المرأة إما أنها دون الانسان أو لأنها ناقصة عقل ودين.. أو لأنها تابعة ولا يحق لها التعبير عن مشاعرها..

وفي نفس الووقت تربى الفتاة على أساس أنها خلقت لمتعة الرجل ويحق له ان يلهو بها حسب هواه ورغباته ونزواته. وعلى هذا الأساس نجد ان المفهوم المتغلب عن هذه العاطفة لدى الحاردلو شيء طبيعي فهو يحدثنا حديثاً كثيراً ومتعدداً عن المرأة التي ينظر اليها كقيمة جمالية وكعالم مغلق يجد المتعة في غزوه المتلاحق يقول مخاطباً نفسه:

انسى أمات رشوم كم ضقت فيهو ونلتي

متين ما سمعتي ذكرو من الملك تنفلتي

المغزى الفيهن بطلت ليهو شغلتني

يقول ود أب دبل من “المسيد” لا عند “التي”

والمعنى واضح فهو لا يعبر عن علاقة بعينها مع فتاة وانما يقول لنفسه انك جالستي وآنستي ووصلت الى الحسان أمات رشوم.. والى الآن تطلبي المزيد.. فالحسان اللائي احترف تعشقهن يخبره صاحبه ود أب دبل عن مكانهن في “المسيد” و”التي” وهما قريتان بالجزيرة.

ويقول أيضاً:

واحدة منهن قالت ولوفنا تراهو

فت ليهن نعم محسوبكم اياهو

الصبا والجمال الدايرو ها اللبراهو

ترى هذا الهرد قلبو وقسمها كلاهو

والمربع الغنائي ايضاً يؤكد النظرة المجملة للمرأة باعتبار انها قيمة جمالية يتغزل فيهن الشاعر “بالجملة” ومع ذلك يخصص الشاعر في كثير من مربعاته الغنائية ويركز على مقاييس معينة تبعد في كثير من الأحيان عن “الحسية” يقول:

زينب في البنات مي داب سماحة الزي

نحن نشبه بلا الادتو امو ودي

فيها تلتين خصال ما حواهن حي

الصبا والجمال عقب اللهيج الني

وبعد أن يقول ان اهتمامه “بزينب” مرده للطفلها وحلاوة حديثها يقول في اخرى وفي نفس المعنى:

الشافك قبيل ميت عليك بحساسو

والهسع سمع ظنيتو بقسى خلاصو

الذوق المكمل والصبا البي قياسو

من دون البنات فازت يو خلت ناسو

هناك ظاهرة اخرى كانت في المجتمع السوداني وليدة المفهوم القبلي والاقطاعي الذي يصنف نوع العلاقات في دنيا النساء “الحرائر” وغير حرائر أو بمعنى آخر “بنات عرب” و”خدم” ونلاحظ ايضاً ان التغزل والتشبب بالحرائر أمر محظور على الشعراء ولكن الحاردلو لم يلتزم بذلك.. الى جانب ممارسة حظه في التغزل والتشبب “بالحراري” وذكر اسمائهن وربما يكون مرجع ذلك نظره وحقيقة الملكية..

قلنا لم يلتزم وقد وصف مغامراته في دنيا الحرائر بتباهي ويفتخر ويقول:

كم شلع لكيب دوتي وخرب كجيرو

وكم كسر نبهوا حالي في عصيرو

سري الخاتي عندو حفيظ على ستيرو

حربو معاي افضل من اباتيب غيرو

وواضح انه يقول قد وصل اليهن في خدورهن وكشف قناعهن كليب الدوتي “كجرة الحريم” ويؤكد ان التي يزورها حفيظة على سره وحتى اذا خاصمته يكون عنده أفضل من احسان غيرها “اباتيب” كلمة بجاوية معناها الوصل والاحسان.

وبقدر ما يكتم الحاردلو علاقاته مع الحرائر يشرك ويطلع الآخرين على تجاربه.. هنالك قصة تقول بانه ضرب موعداً مع احداهن ولما أتت ليلاً وجدته قد نام فأخذت “عصاته” وذهبت لتثبت مجيئها ولما صحى من نومته لم يجد العصا وصور الواقعة تصويراً تفصيلياً في غنائية طويلة اسماها “مسدار المطيرق” يؤكد فيها كثير من المعاني التي سلفت يقول:

ذكرتي بالبنات لي عن مصوع فاحت

ضايق عليهن ومن شينتن بتاحت

جديع ودعتهن بالليم علي ما طاحت

هبرت كفتي وعقب المطيرق راحت

انه لم يلتزم بوحدانية العواطف والحب عنده لم يخرج عن تعشقه للجمال في دنيا الحسان على نطاق واسع “لعند مصوع” المسافة الجغرافية آنذاك ويقول انه بالرغم من ذلك لا يود لومهن ولا يتصيد اخطائهن “من شينتين بتحاحت” ونظرته للقاء من زاوية “المغامرة” هبرت كفتي..

وبعدها يأتي دور أخيه عبدالله الذي كان على علم بالموضوع ليقول له:

الليلة المطيرق في نعيم وسروره

وات النوم عيونو وما قريت ليك سورة

ساعتين ان صبر كت تحظى بي البدورة

سعدكك كان رقد ما بجبر المكسورة

يشير الى ان المطيرق اخذتها صاحبة “الموعد” ويلومه على نومه وعدم صبره حتى تأتي الفتاة. ويستمر المسدار على هذا النهج وتأتي في سياقه الكثير من المربعات الغنائية في نفس المعنى الذي يفهم به الحاردلو ومن معه مثل هذه المسائل يقول:

طالت المدة من فرق ام لهيجتن فيه

مرة تتعضر ومرة تايا لينا الجية

كان سمعت القلناه في الحمدية

ما بتحوجنا في مطيرق نسوى ليها قضية

وهنا نوع من التهديد والتباهي بتعدد العلاقات كان سمعت القلناه في الحمدية.. والذي يؤكد تعلق الحاردلو بالجمال والتغني به والتعلق بالحسان والمربع الغنائي التالي اذ يقول:

ديل الطبعهن دايم الابد قصير

حيامة الكلب تزيدن زعزعة ونفير

مطعونين كضب ما بنفعو الغفير

قلبي بشوف عقب بادالي في الفرفير

الغنائية تعكس بوضوح مفهوم الحاردلو في نوعية العلاقة فهو يشبه الحسان “بالغزلان” والتي تنفر بطبعها ويزيد من نفورها ظهور الكلب الذي يشير الوان “الصياد” خلقه ويقول بالرغم من هذا فان الذي يقع في غرامهن لا سبيل لشفائه منه ان قلبه عاوده الخفقان ويؤكد على حاله في مربع آخر اذ يقول:

قام قنعان واتيقن الهاديني

قال لي توب وارجع من طرق سبتيني

من فرق الشبيب الوسادتو يميني

من المستحيل يسهي وينوم ود عيني

في العموم وردت في بعض مربعات الحاردلو الغنائية معان مختلفة تعبر عن معاني كثيرة حول مقاييس الاخلاق.. يقول في مربع لعله يلوم فيه احدى اللائي يهتم بهن:

بت البازمان جاء بالغمام قناصك

لا بهجس ولا بضوق الغميض جساسك

في الزمن القبيل عاجبانا قوة راسك

شن معناك بقيتي شديدة لي من قاسك

هذه أبرز الصور التي طالعتنات من غنائيات الحاردلو بالمرأة ومدى مقدرته على التعبير في فهم “العشق أو الحب أو الغرام” حسبما تساءلنا واذا حاولنا ان نصل الى حقيقة ان الحاردلو من بين مجموع الاسماء التي تغنى بها لابد ان تكون له واحدة استطاعت ان تسيطر على اهتمامه بصورة مركزة وثابتة لوجدناها في التي يقول فيها:

الناس كلهم يهدوني

من اللبنت فوسيب جزائر عوني

اكتم حبها واخفاهو ما بدروني

يظهر كل مرة ويفضحنو عيوني

وهي نفسها التي يقول فيها:

ود اللدرع ال بين فهيد ومساهي

في شدرتين تحت حزاز وريدو الباهي

ما شفت أم نعيم الكنت بيها بلاهي

دابي عتر دحين ما قلت بسم الله

نواصل الحديث الاسبوع القادم

وجهة نظر:

قالت محدثتي: ألا تتفق معي انه قد آن الأوان لتجميع المشتغلين بصناعة الحرف في صعيد واحد قلت “ضاحكاً” الذين يحرقون اصابعهم.. قالت ضاحكة وقد فهمت اكثر مما يراد بكثير.. وما اروع المرأة اذا زانها عقل مثقف.. نعم الذين يحرقون اصابعهم.. وأشياء أخرى غالية ولا يحفلون كثيراً بالمقابل.

قلت أجل آن الأوان ولكن حكاية تجميع واتحاد لهؤلاء المحترفين أمر صعب. قالت في لباقة.. لا داعي للاصرار سمها ما شئت اتحاداً أم منبراً أم لقاء.. المهم أن تكون هناك حركة نافعة.. قلت: تبشرين يا سيدتي بالالتزام أو لشيء من هذا. قالت: نعم الالتزام ولكن من كل حسب قدرته.. وبصورة اخرى ألا تكونوا في وادي وحركة التقدم في بلادنا في واد آخر.. ولا نريد منهم أن يكونوا جوقة من المطبلين قلت: هذا جميل وأجمل منه انك لا تصرين على الالتزام بطريقة الأخذ بالتلابيب.. بالمناسبة الالتزام عند بعض اصحاب المذاهب والعقائد اشبه ما يكون بالمفرمة التي لا ترحم. قالت: ليس في وسع هؤلاء ان يسعدوا الناس. قلت: يا لحرمانهم ويا للشقاء انهم يضعون جوهرة العقل المشعة في قالب ضيق.. ولا يلبث بريقها ان يخبو تدرجياً ولا يصل اليك منه إلا بصيص يتسرب من وراء القضبان. قالت: انظر الى الأدب الروسي قبل اندلاع الثورة الاشتراكية العظيمة.. تأمل شيكوف ودوستوفسكي وتولوستوي وجوركي ونورجنيف وجوجول وبوتكين لقد بشروا بالثورة وعروا الظلم واندسوا في خبايا النفس البشرية وانتصرت الثورة وبرز أدباؤها فماذا صنعوا؟ قلت: التزموا فجحدوا وتحنطوا وتثلجوا الى ان صاح فيهم ايليا اهرنبيج “لقد ذاب الثلج افهموا ايها المتجمدون وحركوا اطرافكم”.

قالت في ذكاء ولكن الالتزام لا يعني الموت إلا عند الذين لا يدركون معناه.. هناك مواقف فرغ الناس من تحديدها ولا مجال للنكوص عنها مرة اخرى. قلت: ان تقدم الفكر البشري حتمية ضرورية ولا تصيبها الا نكسات عارضة لا تلبث ان تزول فالبشرية في مسيرتها تطمح للأرقى والأنفع الأعم.. يقولون ان الابداع لا يزدهر مع الاملاء أو الاغراء. قالت: لا املاء بل يزدهر مع الاقتناع اما الاغراء فلا أراه محركاً عظيماً للابداع. قلت: الحسناء تغمرني بمفاتنها لتكسب الإطراء وتحرك الابداع ليخدمها. قالت: ليس في هذا سمو كبير بل فيه عرض وغرض فالموناليزا لم تزيد لما عرضت من جمال بل بما لم تعرض فالابتسامة لم تنفرج عنها الشفاه ولكنها شعت من الوجه كله.. وهنا تكمن العظمة ويتجلى السمو. قلت: لقد ابدعت وهذا اشبه بموضع سجدة.. هنا يتعبد الاعجاب. فقالت: وقد انداح صوتها موسيقياً.. هذا اطراء لا مبرر له. قلت: ولكنك ابدعتي فماذا اقول في ابداع جاء بلا عرض أو غرض. قالت: لا اريد أن أشعر بأن افقنا يتحدد اريده بلا حدود فالمعرفة لا افق لها.. كان اطراءك ثمن لابداعي.. دعنا نحلق اكثر. قلت: لا اريد لك الحدود والقيود ولكني آدمي لا أقوى كثيراً على التحليق وفي ذهني اسحاق نيوتن. قالت “ضاحكة في ثقة” لا اقصد الخروج عن حدود الآدمية قلت: ملاكاً.. ولكن بلا خروج عن آدميتي يمكنني التحليق ودعك من نيوتن هذا. قلت: يمكنك التحليق ولكن ألا توافقيني ان تحديد المدار قد آن أوانه. قالت: لا حاجة بي لتحديد المدار فالمعرفة والصداقة لا يعرفان مداراً ولا يحدهما افق. قلت: هذا جميل وكبير لكنه يسحق الذاتية ويقضي في قسوة على “الأنا”. قالت: ويمحو الأنانية ويفتح النوافذ على مصاريعها للغيرية.. للاهتمام بالغير للتفكير في شؤون الناس وهنا يتسع المدار ويتعدد. قلت: مهما يكن لابد من ان يتحدد هذا المدار فهو كصنعاء لابد منها وان طال السفر. قالت: كيف كان ذلك؟ وهل تحيل الطبيعة الى الكل ام تحيل الى الذات.؟ الى التكامل ام الى الانعزال والى التجانس ام الى التنافر. قلت: هذه افكار فلسفية تداولها الناس ولكن اذا لم تسعد الذات أو الوحدة كيف يتم التكامل والتجانس وكيف تسود الغيرية؟ قالت “باهتمام”: فعلاً الاساس هو الوحدة ولابد ان تزدهر هي لتؤدي دورها ولكن يجب ان تخرج من مدارها الضيق لتحلق في مدارات المعرفة والمصداقية والغيرية “الاشتراكية” قلت: دعيها تدور في مدارها قلبك لتعرف نفسها ثم تنطلق بعد ذلك للمدارات الأخرى.. قالت: حسناً فلننطلق.

صديق مدثر

حول.. قداسة الميثاق وحماية الثورة:

هذه زاوية جديدة ربما تأخذ حيز “من التراث” الى وقت.. نحيي أول ما نحيي منها اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي في دورة انعقادها الثانية.. ونلبي بها نداء مخلص للمناضل جعفر محمد نميري حول أهمية مناقشة مسارنا النضالي ومحاسبة أنفسنا على ضوء ما انجزنا وما اخفقنا في انجازه في سبيل تطبيق ميثاق العمل الوطني.. والزاوية مفتوحة للجميع واقول فيها اليوم:

عندما نطرح تجربة الاتحاد الاشتراكي لتقييم يجب ألا نفعل هذا خارج اطار النظام السياسي الذي ارتقى التحالف وعاءاً ثورياً تتفاعل فيه مختلف قوى الشعب العاملة عطاءاً وبذلاً لصالح الانسان في السودان والانسان في العالم أجمع.

ثورة مايو تؤمن بأن الوصول لمجتمع الكفاية والعدل هو الضمان الكامل لكل انسان.. الضمان في ان لا يموت من الجوع أو المرض وان يتعلم ويسكن أو بمعنى آخر ان يتحرر من كل انواع الحاجة التي تذل كرامته كانسان.. ولذا كان انتصار الثورة في الخامس والعشرين من مايو 1969م فاتحة عهد لانتصارات عديدة حققتها جماهير الشعب السوداني في مسيرتها نحو غد افضل وحياة اكثر اشراقاً.. لقد التزمت الثورة بخط النضال ضد الاستعمار والامبريالية والصهيونية وجاءت مؤمنة بأن الاستقلال السياسي لا قيمة له بدون بناء اقتصاد وطني مستقل ومزدهر.. وتوجيه الخدمات للجماهير الكادحة والفقيرة من اجل تغيير حياتها ورفع مستواها.

والواقع يقول ان الثورة منذ اندلاعها في الخامس والعشرين من مايو 1969م احدثت الكثير من التغييرات السياسية الجذرية في مفهوم الحكم.. وأصدرت بعض القوانين والتشريعات التي تنظم علاقات الانتاج وتحمي الاقتصاد الوطني من الاستغلال والاحتكار.. فكانت قرارات التأميم والمصادرة وكانت دراسات قانون الاصلاح الزراعي وكانت تصفية الادارة الأهلية والطائفية وكانت مجموع الثورات التي أعلنت في مجال التعليم والصحة والادارة وبعد مسيرة شاقة ومشرقة تقارب مدتها الستة اعوام من عمر ثورة مايو وانجازات في مجموعها مواقف لقائدها كلها تضع السودان في موقعه الطبيعي بين قوى التقدم والخير في العالم.

فقد كان يوم الخامس والعشرين من مايو 1969م نهاية مخاض ثوري أليم عانته وعايشته جميع قطاعات الشعب السوداني التقدمية المدركة لمعنى التحرر والتقدم وكانت ثورة مايو انفجاراً حتمياً لوضع متفجر.. ولذا لم تكن تحركاً هامشياً على سطح الحياة الاقتصادية والاجتماعية.. بل كان انفجاراً عميقاً خلخل أسس الحياة السودانية القديمة وهدم اقساماً هامة من بنيانها المتداعي.

وخلال هذه المسيرة رضيت الجماهير بالثورة ومنحتها التأييد والمساندة منذ مولدها وحتى يومنا هذا واكدت الجماهير على هذا بمواقفها الصامدة في لحظات المواجهات الكبرى للثورة. والحديث الذي سلف كان مهماً وجذرياً ونحن بصدد مناقشة تطبيقات ميثاق العمل الوطني في ذلك.. وفي اطار ثورة مايو مسيرة واحدة غير مقسمة ولا منشطرة ولا قابلة لذلك.. ثورة على ما اعلنت يوم تفجرت.. وتعمل على تحقيق ما اعلنت وآمنت به والفترة التي يحاول البعض عدم الوقوف عندها هي فترة مهمة من عمر الثورة فيها اعلنت بيان 9 يونيو وفيها واجهت الرجعية المسلحة في أبا وفيها اصدرت قرارات التأميم والمصادرة وفيها ناقشت مشروع ميثاق العمل الوطني وفيها واجهت اليسار المزيف وادعياء الوصاية على الشعب.

على صعيد التجربة التي قارب عمرها الثلاث سنوات من العمل السياسي على هدى ميثاق العمل الوطني تكون محاولة تخطينا لدراسة هذه التجربة رغم قصرها ضرب من تجاهل مقتضيات الواقع في الممارسات السياسية.. وبالمثل محاولة اصدار حكم على التجربة من ملامحها السلبية مهما كثرت تكون ضرباً من ممارسة العبث السياسي والخربشات البدائية على وجه انجازات ومجهودات تحمل الكثير من عناء الانسان وجهده المخلص في سبيل البحث عن الافضل.. وعليه هناك مسائل ومرتكزات أساسية يجب ان نجعلها أرضية لتقييم تجربتنا في مجال عمل الاتحاد الاشتراكي وهي:

1. المناخ السياسي الذي تكون فيه الاتحاد الاشتراكي السوداني في مراحله التأسيسية.

2. بناء الاتحاد الاشتراكي بالديمقراطية المباشرة على مستوى الوحدات الأساسية والأقسام والمناطق.

3. واقع الانسان السوداني وانتماءاته السابقة والاتحاد الاشتراكي السوداني هو الاطار السياسي الشامل والفرد للعمل السياسي لقوى الشعب المتحالفة داخله متخذاً من ميثاق العمل الوطني دليلاً للعمل.. باعتباره خلاصة التجربة النضالية للشعب السوداني على مدى حقب الزمن المتتالية وتعبيراً عن ارادة جماهير الشعب الحرة في التغيير والتقدم..

وعندما يقال ان نظرتي وحديثي بهما شيء من القدسية لا يقليني هذا.. فأنا لست من عبدة النصوص ولن اكون ولكني احترم واجل كل ما توصل اليه الفكر الانساني في سبيل ايجاد الارقى والافضل من الحياة ولكني لا استطيع القول بأني لا انظر لميثاق العمل الوطني في قدسية.. فأنا أقدسه حقيقة لا بوصفه نصوص جامدة.. اقدسه لانه خلاصة نضال عاتي وشاق لجميع شرفاء السودان.. واقدسه لانه للآن لم يتعارض مع ما أؤمن به وأدعو له وأعمل على تحقيقه.. بل أملي أن تكون في حجم الميثاق ان تكبر حتى نستطيع ان نحوله واقعاً مزدهراً لانسان هذه البقعة الطيبة من العالم.. أرض السودان.

وتمشياً مع هذه الروح أحاول أن أطرح تجربة الاتحاد الاشتراكي في قيادة العمل السياسي على مدى الثلاث سنوات الفائتة.. نواصل الاسبوع القادم.

مقطع شعر:

بطاقة هوية

الاسم: حماد ود سعيد

وطنه الصغير اسمه امبكول

ميلاده ما معروف متين

لكن كبار ناس امبكول

يقولوا كان زمن البحر غطى الجروف

سنة المدير الليصنب زار امبكول

والعمدة كان ضابح خروف

بالله عيد ميلاد!! في احسن نم كده؟

نوع العمل متوفي قبال سبعة يوم

في الجيب خمسطاشر قرش

حقه صعوط

وحجاب عشان عين العدو

وتلاتة يوم خاتنه في التلاجة

مجهول الاهل

والردي بعد الكافنول

يعلن عن الجثة ويقول

زول بي شنب

وخدوده افقي مفصدة

في الجيب خمساطر قرش

حقة صعوط

حجاب عشان عين العدو

بعد الشقا

رحلة عذاب من امبكول للعاصمة

حمادنا دابو لقى المصير

امكن يكون سارح مع الحور الحسان

ومغازلات وملاعبات وفرش حرير

ايوه اضحكوا..!!

الدنيا ايه غير المسرات والضحك مستدام

وكلام بالهاتف مع احلى البنات

وهدية ليها قارورة من ارقى العطور

وهدية لنفسك براك

قارورة من ارقى الخمور

تصلب عليها الليل عشان بيك ما يطول

وانا بعتذر يا اصدقاء

حماد شنو البفسدوبو الليل وبهجات العمر

ولزومو ايه لي ناس في غاية الانبساط ذكر امبكول

ذكر المسائل الما بتسر

حدثنا عن بهجة مدن ترقص على

رنة وتر من المغيب حتى الفجر

حدثنا عن نهدين برتكان بتحدد النظر

خلينا في ليلة ثبات مافيش خطر

انا بعتذر يا اصدقاء

ماله ياخي ام الحسن

اختو المن اربع سنين لا بساله توب واحد وحيد

تمشيبو للبكا والفرح

تمشيبو للجار والبعيد

حاشا في يوم ما اشتكت حالا

قالت في يوم دايره الجديد

ما عارفه بين حماد وبين دنيا القروعي تارا قديم

من زمن ابوه وجده والجد الكبير في لحظة ما بتصادقو

يصعب على حماد شقا ام الحسن

بتعب شديد.. مابرضو القروش ما بتلقو

ولمان خلاص ضاقت عليه الدنيا

باع تورو وبي تمنه اشترى توبا جديد.. فركة ام صفيح

ونعلين جداد

ما كان ضنين حماد ولا استغلى التمن

ولمان خلاص شد الرحال.. اداها من باقي القروش ريال

من خوفو من غدر الزمان

حماد.. طلع.. حماد نزل

حماد عذابا ضاقو.. ضاقو بيهو الجبال

مافيش شغل.. اسفين كتير

امشي وتعال.. امشي وتعال

يمشي ويجي ويقولو بكرة تعال

كأنهم به يمتحنوه في صبر الرجال

لمان خلاص فضلت خمسطاشر قرش

حقة صعوط.. وحجاب عشان عين العدو

الدنيا غنت وزغردت قبلوه في البوليس نفر

قالو ترجع لينا تستلم الشغل آخر الشهر

في لحظة لو حماد قدر كان طار وحصل امبكول يدي الخبر

حماد سرح

والله يا ام الحسن.. بعد الشقا لشفتيه ياما تسعدي

والله لا تسقي البهم لا تحشي قش

للدلكة والدخان تقومي وتقعدي

شطح الخيال قدامو شان ام الحسن مدلكة ومتبخرة

وسط البنات في احلى توب متعطرة

وفي لحظة بس لاقاه بص شمبات

وراح حمادنا طار فوق وانطرح

ودمو سال.. سال في التراب

من قلبا كان دابو محتضن الفرح

والدم كتب

والله يا ام الحسن.. بعد الشقا الشفتيه ياما تسعدي

والله لا تسقي البهم لا تحشي قش

للدلكة والدخان تقومي وتقعدي

والرادي بعد الكافنول

يعلن عن الجثة ويقول

زول بي شنب

خدوده افقي مفصدة

في الجيب خمسطاشر قرش

حقة صعوط

وحجاب عشان عين العدو

من أمثالنا:

الخوف بفك الجبارة

 

 

 

 

 



مصدر الخبر موقع الصيحة الآن

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: