حمدوك .. بين حاضنتين !


فوفقا لما نصت عليه الوثيقة الدستورية .. نصا قطعي الدلالة لا يحتمل أي تأويل ..فإن النظام الدستوري المؤسس عليها قد نشأ بموجب الشراكة السياسية بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير .. وفيما لم يقدم المجلس العسكري الانتقالي أي برنامج سياسي .. مجملا كان أو مفصلا .. فإن الوثيقة الدستورية قد نصت كذلك على أن .. برنامج الفترة الانتقالية يقوم على .. برنامج قوى إعلان الحرية والتغيير ..ثم نصت الوثيقة الدستورية على أن .. رئيس الوزراء ترشحه قوى إعلان الحرية والتغيير .. كما نصت على أن اعضاء الحكومة يختارهم رئيس الوزراء بموجب ترشيحات قوى إعلان الحرية والتغيير .. ورغم كل التعديلات التى طالت الوثيقة فقد ظلت مكتسبات قوى إعلان الحرية والتغيير قائمة لا ينتقص منها شيء .. هذا على المستوى النظري طبعا .. !
ولسبب من هذا .. فقد اصبحت الصفة الرسمية لقوى إعلان الحرية والتغيير .. إنها الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية .. ورغم كل ما ضرب تلك الصلاحيات من خروقات وتجاوزات وتنازلات .. و ما اعتور الحرية والتغيير نفسها من خلافات وانقسامات .. فما تزال الحرية والتغيير تحاسب بذات الصفة .. ولن يجد لها أحد العذر .. فقد شاركت الحرية والتغيير نفسها في صناعة هذا الوضع .. بل تتحمل هي العبء الأكبر في ذلك .. حين تنازلت عن أدوارها حينا .. ثم تقاعست عن بعض تلك الأدوار احيانا .. بل وتراجعت عن مواقفها كثيرا .. !
حين يقال الحاضنة السياسية للحكومة .. فهذا يعني أنها تمثل كل شيء .. وضع البرامج لتلك الحكومة .. اختيار من ينفذون تلك البرامج .. بعد التدقيق والتمحيص المطلوبين .. ثم مراقبة التنفيذ .. ثم التدخل بالتوجيه إن حادت الحكومة أو احد منسوبيها عن الالتزام بذلك البرنامج .. والسعي للتصحيح إن دعا الحال .. بل والتدخل .. وبأعنف الوسائل .. إن دعا الأمر .. وأعنف الوسائل هذه يمكن أن تبلغ حد حل الحكومة نفسها .. ثم إن من مهام الحاضنة السياسية .. الزود عن حكومتها .. والدفاع عن سياساتها .. ودعم برامجها .. وحشد السند السياسي والإعلامي .. وحتى الجماهيري لها .. متى ما كان ذلك مطلوبا ..!
ويبدو جليا .. أن الحاضنة السياسية .. وطوال العامين الماضيين .. ظلت تفعل كل شيء .. إلا مهامها الأساسية .. ولسبب من هذا ايضا .. كانت النتيجة الطبيعية .. تلك الحالة التي تسود المشهد السياسي اليوم .. هل سمعتم يوما أن قوى إعلان الحرية والتغيير .. قد دعت رئيس الوزراء .. ولن نقول استدعت .. الى مقرها المعلوم .. لبحث كيفية كسر الاستعصاء الناشب في أي من القضايا التى مرت على المشهد السياسي ..؟ بل العكس هو الصحيح .. فقد اصبح مقر الحكومة .. ومقر إقامة رئيس الوزراء .. محجة للساسة .. بحاضنتها والخارجين عليها على حد سواء .. والبعض لن يرى الرجل ملاما في ذلك .. ويبدو أنه ومنذ أن اعلن قبل قرابة العامين من العاصمة السعودية الرياض .. أنه ينتظر برنامج قوى الحرية والتغيير .. قد اكتشف أن انتظاره سيطول .. فاصبح هو المبادر الأول ..!
بل هناك ما هو أسوأ من ذلك .. فإن كنا قد بدأنا هذا التحليل بأن قوى إعلان الحرية والتغيير هي الحاضنة السياسية .. فإننا مرغمون على إنهائه بنتيجة مختلفة .. فانظر فقط الى حكومة الانتقال التي تقود البلاد اليوم .. كم من احزابها له صلة بقوى إعلان الحرية والتغيير .. ملتزمة بسياساتها ..؟ ثم انظر الى قوى إعلان الحرية والتغيير .. كم من احزابها المؤسسة خارج المنظومة الحاكمة اليوم .. ؟ هذا فقط لتدرك حجم الأزمة ..!
إن رئيس الوزراء .. إن تأمل في الأمر .. سيجد نفسه أمام حاضنتين .. إحداهما افتراضية وهي قوى إعلان الحرية والتغيير .. وأخرى واقعية .. وهي الأحزاب التى تشكل حكومته اليوم ..!

محمد لطيف
صحيفة السوداني



مصدر الخبر موقع النيلين

اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: