يوسف السندي يكتب عشة الجبل


اطلعت على المتابعة اللصيقة لقطاع عريض من السودانيين لحفل زواج المغنية السودانية عائشة الجبل، هذا الاهتمام أظهر وجود تحول جديد في الساحة المجتمعية السودانية، مقروءا هذا مع ظهور مغني راب سوداني شاب يخلع قميصه في حفل عام، يوضح أن التغيير الذي حدث في السودان لم يكن تغييرا سياسيا فقط، لم يكن فتحا للمعارضين المقهورين فقط وإنما كان فتحا للكثيرين من الذين أرهبتهم الإنقاذ وفرضت عليهم بسلطانها وصولجانها الاختباء والانزواء وممارسة مواهبهم في إطار ضيق محدد السمات.

لا أستمع إلى الثقافة الغنائية المنتشرة في السودان في الوقت الراهن ( ثقافة القونات)، فأنا مازلت كلاسيكي الطبع أستمع لمحمد الأمين ومحمد وردي وجيل العمالقة مثل الكابلي وعثمان حسين، ولا اخاف على الغناء السوداني الاصبل من الانزواء أمام غناء (القونات)، فالكلمات واللحن والموسيقى والأداء كله بلا مقارنة لصالح الغناء الكلاسيكي، ولكن الانتفاضة الراهنة لغناء (القونات ) وموسيقى (الزنق) والراب تتصاعد وتكسب يوميا مزيدا من المعجبين والمعجبات، مما يستوجب النظر في هذه الظاهرة

من المظاهر المستحدثة مع ثقافة غناء القونات، ظاهرة رمي المال على المغنية وأحيانا على المغني، يمكن أن (نبلع) ظاهرة رمي المال على المغنية لكن ان يرمى على المغني فهذه ( جديدة لنج). بالطبع من يرمي المال ليس معجب بالأغنية ولا أسرته كلماتها ولا أطربه النغم الشجي، وإنما يمارس طقسا اجتماعيا من أجل الظهور والشوفونية، خاصة إذا ذكرت (القونة) أسمه، فهذا قد يخرجه عن طوره.

بالبحث امكن العثور على جذور تاريخية لهذه الممارسة، حيث سيطرت في القرن الماضي في السودان ظاهرة (الحكامات)، وهن مغنيات ينظمن الشعر في فراسة الرجال من اهل قبيلتها او اسرتها، زاع صيت الحكامات وأصبح الأعيان يطلبون ودهن من أجل أن يفوزوا بأغنية منهن تذكر فيها أسمهم فيطير ذكرهم في الأرجاء.

كذلك هناك ثقافات تاريخية في بعض قبائل غرب السودان حيث تعودت بعض النساء رمي المال على المغنيين، لا بدافع المباهاة والشوفونية وإنما كطقس اجتماعي تشاركي وعربونا للفرح.

(المداح ) الذين يمدوحون المصطفى عليه الصلاة والسلام كانوا ايضا ممن ترمى عليهم الاموال، كنا أطفالا نشاهدهم يدورون في حلقة تتوسطها طاولة عليها أنية، ونرى كل فينة وأخرى أحد الأهل وهو يرمي مبلغا من المال في تلك الآنية ثم يثب أمام (المداح ) بعصاه ويعرض لفترة قبل أن يغادر الحلقة.

ظاهرة القونات جديدة في شكلها العام، ولكنها استصحبت بعض الملامح من التاريخ السوداني القديم، استصحبت ظاهرة مدح الناس بالاسماء -أحيانا يمدحن أحياءا ومدنا وقبائلا، واستصحبت ظاهرة رمي المال علي المغنى او المؤدي.

ثورة ديسمبر كشفت الغطاء عن هذا النوع من الغناء، كما كشفت الغطاء عن الكثير من السياسيين ونشطاء المجال العام الذين لم يكونوا يعرفون من قبل وأصبحوا اليوم ملء السمع والبصر، وهي سمة طبيعية للتاريخ، ان لا يستمر على حال واحد، وأن لا تسود فيه طريقة واحدة واسلوب واحد، وإنما يدور الزمان ويدور، وكل دور اذا ما تم ينقلب.

صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: