ضبط أسلحة في مطار الخرطوم




حديث المدينة: عثمان ميرغني

بصراحة حتى هذه اللحظة لم أفهم.. المعلومات التي نشرت حول ضبط شحنة أسلحة بمطار الخرطوم تقول إنها أرسلت من موسكو إلى أديس أبابا في مايو 2019، أي بعد شهر واحد من انتصار ثورة ديسمبر والاطاحة بالنظام البائد.. وظلت في أديس أبابا لمدة تزيد عن 28 شهرا، ثم شحنت أخيرا مساء أمس الأول إلى مطار الخرطوم ووصلت في 72 طردا تحوي بنادق ومعدات رؤية ليلية.. حتى هنا الخبر مفهوم .. ولكن!
يواصل الخبر فيقول :
(1) (تدور شكوك حول نوايا استخدامها ضد الدولة واعاقة التحول الديموقراطي)
(2) (أشارت مصادر في التحقيقات إلى احتمال ارتباط وصول الأسلحة بحالة التفلت التي تشهدها البلاد)
(3) (لم تستبعد أن تكون تابعة لجهاز “الأمن الشعبي” كان ينوي استخدامها في مواجهة الثوار.)
(4) (لكن مصادر التحقيق لم تحدد الجهة المستفيدة وعلاقتتها بالنظام المباد بعد).
هل يستطيع أحد أن يفهمني معنى ذلك؟ فكل هذه المعلومات مبنية حول “نية” و “احتمال” و”تدور شكوك” و” لم تحدد جهة”. وفي هذه الحالة يجب أن نطرح سؤالا مهما.. لماذا إذاً الاعلان عن هذا الخبر إذا كان بكل هذه الحمولة من الظنون والشكوك التي لا سند لها؟
ألم يكن – حسب المهنية في التحقيق الجنائي- الصبر قليلا حتى تستجمع أجهزة الدولة الأمنية الخيوط والمعلومات، لأن التعجل ببث هذه المعلومات الأولية بكل هذا الكم الهائل من الظنون بدل الحقائق قد يساعد في افلات المسؤولين عن هذه الشحنة.. فالمعروف أن أجهزة التقصي عادة تتكتم على المعلومات حتىى لا تمنح المجرمين فرصة التخفي أو تدمير الأدلة أو تضليل العدالة وربما الهرب ..
ومع ذلك هناك وجه آخر أكثر خطورة..
بالله عليكم ؛ دعكم من مستثمر يفترض أن يحمل ملايين الدولارات للاستثمار في بلد تعلن أجهزته ضبط حمولة أسلحة تستهدف أمن الدولة، فلنفترض أن هناك “سائح”، مجرد سائح أجنبي كان يرتب لزيارة السودان للتمتع بالطبيعة أو الآثار والتاريخ هل يجرؤعلى اكمال ترتيبات رحلته للسفر إلى السودان وهو يقرأ مثل هذا الخبر؟
من الحكمة أن تكون “الدولة” جسما واحدا قادرا على التفكير والفعل بعقلية متجانسة تراعي المصلحة العليا للبلاد، فنشر مثل هذا الخبر بمثل هذا التوسع في “الظنون” دون سند أو أدلة يضرب كثيرا الصورة الخارجية للبلاد – المنهكة أصلا بأخبار التوترات والاحتكاكات القبلية – و لو قيل لأي قوى معادية للسودان تمني لما وجدت أفضل من بث مثل هذا الخبر لتشويه صورة الحكومة الانتقالية ورفع منسوب الشكوك في قدرتها على بسط الاستقرار وجلب الاستثمار.
لا أعرف لماذا لا يكون لوزارة الاعلام دور قبل السماح ببث هذه الأخبار الرسمية.



مصدر الخبر موقع صحيفة التغيير

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: