مراجعات ووقفات مع نتائج المفاوضات والتوقيعات في جوبا (2-2)


صديق البادي

ذكرت في الحلقة السابقة أن مفاوضات السلام التي أجريت بأديس أبابا في عام 1972م كانت بين وفد الحكومة ووفد حركة التمرد (أنيانيا ون)، وأن المفاوضات في ماشاكوس وفي نيفاشا بكينيا كانت بين وفد الحكومة ووفد الحركة الشعبية وتم التوقيع على الإتفاقية في عام 2005م … وجرت بعد سنوات مفاوضات سلام مع عدد من الحركات الدارفورية الحاملة للسلاح مع وفد الحكومة بأبوجا بنيجيريا وأسفرت عن رفض عدد من الحركات التوقيع على إتفاقية السلام ووقع عليها السيد مني أركو مناوي باسم حركته التي يقودها وعين إثر ذلك في موقع مساعد أول رئيس الجمهورية ومشرف على ولايات دارفور ،وجرت بعد ذلك بسنوات قليلة مفاوضات بين عدد من الحركات الدارفورية الحاملة للسلاح ووفد الحكومة في مدينة الدوحة عاصمة قطر برعاية كريمة من سمو الأمير وأركان حكومته واستغرقت المفاوضات وقتاً طويلاً واستضيف المتفاوضون في فنادق فارهة خمسة وسبعة نجوم وصرف عليهم بسخاء وأحضر عدد من المفاوضين المنتمين للحركات أسرهم معهم وتمت استضافتهم وشملهم الكرم القطري الحاتمي وعندما حان وقت التوقيع على البيان الختامي رفضت قيادة حركة العدل والمساواة التوقيع مشترطين أن يكون التوقيع معهم كطرف أساسي أي أن يكونوا هم في المتن ويكون الآخرون في الحواشي والهوامش معللين مطالبتهم بالتميز على غيرهم بأن وجودهم العسكري في الميدان هو الأقوى والأكثر إنتشاراً وعلى عجل تم إيجاد البديل في الدوحة بتجميع عدد من الحركات كونت منهم حركة واحدة وقعت وآل إليها نصيب السلطة المنصوص عليه في الإتفاقية على المستويين الإتحادي والولائي والتنفيذي والتشريعي مع أيلولة منصب حاكم إقليم دارفور إليهم ونصت الإتفاقية علي قيام مفوضيات بإقليم دارفور وقدمت قطر دعماً مالياً وعينياً سخياً للتنمية في دارفور ودورها مشكور غير منكور…وتم توقيع إتفاقية سلام بين الحركات الحاملة للسلاح المنتمية لشرق السودان وبين الحكومة وعقد بالكويت مؤتمر للمانحين وجمعت تبرعات وهبات مالية سخية وأقيم صندوق تنمية الشرق… وبعد إنفصال الجنوب تم الإبقاء هناك في جوبا على الفرقتين التاسعة والعاشرة الشماليتين وظلتا تابعتين للقيادة العامة لجيش الحركة الشعبية بجوبا وكان الوضع الطبيعي الصحيح هو إعادتها لوطنها الأم ليتم دمجها أو تسريحها وإيجاد بدائل أخرى لمن لا يتم استيعابهم في القوات النظامية ولكن شيئاً  من هذا لم يحدث وعهدت إليها في أيام التوترات بين البلدين القيام بهجمات ضد وطنها الأم في الحدود بين دولة السودان ودارفور والقيام بهجمات في مناطق أخرى كما حدث في أبي كرشولا في جنوب كردفان وغيرها، وكما هو معروف فقد كان النظام السابق  ينفق أموالاً طائلة لتحقيق أهدافه والغاية عنده تبرر الوسيلة وأنفق المال الكثير بلا حساب وخلق وظائفاً وهمية وغير ذات أهمية لاستقطاب  البعض وإحاطتهم بهالات زائقة وبدهاء أحدثت إنشقاقات كثيرة داخل الحركات المسلحة وساعدهم في ذلك أن كثيراً من حاملي السلاح يتطلعون للقيادة والسلطة والجاه ولذلك كثر عدد الحركات المنشقة وأصبحت من كثرتها كتنين له مائة رأس وأوردت الأستاذة سهيرعبدالرحيم الصحفية الشهيرة في بابها (خلف الأسوار) المؤثر والمقروء على نطاق واسع قائمة فيها توثيق دقيق وضمت أسماء الحركات الدارفورية وعددها أكثر من ثمانين حركة لكل منها رئيس وذكرت أسماء الرؤساء والقيادات وبالتأكيد أن كل منهم يتلهف لنيل نصيبه في كيكة السلطة والجاه بقدرحجم حركته ولو كان صغيراً والمهم بالنسبة له أن يأخذ نصيبه في السلطة والجاه كما فعل قادة الحركات الموقعة في جوبا الذين إعتلوا مواقعاً دستورية رفيعة ولسان حال المنتظرين لنصيبهم يردد (ما فيش حد أحسن من حد!).

لقد عقدت مفاوضات بين وفد الحكومة ووفود الحركات الحاملة للسلاح واستضافت مدينة جوبا عاصمة دولة جنوب السودان مشكورة هذه المفاوضات تحت رعاية الرئيس سلفاكير ميراديت وحكومته وقامت بالتمويل والصرف علي المؤتمر والمؤتمرين دولة الإمارات ومساهمات بعض الدول والمنظمات الغربية… وطرح المتفاوضون سؤالاً عن الأسباب التي أدت لحمل السلاح وأعلنوا أنهم يريدون البحث عن جذور المشكلة وبكل تأكيد أن طرح هذا الموضوع  لإيجاد الإجابة عليه لا يتقصر على العدد المحدود الموجود في قاعة المفاوضات وهو موضوع عام يهم الجميع وطرحه ومناقشته  ينبغي أن تتم في الهواء الطلق، وقد سبق هؤلاء المتفاوضون في طرح هذا الموضوع بطريقة عملية فيها سعي جاد لإيجاد المعالجات وتوفير التنمية والخدمات بمساهمات وإنجازات فعليه لا نظرية وأذكر من هؤلاء الأماجد على سبيل المثال الأب فيلب عباس غبوش رئيس إتحاد جبال النوبة الذي سعى منذ ستينيات القرن الماضي لطرح قضايا جبال النوبة بلسان طلق مبين وبطريقته المرحة الفكهة كان يطرح مسائل جادة وفي إنتخابات عام 1986م فاز في دائرة الحاج يوسف بالعاصمة وكان يجد إحترام الجميع بكل مللهم ونحلهم وصديقي شبيون وهو من أبناء جبال النوبة كان يعمل ضابطاً إدارياً وهو إنسان على خلق ودين وكان يذكر الأب فيليب بالخير يقول أبونا فيليب…  والأستاذ عبدالقادر أوكيروهو معلم ومربي  كان نائباً برلمانياً  يرأس نهضة البجا والمقصود نهضة الشرق كله… الأستاذ أحمد إبراهيم دريج كان يرأس جبهة نهضة دارفور وثلاثتهم خدموا قضايا مناطقهم دون أن يريقوا نقطة دم واحدة … وإن ما تحقق بالسلم لم يتحقق بالحرب وإن دارفور مظلومة تاريخياً منذعهد الاستعمار وكما ذكرت في الحلقة السابقة فأن أول مدرسة وسطى حكومية أميرية  إقيمت في دارفور في عام 1950م وقد صدقها وزير المعارف الأستاذ عبد الرحمن علي طه وسبقتها مدرسة وسطى أقيمت في عام 1945م في مدينة الفاشر بتبرعات ومساهمات الأعيان والخيرين وكافة المواطنين وأول مدرسة ثانوية في دارفور الكبرى أقيمت في منتصف خمسينيات القرن الماضي في عهد أول حكومة وطنية برئاسة السيد اسماعيل الأزهري وعانت دارفور  في مجالات عديدة صحية وغيرها  وكان من يريد أخذ صورة أشعة بتوجيه  الطبيب فأنه لا يستطيع الحصول عليها   في دارفور لعدم وجودها والحصول عليها لا يكون إلا في مدينة الأبيض أو في العاصمة … والحقائق المجردة أن دارفورحصلت بالسلم على أكبر نسبة في قسمة السلطة ويؤكد العاملون في وزارة المالية وصندوق دعم الولايات (المحلول) إن دارفور الكبرى بولاياتها الخمس وسلطتها الإقليمية نالت أعلى نسبة من المال تقديراً لظروفها الاستنئانية الآنية وتظلماتها التاريخية وثبت بالأرقام والحقائق الدامغة أن ما تحقق لها بالسلم لم ولن يتحقق لها بحمل السلاح الذي كانت محصلته في مجال الخدمات والتنمية صفرية ونتج عن حمل السلاح قتل الأبرياء وكثرة المشردين  والنازحين الذين هجروا قراهم …. وفي عام 2003م شهدت الفاشر تدمير الطائرات في مطارها وبدأت مجموعة صغيرة في حمل السلاح في جبل مرة وغيره أعلنت أن لها مطالباً إذا لم تحقق فأنهم  سيحملون السلاح وكان بالإمكان إخماد تلك الشرارة في مهدها بالوصول لحلول سلمية بعد إجراء مفاوضات جادة مع من يهددون  بحمل السلاح ولكن المؤسف أنها قوبلت بغرور سلطوي واستخفاف واستهزاء وإساءات تخللت الخطب المرتجلة الهوجاء التي كانت تبث عبر كافة أجهزة الإعلام والنار من مستصغر الشرر والحرب أولها كلام وآخرها حطام … وينبغي الوقوف على يوميات الحرب بكل تفاصيلها لأخذ الدروس والعبر ،وعلي سبيل المثال فأن اللوم والخطأ الفادح يقع على الحكومة وحملة السلاح الذين تحلوا بقدر كبير من عدم المسؤولية عندما كانوا يهاجمون ويضربون المقار الحكومية الرسمية بما فيها القوات النظامية وكان عليهم تحمل نتائج ردود الفعل بكل شجاعة ولكنهم كانوا يحتمون في جبن بالقرى ويتخدون الأبرياء الذين لا ذنب لهم دروعاً بشرية والحكومة من جانبها لم تتريث وترد على حملة السلاح دون المساس بالأبرياء الذين لا ذنب لهم وعلى العدالة أن تأخذ مجراها وعند الحق عز وجل تجتمع الخصوم، وعندما يرحل كل من إرتكب جرماً عن الدنيا ويدفن في قبره فأن الحساب فردي ولن تنفعه سلطة وحكومة وتنظيم ولا حركة متمردة حاملة للسلاح ولا تنفعه قوى أجنيبة كانت تحرضه وتدفع له…  وإن دولة السيد رئيس الوزراء دكتور عبدالله حمدوك هو أول من وصف الحركات الحاملة للسلاح بأنها حركات كفاح مسلحة وظل ينادي بضرورة هيكلة القوات المسلحة. وكما يقولون (فأن الحساب ولد) وعلى قيادات الحركات المسلحة أن توضح كل حركة للمقاتلين المضوين فيها ما تملكه من عربات رباعية الدفع وغيرها من العربات والأسلحة الثقلية والخفيفة وتحديد قيمتها المادية مع توضيح أرقام الأموال الطائلة التي بحوزتها لأن لكل مقاتل نصيب فيها ولذلك فأن إعاشة هؤلاء المقاتلين  في هذه الفترة  تقع على عتاق  قادة هذه الحركات ، لقد خاض المفاوضون وخاضت الفترة الإنتقالية في قضايا آجلة غيرعاجلة وهي من صميم مهام الجمعية التأسيسية التي سيتم إنتخابها وتكوينها بعد إنتهاء هذه الفترة الإنتقالية وليس هناك ما يدعو لإثارة زوابع ومعارك في غير معترك …وقد طرحت بعض القضايا المهمة والمطلوب كان هو الوصول لموجهات عامة دون خوض في الأرقام والتفاصيل  وهذا  من إختصاص الخبراء  والفنيين العاملين في  وزارة التخطيط الإقتصادي وديوان  شؤون الخدمة ومصلحة الإحصاء …الخ

ونعم للسلام السلام السلام ولا شيئ غير السلام ولا لحمل السلاح وما يتبعه من إراقة للدماء وتدمير وتخريب … وما تم التوصل إليه في جوبا هو محصلة إجتهادات بشرية قابلة للصواب والخطأ والمراجعة وتخضع للتقييم بعد التجريب وهي ليست كتاباً مقدساً منزلاً من السماء.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: