بين أفغانستان الأعز، والسودان الأذل


أيوب صديق

شهد العالم في الأيام الماضية، دخول مجاهدي طالبان عاصمة بلا دهم كابل، منتصرين بعد عشرين عاما على عدوهم الذي طردهم منها، وهو أمريكا، التي غزت بلادهم في أكتوبر من عام 2001 للإطاحة بحركتهم، متهمة إياها بإيواء أسامة بن لادن وشخصيات أخرى في القاعدة. وكانت الأهداف العامة للغزو هي تفكيك القاعدة، المتهمة بتنفيذ هجمات 11 سبتمبر قبل أسابيع من ذلك، وحرمانها من قاعدة آمنة للعمليات في أفغانستان. لقد سبقت ذلك الحربُ الأهلية الأفغانية (1996–2001) بين طالبان ومجموعات التحالف الشمالي، وهي الحربُ التي أدت إلى سيطرة طالبان على90 في المئة من البلاد في سنة 2001، فأصبح الغزو الأمريكي في ذلك العامالمرحلة الأولى من الحرب الأمريكية التي استمرت عشرين عاما وانتهت هذا العام ، حيث أكملت القوات الامريكية انسحابها من أفغانستان 31 أغسطس الماضي، وكان انسحابا في نظر المراقبين هزيمة نكراء لأمريكا، إذ صار عدو الأمس حاكمَ اليوم في البلد الذي انفقت فيه هي وحلفاؤها الغربيون مليارات الدولارات، في تطوير وتسليح وتدريب الجيش والقوات الجوية والقوات الخاصة والشرطة في أفغانستان. وأنفقت أمريكا وحدها ما يقرب من 83 مليار دولار على قطاع الدفاع في أفغانستان. وقال حلف شمال الأطلسي إنه تبرع بأكثر من 70 مليون دولار من الإمدادات لقوات الدفاع الأفغانية، بما في ذلك المعدات الطبية والدروع الواقية من الرصاص. فورثت طالبان كل ذلك العتاد العسكري الضخم.

كان دخول طلبان كابل أمرا مفاجئا للمراقبين، وبالذات للحكومة الامريكية التي قدرت أن طالبان لن تستطيع دخول كابل قبل ثلاثة أشهر أن قدر لها دخولها بعد انسحابهم. ولكن طالبان دخلت كابول وهم موجودون في أفغانستان يحضرون لإكمال انسحابهم منها، وقد رؤي كثيرٌ منهم ساجدين لله شكرا، وقد بكى كثير منهم تأثرا بذلك الموقف، وقد نصرهم الله على عدوهم الذي اسكنهم الجبال والوديان عشرين عاما، وهم لم يشكوا في انتصارهم وعودتهم إلى بلادهم وقد فعلوا. وقد رأى العالم عسكريي طالبان وهم يقودون في شوارع كابل الآلات الحربية التي غنموها من الغزاة الأمريكيين وممن ظاهروهم من الغربيين. ومن ذلك أن قاد أحدُهم إحدى طائرات الهليكوبتر العسكرية الأمريكية، وقد وشحها بعلمهم الأبيض الذي عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) محلقا بها على جبال بلاده، التي سكنها هو ورفاقه عشرين عاما. فقد غنمت طالبان العتاد الضخم الذي خصت به أمريكا وحلفاؤها نظام افغانستان حيث فر رجاله من البلاد، بمجرد أن سمعوا بقدوم طالبان، إذ قذف الله في قلوبهم الرعب، الذي نصر به من يقاتل في سبيله مخلصا تحت راية لا إله إلا الله والله أكبر.

لقد حاربت طالبان أمريكا، فقتل منها الأمريكيون الكثير من الرجال، وقتلت هي كذلك منهم الكثير. وعندما لم تجد أمريكا لنفسها فكاكا من ورطة أفغانستان، وأرادت الانسحاب منها، اضطرت راغمة إلى مفاوضة طابان في الدوحة، وقبل المفاوضات قالت لها طالبان، إن مفاوضينا في سجونكم، اطلقوا سراحهم ليأتوا ليتفاوضوا معكم. فاضطُـر الأمريكيون إلى ذلك، فأطلقوا سراح رجالها الذين جاءوهم بلحائهم الكثة وبزيهم الفضفاض، وهم يعتمرون عمائم لم تلتف على روس خضعت لغربي متكبر متجبر، كما خضع له حكامنا في الخرطوم ذلة ومهانة. ويقال إن المفاوض الأفغاني رفض أن يقف لمصافحة المفاوض الأمريكي. وقالوا لهم بكل عزة نفس، إننا نريد إقامة دولة إسلامية في أفغانستان، ولم يعترض المفاوض الأمريكي على ذلك، لأنه يعرف أنه يفاوض رجالا مؤمنين لا يخشون في الله لومة لائم. وقد قال أحد علمائهم وهو يجيب عن أسئلة أحد الصحفيين الغربين، وهو يعلم أن كلامه هذا سيذاع في بلاد الغرب وفي أنحاء العالم الأخرى وهو يتحدث بلغة عربية مبينة، هذا نص قوله:

إننا ندافع عن ديننا بدمائنا فحدودنا حدود الدم، حدود المتفجرات، الذي يهين ديننا يجب أن يعرف أن واحدا منا سيموت. هذا أو غيره، الذي يهين ديننا وكرامتنا يجب أن يفهم أن هذا صراع حياة أو موت. فنحن نعيش ونموت من أجل ديننا لاشيء مقدس عندنا أكثر من ديننا. ومن يصطدم بديننا يجب أن يعرف بأنه سيكون هناك اصطدام بمتفجرات، فلا مساومة في ذلك، فنحن لا نعيش لحياتنا، لبطوننا وفروجنا، نحن نعيش لديننا وحده. وهناك نقطة مهمة اعتقد أن الشعوب الغربية لا تفهمها، والسياسيون يفهمونها ولكن يريدون أن يحيدوا عنها، وهي أن إسلامنا ليس كالمسيحية، إسلامنا حركة تغيير سياسية بالاصل. الانجيل ليس كالقرآن، القرآن به خمسمئة آية حول السياسة والسلطة التشريعية والحكم والقضاء بآياته المختلفة. هذا لا تجده في الانجيل. هنالك فارق كبير ولذلك لا ينيغي أن نقول في الإسلام الدين على حدة والسياسة على حدة، الدين والسياسة معا في الإسلام، وخلال العشرين سنة المقبلة في تصوري نعيد خلافتنا لنكون رقما صعبا في المعادلة الدولية. امتنا قطعت سبعين في المئة من الطريق بقي ثلاثون، وفي تصوري وفي تخميني خلال العشرين سنة المقبلة بإذن الله ستكون لنا خلافتنا الشرعية التي نبايعها جميعا شاء الغرب أبى“.

ذلك قول عالمهم الذي سمعه الغرب وشاهده وقد ثبتوا على ذلك النهج حتى انتصروا ودخلوا عاصمة بلادهم معززين مكرمين. إن الغربيين كغيرهم من البشر، يحترمون القوي، العزيز النفس الأبيِّها، ولا يحترمون الذليل الخاضع،الذي يهين نفسه لهم وإن استفادوا منه، كما فعل حكامنا في الخرطوم، حيث مع كراهتهم للإسلام ومقتهم له، فبمجرد أن آلت إليهم السلطة، جعلوا إرضاء الغرب هو الذي سيفتح عليهم أبواب النعيم، وأن أفضل إرضاء له يكون بإعلان الحرب على من يمقته هو أكثر من غيره وهو الإسلام، فطفقوا حربا على الله ورسوله، فألغوا قوانينه وشرائعه، وعطلوا أحكامه، واباحوا كل ما حرم، وجعلوا البلاد، ساحة للرذيلة بكل أنواعها، وطبعوا مع اليهود، فلم يزدهمكل ذلك عند الله إلا مقتا، وعند الغرب واليهود إلا ذلة واحتقارا. ولم يفد زعمهم إعادة البلاد إلى المجتمع الدولي. وكما قال الأستاذ ضياء الدين بلال نصا:” العقوبات قائمة، والمقاطعة مستمرة، وكان البشير لا زال في القصر الجمهوري، لا في سجن كوبر وحمدوك لم يحضر من أديس أبابا بعد“.

وهكذا بالقوة وغزة النفس والاعتزاز بالإسلام يحترم الغرب أفغانستان، وبالضعف وإهانة النفس وبغض الإسلام يحتقر الغرب السودان.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب



مصدر الخبر موقع الانتباهه

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: